أطباء إيطاليا.. ملائكة الرحمة و"شهداء" القسم

قيل عنه العدو الخفي والوباء المميت، وقيل عنه السلاح الأسرع للفتك بأرواح الشعوب، كثرت الصفات لتحديد هوية القاتل المتخفي، الذي يتربص بأرواح الناس ينتظرهم على عتبات الأبواب، ويتسلل خفية إلى بيوتهم سالبا أرواح شيوخهم قبل شبابهم.

فيروس بتاج ملكي يحمل صفات العدل فلا يفرق بين فقير وغني بين حاكم ومحكوم بين صاحب قرار ومتشرد، إنه "كوفيد19" أو "كورونا" الأعمى الذي لم يميز الأطباء ببدلاتهم البيض فأطرحهم الفراش بجانب مرضاهم ووضعهم أمام خيار وحيد هو التضحية بأرواحهم فداءا لقسم شرف المهنة.

إيطاليا الضحية الأكثر تضررا من انتشار فيروس "كورونا"، تواصل حربها ضد الوباء الخفي بدرع مثقوب، بعدما أنهك المرض جسم الأطباء وسط حرب غادرة لم يكونوا أبدا على استعداد لها، فكان آخر الملتحقين ببعثة ملائكة الرحمة إلى السماء، البروفيسور "ماوريتسيو غالديريسي"، الذي فارق الحياة قبل يوميين عن عمر يناهز 65 عاما، رافعا برحيله عدد الأطباء المتوفين نتيجة هذه الجائحة إلى 50 شهيدا للمهنة، قدموا أرواحهم تفانيًا في خدمة الآخرين.

كعملية فدائية بكل تفاصيلها، عندما توجه أطر الصحة والأطباء المتقاعدون صوب وزرتهم المحفوظة على الرف منذ سنوات، معلنين بشكل تطوعي العودة إلى المستشفيات لتقديم يد العون وسد الخصاص، مدركين أن الوباء سيفتك بهم في المقدمة، فهو يشتهي كبار السن وينتقي المعلولين وأصحاب الأجسام الهشة.

وإلى جانب أسماء كبيرة بنت إيطاليا في عصور مضت كغاليليو، دافينشي مايكل أنجلو، فيسبوتشي، ماركوبولو.. ستكون بلاد روم مدينة بالاعتراف والجميل لمن هم أمثال "جينو فاسولي" 73 سنة، الذي كان بإمكانه أن يراقب وضع البلاد من على أريكته، لكنه عاد كمتطوع بالعيادة الخارجية لمدينة بريشيا، وساعد زملائه بكل تفاني حتى فارق الحياة الأسبوع الماضي، أو "ماريو جيوفيتا" 65، كمثال حي لإنكار الذات، الذي وهب وقته بالكامل لمكافحة تفشي الوباء في جزيرة صقلية حتى آخر لحظات حياته.

وكيف ستنسى إيطاليا مارسيلو نتالي 57 عاما، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يوزع المهام على زملائه في أخطر بؤرة للوباء بالبلاد، منطقة "لودي" بمقاطعة "اللومبارديا"، كشأن روبيرتو ستيلا 67 عاما والذي كانت عيادته المكان الذي عاش فيه أخر لحظات قبل الانتقال إلى دار البقاء.

الاستهانة بالفيروس الغادر في بداية ظهوره كلف الأطباء ثمنًا باهضا، اذ لم يكونوا على أتم الاستعداد له، وهم يحاربون في الصف الأمامي، متجاهلين توخي كامل الاحتياطات، ليجدوا أنفسهم بعد أسابيع فاشلين في حماية أنفسهم، منهكين بأعراض المرض، بعدما بات اليوم عدد حاملي الفيروس من مهنيي الصحة والأطر الطبية 6205 حالة إيجابية، أي 9 في المئة من مجمل المصابين في البلاد.

ووسط عجزهم على لجم الوضع والسيطرة على تفشي الفيروس، لم يكن أمام الجسم الطبي سوى الانهيار بالبكاء تعبيرا عن الفشل  في محاصرة المرض، فخرج الأطباء في الكثير من مقاطع الفيديو عبر شبكات التواصل الإجتماعي، يطلبون عون الشعب في الالتزام بالحجر وتتبع التعليمات الصحية، وتطبيق طرق الوقاية للمساهمة في تراجع العدوى.

وككل الحروب ستحصي إيطاليا بعد هذه النكبة خسائرها، ستكرم شهدائها، وسيخرج من رحم هذه المعاناة أطباء على قيد الحياة سيروون قصص الرعب عن ليالهم القاسية، سيصفون الموت الذي مر أمامهم وسكن بجوارهم، سيشهدون بنكران الذات لدى زملاء فارقوا الحياة، وتضحية آخرين ظلوا صامدين رغم حملهم لأعراض لمرض، سيفخرون بشجاعتهم، وصدقهم في تلبية قسم المهنة.