زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية المحتلتين يجب ألا تمر بلا ثمن سياسي
ليست زيارة الملك فيليبي السادس المرتقبة إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، والمقررة يومي 13 و14 أكتوبر، مجرد محطة بروتوكولية في أجندة القصر الإسباني، إنها فعل سياسي بامتياز، تستدعي فيه مدريد رمزية التاج الملكي لتثبيت واقع ترفض الرباط اعتباره نهاية للتاريخ.
وحين تتحول الزيارة الملكية إلى إعلان سيادة على أرض محتلة، يتجاوز السؤال مراسم الاستقبال والأعلام الإسبانية التي سترفرف في شوارع سبتة المحتلة احتفاء بالملك فيليبي السادس وزوجته ليتيزيا، ليصبح سؤالا سياسيا واضحا: هل تريد إسبانيا بناء مستقبل مشترك مع المغرب، أم إعادة إنتاج الماضي الاستعماري بأدوات ملكية وابتسامات دبلوماسية؟
في سبتة ومليلية، يطل إرث التوسع الإيبيري القديم من خلف لغة الدولة الأوروبية الحديثة، وهنا، ليست المشكلة في عمر السيطرة وحده، وإنما في الاعتقاد بأن تقادمها يمنحها حصانة أخلاقية وسياسية.
وإسبانيا، تدرك أو لا تدرك أن مرور القرون لا يمحو المطالب، ولا يجعل الجغرافيا أقل إلحاحا، ومن المنظور المغربي، لا تستطيع مدريد أن تطلب احترام حساسيتها الترابية، ثم تتصرف كأن حساسية المغرب تجاه المدينتين مجرد انزعاج عابر يمكن احتواؤه ببيان عن الصداقة وحسن الجوار.
وتكشف زيارة الملك الإسباني وعقيلته إلى سبتة المحتلة، استمرار منطق استعماري داخل تصور السلطة في مدريد، حيث يعمل القصر الملكي الإسباني على منح الاحتلال القائم للمدينة ثقله الرمزي، ويساهم في تقديمها كحقيقة فوق النقاش، وتلك هي وظيفة الزيارة الأخطر من خلال تحويل ملف سياسي وتاريخي مفتوح إلى مشهد احتفالي يوحي بأنه محسوم.
ويمنح السياق الداخلي الإسباني هذه الخطوة دلالة إضافية، فبعد أحداث سبتة، والضغوط السياسية التي أعقبتها، يمكن قراءة الزيارة باعتبارها محاولة لطمأنة الداخل وإظهار الحزم، غير أن معالجة ارتباك داخلي برسالة سيادية موجهة إلى الخارج تظل مقامرة.
فإذا كانت مدريد تريد ترميم صورتها أمام معارضيها، فليس من الحكمة أن تجعل العلاقة مع المغرب مادة لذلك الترميم، ولا يجوز أن تتحول رمزية الملك إلى أداة لتعويض قصور السياسة أو إسكات المزايدات الحزبية.
ماذا تريد مدريد إذن؟ طمأنة سكان المدينتين، أم اختبار حدود الاعتراض المغربي، أم مخاطبة الناخب الإسباني على حساب الشريك الجنوبي؟ وماذا يريد القصر أن يقول للمغاربة حين يضع ثقله في قضية يعرف حساسيتها؟
هذه أسئلة لا تلغيها كثافة المبادلات التجارية، ولا التعاون الأمني، ولا المصالح المتشابكة، بل إن هذا التشابك يجعل المسؤولية أكبر، فكل استفزاز رمزي قد يستهلك رصيدا سياسيا احتاج بناؤه إلى سنوات، وكل أزمة مجانية تفتح الباب أمام خصوم التقارب.
أما الرباط، فلا ينبغي أن تخلط ضبط النفس بغياب الموقف، المطلوب رد قوي، واضح ومحسوب، يشرح الاعتراض ويثبت استمرارية المطالبة المغربية، ويبلغ مدريد أن الشراكة لا تمنحها تفويضا لتجاهل القضايا السيادية.
قوة الرد تقاس بقدرته على حماية المصلحة الوطنية وإيصال الرسالة، لا بارتفاع نبرة الغضب وحدها، ويمكن للدبلوماسية المغربية أن تجمع بين الاحتجاج الصريح وتقدير أدواته وتوقيته، دون التفريط في المبدأ أو الانجرار إلى تصعيد يخدم حسابات الآخرين.
وعلى الرباط أن تجعل زيارة الملك الإسباني إلى سبتة المحتلة مكلفة سياسيا، ويجب أن تسمع إسبانيا موقفا مغربيا لا لبس فيه، لأن حسن الجوار يستلزم احترام ذاكرة الجار وحقوقه ومطالبه، وإذا أصر القصر على استدعاء الماضي لتثبيت الحاضر، فعليه أن يدرك أن المغرب ليس هامشا في رواية إسبانية، إنه دولة تملك روايتها وإرادتها وحقها في الاعتراض. لذا على الرباط أن تخرج من منطق الصمت إلى الصراخ في وجه الإسبان بأنهم محتلون لمدن توجد خارج حدودهم.




