بلاغ الداخلية.. تعابير باردة تربك مغربية سبتة ومليلية
لم يكن بلاغ وزارة الداخلية بشأن الأحداث التي عرفتها نقاط العبور المؤدية إلى سبتة ومليلية مجرد نص أمني يشرح ظروف تدفق المهاجرين أو يفصل في آليات التعبئة الرقمية وشبكات الاتجار بالبشر. فاللغة التي اختارتها الوزارة، والمصطلحات التي صاغ بها الناطق الرسمي موقف الدولة، حملت في طياتها ما يتجاوز التدبير الأمني الظرفي، وفتحت بابا واسعا أمام أسئلة سياسية وتاريخية ترتبط بوضع المدينتين ومكانتهما في الخطاب الرسمي المغربي.
أكثر العبارات إثارة للانتباه كانت حديث البلاغ عن الترويج لإمكانية "الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية"و في السياق الأمني المباشر، قد يبدو المقصود واضحا: مهاجرون يحاولون الوصول إلى مجال يخضع عمليا لإدارة إسبانية ويشكل بوابة إلى الاتحاد الأوروبي، لكن اللغة الرسمية لا تُقرأ فقط باعتبارها وصفا تقنيا للحركة البشرية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمدينتين يعتبرهما المغرب جزءا من ترابه، وتحيط بهما ذاكرة تاريخية وسياسية ممتدة لقرون.
وصف العبور إلى سبتة ومليلية بأنه "ولوج إلى الفضاء الأوروبي" لا يخلو من دلالة سياسية ثقيلة، فهو يمنح المدينتين، ولو بصورة غير مباشرة، موقعا داخل المجال الأوروبي، من دون الإشارة إلى أنهما قائمتان فوق التراب الجغرافي لشمال المغرب، ومن دون استحضار الموقف التاريخي للدولة المغربية المطالب باستعادتهما، وقد يكون التعبير ناتجا عن لغة أمنية أو إدارية محضة، لكنه في القضايا الوطنية الكبرى لا تكفي النيات لتبديد آثار الكلمات.
الأكثر إثارة أن البلاغ تجنب تماما وصف سبتة ومليلية بأنهما مدينتان محتلتان، أو حتى استعمال صيغة تؤكد موقف المغرب من السيادة عليهما، وفي المقابل، لا تتردد الدولة الإسبانية، من الملك إلى رئيس الحكومة ووزير الداخلية وزعماء الأحزاب، في وصف المدينتين بأنهما "إسبانيتان"، وفي التأكيد المتكرر أنهما جزء من "الأراضي الإسبانية"، كما ذهبت أصوات سياسية وإعلامية في مدريد، خلال الأحداث الأخيرة، إلى وصف دخول المهاجرين بأنه "غزو"، وربطت ما جرى بضغوط مفترضة من المغرب وبملف السيادة على المدينتين.
هنا يبرز التفاوت الصارخ بين خطابين: إسبانيا تستعمل أكثر العبارات وضوحا وحسما للدفاع عن موقفها، بينما يختار البلاغ المغربي تعابير باردة ومحايدة إلى حد قد يفهم منه التسليم بالوصف الأوروبي والإسباني للمدينتين.
ليست المشكلة في أن تصدر وزارة الداخلية بلاغا أمنيا، ولا في أن تركز على شبكات التحريض والتضليل والاتجار بالبشر، بل في أن تغيب الإشارة السياسية اللازمة في قضية لا يمكن فصل الأمن فيها عن السيادة والتاريخ.
كان في إمكان الوزارة أن تستخدم صياغة أكثر دقة، فتتحدث عن محاولات العبور نحو "المدينتين الخاضعتين للإدارة الإسبانية" أو عن "الوصول إلى المجال الأوروبي عبر سبتة ومليلية"، بما يحفظ المعنى الأمني من دون أن يترك الموقف السيادي المغربي معلقا أو ملتبسا، أما اختزال الأمر في "الولوج إلى الفضاء الأوروبي"، فهو تعبير يثير سؤالا مشروعا: هل أصبحت اللغة الإدارية تتقدم على الثوابت السياسية، أم أن الدولة اختارت عمدا تجنب كل وصف قد يفتح مواجهة دبلوماسية مع مدريد؟
لقد عكست ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي شعورا واسعا بعدم الارتياح تجاه برودة البلاغ وغموضه، خصوصا أن قضية سبتة ومليلية ليست ملفا تقنيا قابلا للإخفاء خلف مصطلحات أمنية ودبلوماسية رخوة.
فالمغاربة لا ينظرون إلى المدينتين باعتبارهما مجرد نقطتي عبور إلى أوروبا، بل باعتبارهما جزءا من قضية وطنية تاريخية ظلت حاضرة في الذاكرة السياسية، حتى وإن تراجع حضورها في الخطاب الرسمي خلال السنوات الأخيرة.
الدولة ليست مطالبة في كل بلاغ أمني بإعادة سرد تاريخ المدينتين، لكنها مطالبة بألا تستعمل لغة تضعف موقفها أو تمنح خصومه شرعية لغوية مجانية.
وفي قضايا السيادة، لا توجد كلمات بريئة تماما، ولا يمكن فصل الصياغة عن الدلالة، وحين تكون مدريد واضحة إلى هذا الحد في تأكيد إسبانية سبتة ومليلية، يصبح الغموض المغربي أكثر من مجرد ضعف في التحرير، إنه ارتباك في التعبير عن قضية وطنية تحتاج إلى وضوح لا يقل صلابة عن وضوح الطرف الآخر.




