أزمة سبتة تكشف الإرث الكولونيالي في الوعي الثقافي الإسباني

 أزمة سبتة تكشف الإرث الكولونيالي في الوعي الثقافي الإسباني
الصحيفة | افتتاحية
الثلاثاء 4 غشت 2026 - 10:00

لم تكشف أزمة سبتة فقط عن هشاشة الحدود التي تفصل المغرب عن مدينة ما تزال إسبانيا تحتلها في شمال إفريقيا، بل كشفت، بصورة أكثر إزعاجا، عن أسوأ ما تختزنه قطاعات واسعة من السياسة والإعلام والثقافة في إسبانيا من تمثلات قديمة تجاه المغرب والمغاربة.

ففي اللحظة التي كان يفترض أن يُدار فيها النقاش بهدوء ومسؤولية، وأن تُفهم الأزمة في سياقاتها الإنسانية والسياسية والقانونية، اندفع جزء كبير من الخطاب الإسباني نحو الشعبوية، واستعاد مفردات "الغزو" و"الاجتياح" و"التهديد المغربي"، كأن البلاد لم تخرج بعد من سرديات مملكة قشتالة، وكأن المغرب لا يزال، في المخيال السياسي والإعلامي الإسباني، ذلك العدو القادم من الجنوب الذي ينبغي مواجهته لا فهمه.

كان الاعتقاد السائد أن الصحافة الإسبانية أكثر مهنية ورصانة، وأنها قادرة على إنتاج وعي حقيقي لدى المتلقي، لا على إثارة المخاوف والغرائز، لكن ما ظهر خلال الأزمة كان، في جانب كبير منه، بهرجة إعلامية تطارد العناوين الصادمة والصور المأساوية، من دون أن تتوقف بما يكفي عند أصل الإشكال، وهو: كيف يمكن لدولة أوروبية تقدم نفسها بوصفها نموذجا للديمقراطية وحقوق الإنسان أن تستمر في إدارة مدينتين داخل الجغرافيا الإفريقية باعتبارهما جزءا لا يقبل النقاش من ترابها؟

وبينما سلطت وسائل إعلام دولية الضوء على هذا التناقض، انشغل الإعلام الإسباني بتكرار رواية "إسبانية سبتة ومليلية منذ الأزل"، وكأن الجغرافيا بلا معنى، وكأن التاريخ يبدأ فقط من اللحظة التي تخدم السردية الرسمية الإسبانية.

لم يجهد الإعلام الإسباني نفسه في النقاش حول مستقبل المدينتين أو طبيعتهما الاستعمارية حاضرا بقدر ما كانت حاضرة لغة الدفاع عن "الممتلكات" و"السيادة" والردع العسكري هي التي تغلب علي تقاريره وافتتاحياته والنقاشات "البيزنطية" التي يخطها كتابه.

الأكثر إثارة للقلق أن بعض السياسيين والمعلقين لم يترددوا في استدعاء وصف "المورو"، بما يحمله من حمولة عنصرية وتاريخية، بل وصل الأمر إلى المطالبة برد عسكري على المغرب، وكأن مواجهة دولة جارة هي الحل الطبيعي لأزمة كان يفترض أن تُعالج بالدبلوماسية والحوار والتعاون.

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن بقايا ذاكرة تاريخية لم تُصفَّ بعد بصورة كاملة، فالوجود الإسلامي في الأندلس، الذي قاده في بدايته جيش أمازيغي انطلق من شمال المغرب، ما يزال يُستحضر لدى بعض التيارات الإسبانية بوصفه "جرحا" أو "احتلالا" لم يُشف منه الوعي الجمعي.

وبدلا من التعامل معه باعتباره مرحلة تاريخية أسهمت في تشكيل الحضارة الإسبانية والأوروبية، يُستعمل أحيانا لتغذية نرجسية قومية ترى في المغرب امتداداً لذلك الماضي الذي ينبغي الثأر الرمزي منه.

غير أن مسؤولية هذه الأزمة لا تقع على المجتمع الإسباني كله، ولا على ثقافته في مجموعها، بل على تلك التيارات التي لم تستطع التحرر من العقلية الكولونيالية، وعلى إعلام فضّل الإثارة على المهنية، وسياسيين وجدوا في المغرب والمهاجرين مادة جاهزة لاستثمار الخوف الانتخابي.

لقد تجاوز الزمن منطق الإمبراطوريات والمستعمرات، لكن جزءا من الخطاب الإسباني لا يزال يتصرف كما لو أن التاريخ توقف قبل خمسة قرون، وأزمة سبتة لم تصنع هذه العقلية، بل كشفتها فقط، وأظهرت أن المسافة بين خطاب الديمقراطية الأوروبية وممارسة التفكير الاستعماري لا تزال، في بعض الأحيان، أقصر مما يُعتقد.

The comments are closed in this post

سبتة ومليلية.. على المغرب إعادة فتح ملف تصفية الاستعمار أمام الأمم المتحدة

لم تكن الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة مجرد أزمة هجرة عابرة، ولا واقعة أمنية يمكن إغلاقها بإعادة المهاجرين وتشديد الحراسة على الحدود، فقد أعادت الصور القادمة من المدينة، والنقاش ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...