أطفال أقل أزمات أكثر.. دراسة فرنسية تكشف كيف دخل المغرب وتونس عصر الانكماش الديمغرافي وفقدان "الأسرة الكبيرة"

 أطفال أقل أزمات أكثر.. دراسة فرنسية تكشف كيف دخل المغرب وتونس عصر الانكماش الديمغرافي وفقدان "الأسرة الكبيرة"
الصحيفة - خولة اجعيفري
الخميس 28 ماي 2026 - 9:00

دقّت دراسة ديمغرافية فرنسية حديثة ناقوس التحول العميق الذي تعيشه المجتمعات المغاربية، بعدما كشفت أن معدلات الخصوبة في كل من المغرب وتونس واصلت تراجعها بشكل لافت إلى مستويات باتت في بعض الحالات أدنى حتى من المعدلات المسجلة داخل فرنسا نفسها.

الدراسة الصادرة عن المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديمغرافية (INED) والتي تناولتها صحيفة "لا كروا" الفرنسية، اعتبرت أن ما يحدث اليوم في بلدان المغرب الكبير لم يعد مجرد تراجع ظرفي في معدلات الولادة بل بات يمثل انتقالا ديمغرافيا عميقا وسريعا يعيد تشكيل البنية الاجتماعية والأسرية في المنطقة بأكملها، ذلك أنه بعد عقود طويلة ارتبطت خلالها صورة المغرب وتونس والأسر المغاربية عموما بالعائلات الكبيرة وارتفاع معدلات الإنجاب، كشفت الأرقام الجديدة أن هذه المعادلة بدأت تتغير بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة.

وبحسب المعطيات الواردة في الدراسة، سجلت تونس معدل خصوبة بلغ 1.53 طفل لكل امرأة خلال سنة 2024، وهو رقم أصبح أقل حتى من المعدل المسجل في فرنسا الذي بلغ 1.62 طفل لكل امرأة سنة 2025 رغم أن فرنسا نفسها تواجه منذ سنوات نقاشا واسعا حول تراجع الولادات وأزمة الشيخوخة الديمغرافية.

أما المغرب، الذي ظل لسنوات يحافظ نسبيا على معدل قريب من عتبة التجديد السكاني فقد سجل بدوره تراجعا إلى حدود 1.97 طفل لكل امرأة، أي أقل من العتبة الديمغرافية اللازمة لضمان تعويض الأجيال والمحددة دوليا في حوالي 2.1 طفل لكل امرأة.

ولا تقف خطورة هذه الأرقام عند بعدها الإحصائي فقط، بل تكمن أساسا في ما تعكسه من تحولات عميقة داخل المجتمع المغاربي نفسه، فالدراسة ترى أن المنطقة دخلت فعليا مرحلة جديدة من الانتقال الديمغرافي لكن بوتيرة أسرع مما كان متوقعا حتى لدى الباحثين المتخصصين وإذا كانت دول أوروبا قد احتاجت عقودا طويلة للوصول إلى هذه المرحلة فإن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتسارعة داخل المغرب الكبير اختزلت المسافة الزمنية بشكل لافت.

ويفسر الباحثون هذا الانخفاض الحاد في معدلات الإنجاب بمجموعة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والتعليم والرعاية الصحية إضافة إلى تغير أنماط العيش داخل المدن الكبرى وتأخر سن الزواج، وتراجع الإقبال على تكوين أسر كبيرة كما كان سائدا في العقود السابقة، كما تشير الدراسة إلى الدور المتزايد لتمدرس النساء وارتفاع نسب التعليم الجامعي والاندماج المهني في إعادة تشكيل العلاقة مع فكرة الإنجاب والأسرة التقليدية.

وفي المغرب تحديدا، تبدو هذه التحولات أكثر تعقيدا حين توضع في سياق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الطبقة المتوسطة والفئات الهشة خلال السنوات الأخيرة، فارتفاع أسعار العقار والكراء وتكاليف التعليم والمواد الأساسية جعل فكرة تكوين أسرة كبيرة أكثر صعوبة بالنسبة لعدد متزايد من الشباب المغاربة، خصوصا داخل المدن الكبرى والمراكز الحضرية، كما أن تغير نمط الحياة وتوسع النزعة الفردية وتزايد حضور النساء داخل سوق الشغل كلها عوامل ساهمت تدريجيا في إعادة تعريف مفهوم الأسرة وعدد الأطفال داخل المجتمع المغربي.

وكشفت الدراسة مفارقة ديمغرافية اعتبرتها "لافتة" تتمثل في أن أبناء المهاجرين المنحدرين من المغرب الكبير والمقيمين في فرنسا ما يزالون يسجلون معدلات خصوبة قريبة من عتبة التجديد السكاني، في وقت تشهد فيه بلدانهم الأصلية انهيارا متسارعا في معدلات الولادة وهي مفارقة تطرح بحسب الباحثين، أسئلة معقدة حول تأثير السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة على السلوك الإنجابي، كما تعكس اختلاف شروط العيش وإمكانات الاستقرار بين الضفتين.

ويرى متخصصون في علم الاجتماع والديمغرافيا أن المغرب يعيش اليوم تحولا هادئا لكنه عميق في بنيته الأسرية، حيث لم تعد الأسرة الكبيرة تمثل النموذج المهيمن كما كان الحال في السابق مقابل صعود نموذج الأسرة الصغيرة أو حتى تأخر قرار الإنجاب نفسه كما أن جزءا متزايدا من الشباب بات يؤجل الزواج أو يكتفي بطفل أو طفلين بسبب الكلفة المرتفعة للحياة وعدم الاستقرار المهني والسكني.

وفي المقابل، أثار هذا التحول مخاوف متزايدة بشأن المستقبل الديمغرافي والاقتصادي للمنطقة فتراجع الولادات بوتيرة سريعة قد ينعكس مستقبلا على سوق الشغل وأنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية والتوازن بين الفئات العمرية خصوصا مع تسارع ظاهرة الشيخوخة السكانية وارتفاع متوسط العمر المتوقع وهو السيناريو الذي تعيشه حاليا عدة دول أوروبية وآسيوية دخلت منذ سنوات في أزمة ديمغرافية بسبب انخفاض الخصوبة.

كما تعيد هذه الأرقام النقاش داخل المغرب حول العلاقة بين التحولات الاقتصادية والسياسات الاجتماعية ومستقبل الأسرة المغربية، خاصة في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة وسط الشباب وصعوبة الولوج إلى السكن وغلاء تكاليف العيش وهي عوامل تدفع عددا متزايدا من الأسر إلى تقليص عدد الأطفال أو تأجيل الإنجاب.

The comments are closed in this post

لماذا يفضل أثرياء المغرب "المناطق الآمنة" لجمع الثروة؟

مع صفقة استحواذ مجموعة "هولماركوم" المملوكة لعائلة بنصالح على فرع البنك الفرنسي "BNP Paribas" في مصرف "BMCI" المغربي، يتعزز التوجه للعقيدة الاستثمارية لكبار الفاعلين الاقتصاديين في المملكة. فالصفقة ليست مجرد انتقال ملكية بين شريك أجنبي ...

استطلاع رأي

هل تتوقع أن تخسر إيران الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

Loading...