محمد الزلاوي
الجمعة 9 يناير 2026 - 1:12

اعتقال مادورو.. قراءة في الدلالات الجيوسياسية

يمثل الحديث عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لحظة حرجة تتجاوز الأزمة الفنزويلية ذاتها، لترسم ملامح تحول جيوسياسي عميق. ففي عالم يتّسم بهشاشة متزايدة جراء صدمات متتالية، قد يصبح هذا الفعل الاستثنائي – وهو سابقة تاريخية باختطاف رئيس دولة ذات سيادة – الشرارة التي تدفع بنظام دولي عاجز إلى حافة التحول الجيوسياسي الأعمق. يكتسب الحدث خطورته من تداخله مع ثلاث دوائر متقاطعة: صراع النفوذ بين القوى الكبرى، والتدهور المتسارع في معايير القانون الدولي، والمنهج الأمريكي الجديد القائم على الأحادية والاستفزاز.

ليست القضية هنا في شخص مادورو أو شرعية حكمه، بل في الرسالة الكونية التي يُرسلها هذا الفعل: أن سيادة الدول أصبحت مشروطة بإرادة القوة العظمى الأولى، هل نحن إزاء نهاية العصر الذي حكمته قواعد وأُطُر قانونية دولية راسخة منذ الحرب العالمية الثانية؟ تشير الأدلة إلى تحوّل جذري، حيث تتراجع المنظومة القانونية والمؤسسية التي كرّستها الأمم المتحدة لتحل محلها شريعة الأقوى، فتصبح القوة العارية - عسكرية كانت أم اقتصادية - هي الفيصل الحقيقي في رسم السياسات وفرض الإرادات على الساحة العالمية.

تكمن الخطورة الأولى للحدث في طبيعة الساحة التي يجري فيها. فخلافًا لحروب سابقة في أفغانستان أو العراق، تُشكل فنزويلا عقدة استراتيجية بالغة التعقيد. فهي ليست دولة منعزلة، بل تقف في قلب شبكة تحالفات متينة مع خصوم الولايات المتحدة التقليديين: روسيا والصين وإيران. هذه التحالفات ليست دبلوماسية فحسب، بل هي علاقات مصلحية عميقة تقوم على استثمارات نفطية ومالية بمليارات الدولارات، وتعاون عسكري وتقني، ودعم سياسي لا يتبدل. تحولت فنزويلا، بثرواتها الطبيعية وموقعها الجغرافي، إلى حجر زاوية في مشروع تحدّي الهيمنة الأمريكية على النصف الغربي من الكرة الأرضية. 

هنا، يأتي دور عقيدة مونرو التاريخية (1823) ليس كمجرّد إشارة تاريخية، بل كإطار فكري حيوي يفسر الدافع الأمريكي. فالعقيدة التي أعلنت الأمريكتين "منطقة نفوذ" حصرية للولايات المتحدة ومنعت تدخل القوى الأجنبية، تشكّل العصب الرئيسي للسياسة الأمريكية تجاه المنطقة منذ قرنين.

اعتقال مادورو، في هذا السياق، ليس سوى الفصل الأخير في سلسلة طويلة من التدخلات التي تهدف إلى إعادة ترسيم الحدود الجيوسياسية وإعلان أن "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة يجب أن يخلو من منافسين. السعي لتفكيك شبكة النفوذ الروسي-الصيني-الإيراني في فنزويلا دفعة واحدة هو تحدٍّ مباشر لهذه القوى، ويحمل في طياته خطر تصعيد قد يتحول إلى مواجهة مفتوحة. 

لا يمكن فصل حدث اعتقال مادورو عن المسار العام الذي رسمته إدارة ترامب منذ إعلانها في سبتمبر 2025 عن سياسات أكثر تشددًا، مثل تحويل وزارة الدفاع إلى "وزارة الحرب". لقد تبنّت هذه الإدارة منهجًا مزدوجًا: الانكفاء الأحادي عن الالتزامات الدولية من جهة، والاستفزاز العدواني من جهة أخرى. 

فقد تجسد الانكفاء في قرار رئيسي هو توقيع ترامب في يناير 2026 على مذكرة بالانسحاب من 66 منظمة دولية، منها كيانات تابعة للأمم المتحدة. هذا القرار هو ضربة موجعة للمؤسسات متعددة الأطراف، يؤكد نية واشنطن التحرر من القيود الجماعية والقانون الدولي عندما تعيق مصالحها. 

أما الاستفزاز، فقد ظهر في سلسلة من الأفعال المقلقة: من الاستيلاء على سفن ترفع العلم الروسي، إلى التصريحات المتكررة والتهديدات بضم إقليم جرينلاند الدنماركي ذي الحكم الذاتي. هذه التحركات لا تستهدف فقط الخصوم مثل روسيا أو الصين، بل تهدف أيضًا إلى خلق ارتباك سياسي وزعزعة الاستقرار داخل التحالفات التقليدية، مثل حلف الناتو، عبر اختبار ولاء الحلفاء وإثارة النزاعات بينهم. 

يُظهر هذا المنهج أن الهدف ليس مجرد تغيير نظام في فنزويلا، بل هو اختبار لقدرة المجتمع الدولي على الرد، وتعميم الفوضى كأداة لفرض الهيمنة. إنه تحول من "شرطي العالم" إلى "مُزعزع الاستقرار الأول"، مما يقوض أي أساس للثقة أو الحوار في النظام الدولي. 

تأتي هذه الأزمة في لحظة يبدو فيها النظام العالمي وكأنه يعود إلى حقبة ما قبل ميثاق الأمم المتحدة. فالصدمات العنيفة التي تعرض لها خلال العامين الماضيين – من تصاعد الصراع الفلسطيني إلى حرب الـ12 يومًا مع إيران التي شملت قصف منشآت نووية، وصولاً إلى الضربات الجوية الأمريكية داخل أراضي نيجيريا – تركت بنيته متهالكة. 

في هذا المشهد، يمثل اعتقال رئيس دولة ذات سيادة دون تفويض أممي ضربة قاصمة للمبدأ التأسيسي الذي قام عليه الميثاق بعد الحرب العالمية الثانية: حظر استخدام القوة واحترام سيادة الدول. تحويل هذا المبدأ إلى مجرد ديكور يفتح "صندوق باندورا" الخطير. السؤال المصيري الذي يطرحه هذا الفعل هو: إذا سمح العالم للقوة العسكرية الأولى بأن تختطف رئيسًا أجنبيًا وتقدمه للمحاكمة بموجب قوانينها المحلية، فما الذي يمنع أي قوة أخرى من فعل الشيء نفسه لاحقًا؟ ألا يعني ذلك نهاية فكرة القانون الدولي والخطوط الحمراء، والعودة إلى قانون الغاب حيث القوة وحدها هي التي تحقّق الحق؟ 

الخطر الحقيقي ليس في الإطاحة بمادورو، بل في السابقة التي يخلقها. إنه يجعل من "العدالة" غطاءً للهيمنة، ويُشرعن تدخل القوى في الشؤون الداخلية للدول تحت ذرائع متغيرة (مناهضة الشيوعية، الحرب على الإرهاب، مكافحة الفساد). النتيجة النهائية هي عالم من "الاختطاف القانوني"، حيث تُفرض الوصاية، وتُفكك الدول، وتُختزل إرادات الشعوب إلى مجرد تبعية للقوى الكبرى. 

العالم على حافة تحول تاريخي: 

يبدو أن عام 2026 قد بدأ بإعلان نهاية عصر. فاعتقال مادورو ليس حدثًا منعزلاً، بل هو تتويج لمسار متصاعد من الأحادية والعدائية تجاه النظام الدولي القائم. إنه يشير إلى تحول من عالم تحكمه – ولو نظريًا – قواعد ومؤسسات، إلى عالم تسيطر عليه المنافسة القوية، حيث تُقرر الحروب الباردة الجديدة في ساحات بالوكالة، وتُدفع سيادة الدول الصغيرة ثمنًا لها. 

في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وحتى أوروبا، تزعزع السياسة الأمريكية مبدأ احترام السيادة. والرسالة الموجهة إلى موسكو وبكين وطهران واضحة: استثماراتكم وأسلحتكم وحمايتكم لا تستطيع أن تحمي حلفاءكم من إرادتنا. لكن الرد على هذه الرسالة قد لا يكون بالاستسلام، بل بالمواجهة، مما يضع العالم على حافة صراع أوسع نطاقًا.

أمام هذا المشهد، يتراجع دور الدبلوماسية والمؤسسات الدولية، ليبقى السؤال الأكبر: هل نحن شهود على انهيار نظام عالمي، أم على ولادة نظام جديد، أكثر قسوة وأقل استقرارًا؟ الإجابة، للأسف، تُكتب الآن في ساحات مثل كاراكاس.

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة

الدروس المستخلصة من تنظيم "الكان"!

انتهت بطولة كأس أمم إفريقيا، اليوم، بتتويج المنتخب السنغالي باللقب، حيث رفع قائد أسود "التيرانغا" ساديو ماني الكأس التي سيحملها إلى داكار للاحتفال مع شعبه، وبذلك سيعود الكل إلى حاله بعد ...

استطلاع رأي

هل أنت مع تقديم المغرب لترشيحه من أجل تنظيم كأس أمم إفريقيا 2028؟

Loading...