إسبانيا التي يبتلعها التطرف

 إسبانيا التي يبتلعها التطرف
الصحيفة | افتتاحية
الأثنين 10 غشت 2026 - 17:56

ثمة شيء يتغير بعمق داخل إسبانيا، وليس من الحكمة اختزاله في صعود حزب "فوكس"، ولا في بعض المظاهرات التي يظهر فيها شبان يؤدون التحية الفاشية، ولا حتى في الشتائم التي باتت تطلق ضد المهاجرين والمسلمين.

ما يحدث أوسع من ذلك، خطاب كان إلى وقت قريب يقيم في هوامش السياسة الإسبانية بدأ ينتقل تدريجيا إلى قلب النقاش العام، ويكتسب شرعية انتخابية وإعلامية واجتماعية لم تكن متاحة له قبل سنوات قليلة.

وتتزايد المؤشرات التي تعكس اتساع مساحة التطرف داخل المشهد السياسي والاجتماعي الإسباني، بما يثير تساؤلات حول اتجاه البلاد نحو مستويات أعلى من الاستقطاب والعنف السياسي مقارنة بعدد من الدول الأوروبية.

ويظهر صعود حزب "فوكس" اليميني المتطرف باعتباره أحد أبرز تجليات هذا التحول، ففي بارومتر مركز البحوث الاجتماعية الإسباني "CIS" لشهر يوليوز 2026، بلغت تقديرات نوايا التصويت للحزب 15.3 في المائة، في استمرار لحضوره المتنامي داخل الخريطة السياسية الإسبانية، بعدما كان قد حصل على 33 مقعدا في الانتخابات العامة لسنة 2023.

ويعكس هذا المسار قدرة الخطاب اليميني المتشدد، خصوصا في قضايا الهجرة والهوية والإسلام والعلاقة مع المغرب، على الانتقال تدريجيا من هامش النقاش السياسي إلى أحد مكوناته الرئيسية.

وفي الانتخابات الأوروبية لسنة 2024 حصل "فوكس" على 9.63 في المائة، فيما ظهرت إلى يمينه قائمة "Se Acabó La Fiesta" وحصدت بدورها 4.58 في المائة، وهذه الأرقام تقول إن الأمر لم يعد يتعلق بجيوب معزولة من الحنين إلى الماضي، وإنما بسوق انتخابية حقيقية للأفكار القومية المتشددة.

ومن الخطأ أيضا اعتبار هذا التيار مجرد نسخة إسبانية من اليمين الأوروبي الجديد، فلتطرف الإسباني ذاكرته الخاصة، وجزء من خطابه يستدعي تصور إسبانيا الكاثوليكية الموحدة، وذاكرة "الاسترداد"، والمخيال الذي تشكل حول الممالك المسيحية وصراعها مع الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.

دراسات أكاديمية تناولت خطاب "فوكس" رصدت بالفعل توظيف الحزب لسردية "الاسترداد" ولصورة إسبانيا المتجانسة تاريخيا وكاثوليكيا، باعتبارها أحد مكونات بناء الهوية السياسية الجديدة لليمين الراديكالي، وهنا يصبح المسلم والمهاجر، وخصوصا القادم من المغرب العربي، أكثر من مجرد موضوع لسياسة الهجرة، بل يتحول إلى "آخر" ثقافي تستعمل صورته لتحديد من هو الإسباني ومن ليس كذلك.

وحزب "فوكس" نفسه تحدث رسميا عن ضرورة وقف "أسلمة إسبانيا"، وطالب بحظر الحجاب والملابس الإسلامية في الفضاءات العامة، وبوقف برامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية، كما قدم احتفالات دينية إسلامية باعتبارها ممارسات غريبة عن "هوية" البلاد وعاداتها.

لكن الأكثر خطورة ليس وجود "فوكس"، لأن الديمقراطيات تنتج أحزابا راديكالية كما تنتج نقيضها، الأخطر هو أن تنتقل مفردات تلك الأحزاب إلى المجال السياسي العادي، وأن يصبح الحديث عن "الغزو" و"الأسلمة" و"الثقافات غير المتوافقة" مادة يومية، ثم يجد اليمين التقليدي نفسه مضطرا إلى مطاردة اليمين المتطرف داخل ملعبه خوفا من فقدان الناخبين.

كما أن ظهور تربة اجتماعية خصبة في إسبانيا تساعد على الميل إلى الخطاب المتطرف منها، أزمة السكن، هشاشة فرص الشباب، الخوف من المستقبل، أزمة الثقة في المؤسسات، الاستقطاب حول الهجرة، والتأثير الهائل لمنصات التواصل الاجتماعي.

الأخطر أن استطلاعات رسمية حديثة أظهرت ارتفاعا لافتا في تقبل الحكم السلطوي لدى شرائح من الشباب الإسباني، بالتوازي مع إعادة تقديم حقبة فرانكو لدى جزء من الأجيال الجديدة بصورة أقل قتامة مما عرفته أجيال سابقة.

أما على الأرض، فتقول وزارة الداخلية الإسبانية إن العنصرية وكراهية الأجانب ظلتا في 2024 أكبر دوافع جرائم الكراهية المسجلة، بـ804 حالات من أصل 1955 جريمة وحادثة كراهية أحصتها السلطات.

واليوم، ما ينبغي أن يقلق إسبانيا ليس أن لديها يمينا متطرفا، فذلك موجود في معظم أوروبا، ما ينبغي أن يقلقها هو أن أفكار الهامش بدأت تتقدم نحو المركز، وأن أشباح إسبانيا القديمة تبحث، مرة أخرى، عن لغة حديثة تستطيع بها العودة إلى الحياة.

The comments are closed in this post

البوليساريو تحت التاج الإسباني

ليس أكثر إثارة للمفارقة من أن يحتفي أنصار حَركة تُقدم نفسها منذ نصف قرن باعتبارها "حركة تحرر" بقانون يمنح أبناءها جنسية الدولة التي كانت القوة الاستعمارية في إقليم الصحراء، كما ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...