بركة وبؤس تصفيق الاستقلاليين على الغنيمة!
في السياسة، قد تكشف لحظة تصفيق ما تخفيه عشرات الخطب، هكذا بدا المشهد، اليوم، حين أعلن نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أمام المجلس الوطني لحزبه، أن المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة رفض مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة.
لم يصفق جمهور نزار بركة لوعد بإنقاذ المدرسة، ولا لقرار يخفف وطأة الغلاء، ولا لاعتراف بشيء من إخفاقات الحكومة التي شاركوا فيها، صفقوا لخبر إبعاد شريك الأمس، كأن ضيق الدائرة حول مائدة السلطة بشرى تستحق الاحتفال.
فأي بؤس هذا الذي يجعل حزبا عريقا يبدو أكثر ابتهاجا بخلو مقعد من منافس شاركه نفس المقاعد ونفس الفشل في التبدير الذي جعل المواطنين يعزفون عن الانتخابات؟ وأي انحطاط في الممارسة حين يصبح إقصاء الشريك لحظة نشوة، فيما آلام المغاربة لا تستدعي من الحماسة ما يستدعيه احتمال اتساع حصّة كعكة الحكومة؟
والمثير للسخرية، أنه بعد أقل من ساعة من تصريحات نزار بركة، جاء البيان الختامي للمجلس الوطني للأحرار ليؤكد استعداد الحزب للمشاركة في الحكومة، ويفوض رئيسه محمد شوكي تدبير هذه المشاركة.
وهنا تتجلى سريالية المشهد، أمين عام حزب لم يحسم بعد موقعه في الحكومة، يتصدر إعلان إبعاد حزب آخر، ويقدمه أمام أتباعه كأنه بشارة تستحق التصفيق، فبأي صفة يتحدث نزار بركة عن قرار ليس قرار حزبه؟ وما الذي يدفعه إلى استعجال إعلان إقصاء شريك الأمس؟
الصورة في مجملها عبثية حدّ الغثيان، استقلاليون يصفقون لإبعاد شريك الأمس، في لحظة يبدو فيها تقلّص عدد الجالسين إلى مائدة السلطة مدعاة للفرح، ويا لبؤس هذا الفرح، ويا لفداحة السقطة، حين يتحول المجلس الوطني لحزب عريق إلى جمهور يصفق لاحتمال اتساع حصته من الغنيمة الحكومية!
بأي صفة يتصدر بركة هذا الإعلان؟ هل هو المتحدث باسم الأصالة والمعاصرة، أم الناطق باسم المشاورات، أم مجرد متلق لخبر اختار تحويله إلى لحظة استعراض؟
كان الأجدر أن يترك إعلان القرار وتفسيره لأصحابه، وأن ينشغل أمام مجلسه الوطني بما يعني الاستقلاليين والمغاربة وهو: لماذا يريد المشاركة؟ بأي برنامج؟ وبأي ضمانات للمحاسبة؟ وما الذي تعلمه من تجربة حكومية كان الأحرار شريكه فيها، وكانت المسؤولية عن نتائجها مشتركة؟
أما التصفيق، فهو أكثر ما يستحق التوقف، لأنها لحظة محرجة، محرجة جدا، بل نكسة في صورة حزب عريق كان يفترض أن يحضر تاريخه قبل أن يصفق الجمهور الاستقلالي على الغنائم التي سيحصدها، وعراقة أي حزب لا تقاس بما يعلق على الجدران من صور علال الفاسي وامحمد بوستة.. بل تقاس أيضا بسلوك القيادة حين تختبرها لحظة سياسية حساسة، وحين يستعير الأمين العام دور حامل الأخبار عن الآخرين، ويقابله الجمهور بالتصفيق، يتراجع النقاش إلى مشهد صغير لا يليق بحجم الانتظارات ولا بثقل المسؤولية.
الأشد مرارة أن المغاربة ينتظرون من هذه المشاورات أجوبة عن حياتهم، فيما تصلهم مشاهد توحي بأن الأولوية لترتيب مواقع الأحزاب، وليس أين وصلت المدرسة العمومية؟ أين العلاج؟ أين الشغل والقدرة الشرائية؟ أين تفسير تعثر الوعود السابقة؟
لا يطلب المواطن معجزة، لكنه يستحق أن يرى مشاورات تنطلق من مشكلاته، وأن يسمع خلافا حول الحلول، بدل أن يتابع سباقا على أبواب الحكومة، تحكمه أخبار الإقصاء وإشارات الرضا وتبادل الرسائل، وهنا وتتآكل الثقة.
يا سيد بركة، ما يحتاجه المغرب أكبر من خبر يثير التصفيق داخل قاعة حزبية، المغرب يحتاج إلى سياسيين يدركون أن إبعاد شريك لا يعوض غياب المشروع، وأن توسيع الحصة لا يوسع الأمل.
كان يمكن لهذه اللحظة أن تكون مناسبة للجدية، فإذا بها تمنح الجمهور سببا إضافيا للشك، والمأساة أن تنتهي المفاوضات، وتوزع الحقائب، وتعود الوجوه إلى مواقعها، بينما يبقى المواطن ينتظر سياسة تستحق اسمه، ويجد أمامه مجددا المشهد نفسه، بالتصفيق نفسه، والأسئلة المؤجلة نفسها.




