حين تخاف إسبانيا من التاريخ

 حين تخاف إسبانيا من التاريخ
الصحيفة | افتتاحية
الجمعة 4 شتنبر 2026 - 21:39

في ملعب "لا كارتوخا" بإشبيلية، لم تكن كرة القدم وحدها حاضرة، وُضع العلم الإسباني إلى جانب علم سبتة المحتلة أمام عشرات الآلاف من الجماهير في مباراة ريال مدريد ضد ريال بيتيس في "الليغا" الإسبانية، فارتفعت التصفيقات، وتحولت واحدة من أشهر واجهات الكرة العالمية إلى منصة لتمرير رسالة سياسية واضحة، مفادها أن سبتة "إسبانية"، وعلى الجميع أن يسمع ذلك، حيث جرى استثمار الشعبية الهائلة للنادي الملكي، واسمه الذي يتجاوز حدود إسبانيا، في لحظة خوف سياسي غير مسبوقة من المغرب ومن سؤال تاريخي تحاول مدريد منذ عقود إبقاءه خارج النقاش.

لكن المفارقة تكاد تكون ساخرة، فقبل ذلك بأيام فقط، وعلى بعد مئات الكيلومترات، كانت مدرجات "كامب نو" ببرشلونة تصدح بأصوات جمهور يقول إن "كاتالونيا ليست إسبانيا"، وترفع أعلام الاستقلال وتعيد إلى الواجهة أزمة هوية لم تستطع مدريد حسمها بالقانون ولا بالشرطة ولا بالدستور.

وفي الوقت الذي تريد فيه الدولة الإسبانية أن تقنع العالم بأن هوية سبتة محسومة إلى الأبد، ما زالت تواجه داخل حدودها شعبا وحركة سياسية كاملة تنازعها في تعريف معنى "إسبانيا" نفسها.

إنها مفارقة مذهلة في دولة لم تحسم سؤال الهوية في برشلونة، وتريد أن تحسمه نهائيا في شمال إفريقيا، حيث تحتل مدينتي سبتة ومليلية وبعض الصخور المتناثرة شمال المغرب.

لهذا لم تكن أحداث سبتة مجرد أزمة مهاجرين، وبقاء نحو 1500 مهاجر داخل المدينة كان كافيا لكي تتصرف قطاعات سياسية وإعلامية وكأن إسبانيا تواجه تهديدا وجوديا.

وهكذا، ظهر خطاب "الغزو"، واستُدعيت مفردات السيادة والحرب والحدود، وتحولت الصحف والاستوديوهات والبرلمان إلى ساحات تعبئة وطنية، وكأن المغرب لم يعد دولة جارة، بل شبحا تاريخيا يطرق أبواب الذاكرة الإسبانية.

والمشهد يصبح أكثر غرابة عندما يبحر نشطاء من اليمين المتطرف من سواحل جنوب إسبانيا نحو سبتة للدفاع عما يعتبرونه "أرضا إسبانية"، بينما يقبع جبل طارق، على مرمى النظر تقريبا، تحت السيادة البريطانية، حيث لم يبحر الإسبان بـ"أساطيلهم" الشعبية نفسها شمالا، ولم نسمع منهم اللغة ذاتها عن "التحرير" و"الكرامة الوطنية"، لأن الحماسة القومية عند الإسبان تصبح أكثر صخبا حين تتجه نحو إفريقيا، وأكثر هدوءا حين تقف أمام بريطانيا.

وهنا تحديدا يعود التاريخ، فجزء من الخطاب الإسباني يتعامل مع شمال إفريقيا بعقلية لم تتحرر تماما من إرث القرون الإمبراطورية، حيث أوروبا مركز، والجنوب هامش، مدريد صاحبة حق تاريخي، والآخر مطالب بأن يتقبل ما فرضته القوة في زمن مختلف، إنها ذاكرة انتقائية تستدعي قشتالة حين تحتاج إلى المجد، لكنها تتحاشى صفحات الريف، والاستعمار، والقصف بالغازات السامة، كما تتحاشى الوجه الدموي للتوسع الإسباني في القارة الأمريكية.

المشكلة ليست في أن تدافع إسبانيا عن موقفها من احتلال سبتة، المشكلة أن يتحول الدفاع السياسي إلى إنكار كامل للتاريخ، وأن تصبح مجرد المطالبة المغربية بالمدينة جريمة في الخطاب الإعلامي، بينما تقدم الرواية الإسبانية باعتبارها حقيقة فوق النقاش.

الأكثر إثارة للقلق أن الصحافة التي يفترض أن تسأل وتفكك وتراجع، انخرط جزء منها في صناعة الخوف نفسه، فجأة أصبح المغرب "تهديدا"، وأصبحت الهجرة "غزوا"، وأصبحت سبتة رمزا وجوديا، وكأن 1500 مهاجر قادرون على إسقاط دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

إن حجم الصراخ في إسبانيا لا يعكس بالضرورة حجم القوة، أحيانا يعكس حجم القلق، ولهذا تبدو أزمة سبتة اليوم أكبر من حدود مدينة، إنها أزمة سردية إسبانية أمام مرآة التاريخ.

وحينما يرفعون في مدريد علم سبتة داخل ملعب كرة قدم لتأكيد وحدة الدولة، وفي برشلونة يرفعون علم الاستقلال للتشكيك في هذه الوحدة نفسها، وفي الجنوب يبحر قوميون نحو إفريقيا للدفاع عن السيادة، فيما يظل جبل طارق البريطاني واقفا أمامهم، فذلك ليس انتصارا للهوية الإسبانية، إنه دليل على أن إسبانيا، كلما اقتربت من سبتة، اقتربت أيضا من أسئلة تاريخية تخشى الإجابة عنها.

The comments are closed in this post

فيليبي السادس في سبتة المحتلة.. تاجٌ ينعش إسبانيا ولا يمحو الاحتلال

كلما شعرت إسبانيا بالضعف، عادت الملكية لإنعاش معنوياتها، ومنحها جرعة فائضة من الشعور الوطني، وحين تضيق السياسة بأزماتها، يتقدم التاج ليجمع تحت رمزيته ما تعجز الحكومات عن جمعه بالبرامج والوعود. ومن ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...