أحزَابٌ فاشِلة!

  • أكثَرِيّةُ أحزابِنا فاشِلةٌ..
    في تدبِيرِ وتسيِيرِ الشأنِ العمُومي والمَحَليّ.. وترشيدِ النّفئات.. وتَوظِيفِ كفاءَاتِها النّضالية.. وفي المُمارسة الإيجابيّة للدّيمُقراطيّة الحزبية.. وفي ما تُخوّلُه الدّيمُقراطيّةُ الوطنية.. وإلى هذا، المُواظَبة على تَصحِيحِ أخطائِها..
    أساسياتٌ تُشَكّلُ عَرقَلةً لنَفسِها ولغيرِها، ولواجبَاتِها تُجاهَ الوَطنِ والمُواطِن..
    أحزابُنا تقفُ حَجرَ عَثرةٍ أمامَ احتِمالِ نَجاحٍ ما، لفائدةِ كُلّ البلد..
    هي عاجِزةٌ نفسيًّا عنِ الانفِتاحِ على الجَميعِ، وعنِ ابتِكارِ حُلُولٍ لقضايا الوطن..
    دِماغُها مُنغلِق.. ولا يَشغَلُ بالَها إلاّ تَوَغُّلُها، وبشكلٍ مَرَضِي، للتّحكّم في مَفاصِيلِ البلد.. وتسَاؤلاتٌ تطغَى عليها: كيف تتَحكّمُ الأحزابُ في كلّ الدّوالِيب؟ وكيف تستَقطِبُ طرفًا؟ وتُؤثّرُ في آخَر؟ وما العَمَل؟ ثم يدُورُ دِماغُها ويَدُور.. ولا يتَوقّف.. والسّلبيّاتُ والإيجابيّاتُ تَتَلاحَق.. ولا تَستَطِيعُ التّراجُع، ولا التّقدّم..
    وتُسمِّي ترَدُّدَها وهَوَسَها بالنّشاطِ السّياسي..
    السياسةُ في مَفهُومِها لا تَعنِي إلاّ أنها تَخدُمُ نفسَها فقط، لا البَلد، ولا المُجتَمَع، ولا الإنسانَ والإنسانيّة..
  • هي أحزابُ الأنا، لا أحزابٌ للجمِيع..
    في عُمقِها تَملِكُ المُشكلةَ الاجتِماعيّة، بِخَلفياتِها التّاريخيّة، وسلبياتِها وإيجابياتِها، ولا تَملكُ مَفاتيحَ الحُلُول، في مَجرَاها السّياسي والاقتِصادي..
    أحزابٌ تُعارضُ من لا يُماشِيها..
  • وها قد وَصَلت إلى البابِ المَسدُود..
    ونجاحُها مُستَحِيل.. لا مع الذّات فقط، أيضًا مع الآخر..
    فاشِلةٌ لأسبابٍ منها أنْ ليسَت وحدَها في السّاحة، لها شُركاءُ هُم أيضًا مُتحَزّبون، وعلى صلةٍ بمُمَوّلِي الصنادِيقِ الانتِخابيّة، وأيضًا بشبكةٍ من الأباطِرة..
    أحزابٌ ليسَت على حالٍ واحِدة.. وفيها الغَثّ والسّمِين، والمَسمُوحُ بهِ والمَحظُور..
    وخلفَها، وبهذه الحُمُولة، جهاتٌ لا تَقبَلُ هي الأخرى أن تَتَنازلَ عن مَكاسِبَ إقطاعيّة..
    وقد تمكّنَت، في مُجمَلِها، من اختِراقِ بعضِ مَفاصيلِ الدّولة، وانضافَ إليها مُتسيّسُون يُتاجِرون في الدّين..
    ومُؤسّساتُ البلَدِ تتَضرّرُ من جَرّاءِ الفَسادِ الحزبِي الذي يَطالُ الحُكومَة، ومُؤسّساتِ الدّولة، ويُسِئُ لمِصداقيّةِ الإدارَة..
    إن الفسادَ السّياسي والاقتِصادي والثّقافي والاجتِماعي لا يَتوقّفُ عند أحزابٍ ونِقابات، بل يَتجاوَزُها من كلّ الاتّجاهات..
  • والنّتيجة: طريقٌ سالكةٌ إلى المَزيدِ من الفَشل..
    وأيُّ حزبٍ يَحسِبُ نفسَه ناجحًا، يتَعرّضُ لمُساءَلات: "هل نَجَحتَ بمَجهُودِك؟ أم آخَرُون قد نَجّحُوك؟ إذا نَجّحُوك، فأنتَ لم تَنجَح.. آخَرُون أوصَلُوك إلى هُنا..
    وجُلّ أحزابِنا لم تَنجَح في الانتِخابات، ولا في إقناعِ الرأيِ العامّ.. إنّها أحزابٌ مُفَبْرَكة.. مُصطَنَعة.. مَنفُوخٌ فيها..
    حوالي 40 حِزبًا في بلادِنا صُوريّة.. وفي أدبيّاتِها المَيدانيّة، هي حزبٌ واحِد، بِتوَجّهٍ واحِد، وتَعدُّدِيّةٍ في زَوايَاه..
    أحزابٌ شكليةٌ بصيغةِ الجَمع، وفي العُمقِ لها نفسُ العقليّة، نفسُ المَصالِح، ورُبّما نفسُ العلاقاتِ مع ذوِي النّفوذ، وذوِي المَال، والقَرار..
    كأنّها كلّها كائنٌ واحد.. وتتّخِذُ نفسَ القرار.. وتَرفعُ أصابِعَها وِفقَ ما يُملَى عليها، لتَصوِيتٍ جماعي، وتجاوُبٍ واحدٍ مع رَغباتِ الحُكومة!
    أحزابٌ تابعةٌ غيرُ مَتبُوعة..
    تابعةٌ للحُكومة، وفي هذا مَصيَدة..
    أحزابٌ مُتكتّلة.. مُتَشارِكة.. مُتَواطئة.. لا اختلافَ بينَها مع الشّركاءِ في الحُكومة.. مُتّفِقةٌ على أن تتّفقَ من أجلِ مَصالحِها، وضدّ مَصالحِ المُجتَمع..
    ونَصِيبُ المُجتَمَع في السّياسة الحزبية واضِح، هو التّفقيرُ والتّجهِيل..
  • ولا مكانَ في أحزابٍ فاسِدةٍ لمُناضِلينَ يُمارسُون النّقدَ الداخِلِي البنّاء..
    وهكذا تَتواطَأ أجنِحةُ الفَسادِ مع الفَساد.
    وتَحرِصُ المَصالحُ على خِدمةِ المَصالح..
    إنها أزمتُنا الحزبيةُ تَتواصلُ وتتَسانَدُ منذ الاستقلال إلى الآن..
    إنّنا أحوَجُ ما نكُون إلى أحزابٍ ناجِعةٍ في تدبِيرِ وتسيِيرِ شؤون البلد.. وعلينا بالعملِ سَويّةً لإخراجِ أحزابِنا من النّفَق، لأنّ نجاحَ أحوالِنا الوطنية، فيه نجاحُ الجميع، على مُختلفِ المُستَويات..
    وقد اعتَادت أحزابُنا مَعُونةَ غيرِها، والتّفرقةَ بين مُناضِلين، وإضعافُ ثقةِ الناس في أحزابٍ أخرى، حتى لا تُنافِسَها في الوُصُول إلى الحُكم..
    وهذه من الاستِشارات التي قد تُقدّمُها جهاتٌ ما، لتَقسيمِ الأُسرةِ الحِزبية..
  • ولا فرقَ بين الأحزابِ عندما تكُون على نسَقٍ مَصلَحِيّ واحد..
    لا فرقَ في الفَسادِ بين أحزابٍ دينيّة ويمينيّةٍ ويَساريةٍ وغيرِها، إذا كانت المَصالِحُ هي تُفرّقُها خلالَ النهار، وتجمَعُها تحتَ مَصابيحِ الليل..
    الفسادُ يُوَحّدُ الفساد..
  • والمِقياسُ ليس إيديُوجياتٍ دينيةً أو يَسارية أو غيرَها.. وفي قياداتٍ "حِزبيّة"، يُعطُونك كلاما، ولا يُقدّمُون عمَلا، أو حُلولاً ملمُوسَةً وبريئةً من طُموحاتٍ انتِهازيّة..
    ولا ننسَى أحدَ زُعماءِ حزبِ "تُجّار الدّين" في بلادِنا.. كان يُبرّرُ سياساتهِ الانتِهازيّةَ بكَونِ "تماسيحَ وعفاريتَ" في البلد، هي كانت تُعَرقِلُ عَملَه على رأس الحُكومة..
    رئيسُ الحكومةِ هذا، ما كان يقومُ بواجِبه..
    كان فقط يُبرّرُ حتى ما لا يُبرَّر..
  • والحلّ: هو التّباعُدِ بين السّلطاتِ والأحزاب..
    وعلى الأحزاب أن تُدافِعَ عن حُقوق الناس.. وبهذا تكسِبُ ثِقةَ أتباعِها، ومِصداقيةَ الجِهاتِ المُختَصّة.. وتَحظَى باحتِرامِ الجميع، وتتَمكّنُ من القيامِ بواجبِها الحِزبي، خِدمةً للوَطنِ والمُواطِن..
    وإذا بَقيّت على نفسِ التّداخُل مع الإدارة، والتّباعُدِ منَ المُجتَمع، تخسِرُ الجَمِيع..
  • هذه الأحزابُ لم تأتِ إلى السّياسةِ من أجلِ خِدمةِ البلد..
    جاءَت من أجلِ الحُكمِ والثّروَة..
    وفَشَلت في سياساتِها وفي أيةِ حركةٍ باتّجاهِ "السّيرِ إلى الأمَام"..
    أحزابٌ قد أسّسَها أشباهُ مُثقّفين لخدمةِ أجنِداتٍ ما، بعيدةٍ عن أهدافِ الوَطنِ والمُواطِن..
    وفي مُجمَلِها لم تأتِ إلاّ لتحقيقِ مآربَ شخصية، وعائلية، في تواطُؤ مع شبَكات، وأباطرةِ المالِ والمُخدّرات والرّيع والمَصالحِ السّياسيّة والاقتِصاديّة والتّجارية مع جِهاتٍ قد تكونُ هُنا وهناك..
    احزابٌ قد فشَلت وتَفشَل، لسببٍ رئيسِي هو أنّها فاسِدة.. وفي هذا تكمُن الأفخَاخ.. ولا استقلاليةَ لها.. ولا ضمِير.. لها مَصالح.. مَصالحُ فقط..
    ومن هذا المَنظُور، هي إلى حدّ ما ناجِحةٌ في أهدافِها الخاصة، تُحقّقُها بتَواطُؤ مع مُؤسّساتٍ ماليّة، وشركاتِ الاحتِكار، وثُلّةٍ من الأباطِرة..
  • وهكذا بدأت أحزابٌ اختارَت جَبهاتِ العَدَاءِ لمُجتَمعاتِها، وتَسبّبت في تجهِيلِ هذه المُجتَمَعاتِ وتفقِيرِها، وفي عَرقلةِ الحقّ الوطني في التّعليمِ والصحةِ والعدالةِ الاجتِماعيّة…
    مُفارَقةٌ غرِيبة: أحزابٌ تسبّبت في تَدَهوُرِ أوطانِها.. بينما دُولٌ تَمكّنت من بناءِ أحزابِها، على أساسِ أدوارٍ واضِحة، عبرَ توازُنات (الحُكم، المُعارَضة، اليَمين، اليَسار…).. أحزابٌ أدّت لنجاحِ دُولِها، ودُولٌ قد فشَلت، بسببِ أحزابِها.. فأينَ يَكمُنُ السّرّ؟ أين المِقيَاس؟ تُقاسُ نِسبةُ النّجاح بإنجازِ أهدافٍ ومَشارِيع..
    تُقيسُ نجاحَكَ - يا زعيمَ الحِزب - بنسبةِ ما حقَّقتَه من أهدافٍ أنتَ وَضَعتَها لنَفسِك، وصمَّمتَها، وعمِلتَ بها، وعلى أساسِها، لكي تقُولَ لنفسِك باعتِزاز: "نجَحتُ إذْ حقّقتُ أهدافَ حِزبي"..
    أمّا أن تكُونَ أهدافُك - يا زعيم - من شخصٍ آخر، أو جهةٍ أخرى، فأنت لستَ إلاً نِتاجَ غيرِك: أنتَ نجاحٌ للآخر.. الآخرُ - من خِلالِك - هو ناجِح.. وأنتَ لستَ أنتَ.. أنتَ موجُودٌ في ظلالِ غيرِك.. وبدُونِ الآخر، أنتَ نَكِرَة.. غيرُ مَوجُود، إلاّ تحتَ أضواءِ غيرِك..
    ومع ذلك، ومن خلالِ استمرارِ العلاقةِ مع أفضالِ الآخَر، تستَطيعُ اختراقَ غيرِك، كما يَستطيعُ الآخَرُ اختِراقَك..
    اختراقٌ مُتبادَل، بفضلِ مَصالحَ مُتبادَلة، ومَغانِمَ وفوائدَ ومَناصِب…
  • ولا نجاحَ لأيّ حِزبٍ إلا بالدّيمقراطيّة: ديمقراطيةٌ داخلَ الحِزب، وديمُقراطيةٌ في كلّ البلد، مع تجنُّبِ الاستِئثارِ بالسّلطة، وتجنّبِ الاستِبداد، والحفاظِ على التّداوُلِ السّلمِي للسّلطة..
    وأيُّ حزبٍ لا يَقبلُ المُعارَضَةَ في صفُوفه، هو حزبٌ يَحكُمُ على بلادِه بالتّراجُعِ والفشَل، والحُكمِ على بقيّةِ الأحزابِ بأن تكُون مُجرّدَ دَكاكِينَ للارتِزاق..
    والنّجاحُ لا يكُونُ بمَعزِلٍ عن المُواطِنين، بل بشراكةٍ مع كلّ مُواطِن، في إطارِ رَوابطَ وضوابِط..
    النّجاحُ يَبدأ بالفَرد، ويَكبُرُ بالجَماعة..
    ومع الجَماعة، وبفضلِ النّقدِ الذاتي، الدّاخِلي، يكُونُ الحِزبُ قُوّةً وصَرحًا.. ويكُونُ النّجاحُ لكُلّ البلَد!
  • مَبدَأٌ عامّ: خائنٌ هو الحِزبُ الذي يُخدُمُ نفسَهَ وعشِيرتَه، ولا يَعبَأُ بحُقوقِ الوَطَنِ والمُواطِن!

[email protected]

الأربعاء 15:00
مطر خفيف
C
°
19.79
الخميس
18.95
mostlycloudy
الجمعة
18.71
mostlycloudy
السبت
18.88
mostlycloudy
الأحد
21.77
mostlycloudy
الأثنين
19.79
mostlycloudy