البوليساريو تحت التاج الإسباني
ليس أكثر إثارة للمفارقة من أن يحتفي أنصار حَركة تُقدم نفسها منذ نصف قرن باعتبارها "حركة تحرر" بقانون يمنح أبناءها جنسية الدولة التي كانت القوة الاستعمارية في إقليم الصحراء، كما حصل مع جبهة البوليساريو.
هذا، في جوهره، هو السؤال الذي يطرحه تصويت مجلس النواب الإسباني، الخميس، على مقترح يفتح باب الجنسية أمام عشرات الآلاف من الصحراويين المولودين في الصحراء، جنوب المغرب، تحت الإستعمار الإسبانية.
كان المشهد داخل الكونغرس احتفاليا لدى مؤيدي المبادرة والضيوف الصحراويين من انفصاليي البوليساريو، حيث تحدث النواب عن "يوم تاريخي" و"جبر للظلم"، واحتفت القاعة بمظاهر تأثر وتصفيق، بالرغم من أن الحزب الشعبي و"جونتس" امتنعا عن التصويت، و"فوكس" عارض، بينما مرّ النص بـ 168 صوتا فقط من أصل 350 نائبا.
وبالرغم من أن التصويت ليس نهاية المسار القانوني، لأن المشروع سينتقل إلى مجلس الشيوخ، الذي يستطيع إدخال تعديلات أو الاعتراض عليه، قبل أن يعود عند الاقتضاء إلى البرلمان، لكن تبقى المفارقة الأولى سياسية قبل أن تكون قانونية في هذا التصويت.
إذ كيف يستقيم خطاب "التحرر" من الاستعمار عند جبهة البوليساريو مع السعي إلى استعادة جنسية المستعمر السابق؟ وكيف يمكن لحركة تقول إن أفرادها يشكلون "شعبا" يسعى إلى بناء دولته المستقلة أن تعتبر في الوقت نفسه تحول عشرات الآلاف منهم إلى مواطنين في دولة أخرى "انتصارا تاريخيا"؟
وكيف يمكن الجمع بين الولاء القانوني للدولة الإسبانية والمطالبة، في الوقت نفسه، بحق سياسي منفصل يستند إلى فكرة وجود جماعة وطنية مستقلة عنها وعن غيرها؟ وأين تنتهي "الهوية الوطنية المستقلة" وأين تبدأ الرغبة في الانتماء القانوني الكامل إلى الدولة المستعمِرة السابقة؟
وللقانون هنا أثر لا يمكن اختزاله في جواز السفر، لأن الصيغة التي أقرّها البرلمان الإسباني تشترط صراحة على المستفيد، فوق سن الرابعة عشرة، أن يؤدي "قسما أو وعدا بالولاء لملك إسبانيا وطاعة الدستور والقوانين"، كما أن الدستور الإسباني ينص، بعد اكتساب الجنسية، على أن للإسبان "الحق والواجب في الدفاع عن إسبانيا".
واللافت أكثر أن المشروع نفسه يسمح باستعمال وصل التسجيل في إحصاء استفتاء الصحراء الموثق من الأمم المتحدة دليلا لإثبات أهلية طالب الجنسية، أي أن وثيقة أممية ارتبطت بتحديد من قد يصوتون في استفتاء تقرير المصير في الصحراء يمكن أن تصبح جسرا للحصول على الجنسية الإسبانية.
هنا نصل إلى المفارقة الأصعب، وهي: ماذا لو أصبح المستفيد من القانون نائبا أو وزيرا أو مسؤولا كبيرا في الدولة الإسبانية، ثم طُرح مستقبلا استفتاء في الصحراء وفق مرجعيات أممية تسمح له بالتصويت؟
من الناحية القانونية، لا توجد في القواعد الأممية السابقة قاعدة تلقائية تقول إن اكتساب الجنسية الإسبانية لأي شخص من أصول صحراوية قد تمنعه أو تشطب عليه من الهيئة الناخبة الافتراضية في أي استفتاء، بل إن إحدى الصيغ الأممية السابقة جعلت الأهلية مرتبطة بقوائم "مينورسو" وقوائم العودة أو الإقامة، على أن تحددها الأمم المتحدة.
وهذا هو السؤال السياسي الذي يستحق أن يُطرح في مدريد قبل الرباط: هل من المتماسك أن يمثل شخص الشعب الإسباني داخل البرلمان، أو يشارك في حكومة تتخذ قرارات باسم إسبانيا، ثم يحتفظ في الوقت نفسه بصفة سياسية تسمح له بالمشاركة في تقرير سيادة إقليم آخر؟
وهنا يصبح التناقض جوهريا، لا لغويا، لأن هذه ليست مفارقة هامشية، بل قلب المشكلة، لأن القانون قد ينتج مستقبلا مواطنا إسبانيا ينتخب أعضاء البرلمان الإسباني، أو يصبح نائبا فيه، أو وزيرا، أو مسؤولا في مؤسسة من مؤسسات الدولة، ثم يحتفظ، من الناحية النظرية، بصفته المحتملة للمشاركة في استفتاء يتعلق بمستقبل الصحراء، لأن المرجعيات الأممية القديمة لا تنص تلقائيا على إسقاط هذه الصفة بمجرد اكتساب جنسية أجنبية.
وهنا يحق للإسبان أنفسهم، قبل المغاربة، أن يسألوا عن نتائج ما يُصوت عليه برلمانهم، فإذا كان من الطبيعي أن يتمتع كل مواطن إسباني بالحقوق نفسها دون تمييز بسبب أصله، فإن من الطبيعي أيضا أن تناقش الدولة التناقض الذي قد ينشأ عندما يصبح شخص جزءا من مؤسسات القرار الإسبانية، بينما يحتفظ في الوقت نفسه بمصلحة سياسية مباشرة في نزاع إقليمي خارجي، حيث ستصبح المشكلة ليست في أصول المواطن، بل في تعارض الأدوار السياسية المحتملة.
ولنتصور، بعد سنوات، أن شخصا من المستفيدين أصبح نائبا في الكونغرس أو عضوا في الحكومة أو مسؤولا رفيعا في مؤسسة سيادية إسبانية، حيث سيكون مسؤولا أمام الدولة الإسبانية، يشارك في اتخاذ قراراتها ويدافع عن مصالحها، لكنه قد يبقى، وفق مرجعيات الاستفتاء القديمة، مؤهلا للتصويت في تقرير الوضع النهائي لإقليم آخر، وهذه حالة سياسية يصعب الدفاع عن منطقيتها، حتى لو لم يمنعها القانون صراحة.
وتزداد حساسية الأمر عندما نتذكر أن المبادرة تحركت بقوة من داخل تيار سياسي إسباني معروف بتبنيه أطروحات البوليساريو، وأن النائبة تيش سيدي، ذات الأصول الصحراوية والمعروفة بدفاعها الصريح عن خيار الانفصال، كانت من أبرز الوجوه الدافعة للمشروع الذي سيخلق أزمة سياسية، لا محالة، قد تكون مُعلنة وقد تكون صامتة.
وهنا لا يعود السؤال متعلقا فقط بحقوق أفراد، بل باستخدام المؤسسة التشريعية الإسبانية في ملف له انعكاسات مباشرة على علاقة مدريد بأحد أهم شركائها السياسيين والاقتصاديين والأمنيين، أي المغرب.
في الجهة المقابلة، البوليساريو مطالبة اليوم بأن تجيب عن تناقضها قبل أن تحتفل بنتيجة التصويت، فمن يريد "تأسيس دولة" لا يجعل الانتماء القانوني إلى دولة أخرى إنجازا جماعيا، ومن يقدم نفسه حركة تحرر لا يستطيع أن يعتبر العودة إلى جنسية القوة الاستعمارية السابقة تتويجا لمشروعه السياسي.
أما إسبانيا، فهي مطالبة هي الأخرى بأن تنظر أبعد من الحسابات البرلمانية القصيرة، لأن فتح باب الجنسية بهذا الحجم ليس قرارا إنسانيا معزولا عن السياسة، بل يمكن أن يصنع خلال جيل واحد واقعا ديموغرافيا وسياسيا جديدا داخل الدولة نفسها، ويمنح ملفا خارجيا حساسا امتدادا مباشرا داخل مؤسساتها.
وتصويت البرلمان الإسباني على مشروع قانون منح الجنسية للمولودين في الصحراء قبل 1977، يكشف حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن القضية لم تعد فقط نقاشا حول "تصفية استعمار" أو "تقرير مصير"، بل أصبحت شبكة متداخلة من المصالح والهويات والجوازات والأدوار الإقليمية.
وعندما تصبح جنسية المُستعمر السابق مكسبا تحتفل به حركة تقدم نفسها باعتبارها حركة تحرر، فإن السؤال لم يعد إن كان هناك تناقض، بل السؤال هو: كم بقي من خطاب "التحرر" نفسه، وكم أصبح من القضية التي أصبحت ورقة جيوسياسية تُدار وفق مصالح القوى التي تستثمر فيها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أعمق من الجنسية، إذا كان مشروع البوليساريو هو بناء كيان سياسي مستقل بذاكرة وهوية ومواطنة خاصة، فكيف ستفسر الحركة مستقبلا أن عشرات الآلاف ممن تعتبرهم قاعدتها البشرية اختاروا أن يصبحوا إسبانا، يقسمون الولاء لملك إسبانيا، ويتمتعون بكامل حقوق مواطنيها، ثم يحتفظون في الوقت نفسه بالمطالبة بحق سياسي منفصل في تقرير مصير الصحراء؟




