سبتة ومليلية.. على المغرب إعادة فتح ملف تصفية الاستعمار أمام الأمم المتحدة

 سبتة ومليلية.. على المغرب إعادة فتح ملف تصفية الاستعمار أمام الأمم المتحدة
الصحيفة | افتتاحية
الخميس 6 غشت 2026 - 11:52

لم تكن الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة مجرد أزمة هجرة عابرة، ولا واقعة أمنية يمكن إغلاقها بإعادة المهاجرين وتشديد الحراسة على الحدود، فقد أعادت الصور القادمة من المدينة، والنقاش المحتدم في المغرب وإسبانيا وخارجهما، فتح جرح تاريخي عميق بين المملكتين، وكشفت أمام الرأي العام الدولي حقيقة تحاول أوروبا تغليفها بمفردات القانون والديمقراطية، دول أوروبية لا تزال تحتفظ، إلى اليوم، بمدن وجزر وأقاليم خارج مجالها الجغرافي الطبيعي، باعتبارها بقايا مباشرة لعصور التوسع الاستعماري.

وتبدو المفارقة صارخة، فإسبانيا دولة ديمقراطية يتحدث دستورها عن الحرية وحقوق المواطنين ووحدة الشعوب، وتنتمي إلى اتحاد أوروبي يقدم نفسه مدافعا عن النظام الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، لكنها لا تزال تسيطر على سبتة ومليلية والجزر والصخور المجاورة في شمال المغرب، مستندة إلى وقائع عسكرية تعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

هذه المفارقة ليست إسبانية وحدها، فالأمم المتحدة نفسها ما تزال تدرج 17 إقليما ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، يعيش فيها أقل من مليوني شخص تحت أوضاع استعمارية أو انتقالية لم تُحسم بعد. وهو ما يعني أن تصفية الاستعمار ليست قضية من الماضي، بل التزام دولي لم يكتمل تنفيذه.

إن الزخم الإعلامي والسياسي الذي أعاد سبتة إلى واجهة النقاش يمثل فرصة لا ينبغي للمغرب أن يتركها تمر، فالرباط ليست مطالبة بالدخول في مغامرة عسكرية أو افتعال مواجهة مع مدريد، بل بنقل الملف من حدود التصريحات الموسمية إلى المؤسسات الدولية المختصة، وإعادة طرح سؤال تصفية الاستعمار من المدينتين ضمن إطار قانوني ودبلوماسي واضح.

وقد سبق للمغرب أن سلك هذا المسار. ففي 7 أكتوبر 1960، أكد ممثله أمام اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة أن سبتة ومليلية من الأراضي المغربية التي تحتلها إسبانيا، ودعا إلى تسوية تفاوضية تعيد استكمال الوحدة الترابية للمملكة.

وفي 27 يناير 1975، وجّه الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة الرسالة الرسمية رقم "A/AC.109/475" إلى رئيس لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار، طالب فيها بإدراج سبتة ومليلية والحسيمة وصخرة باديس والجزر الجعفرية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، لكن الطلب لم يتحول إلى قرار أممي، وبقيت هذه الأراضي خارج القائمة الرسمية.

إحياء هذا المسار اليوم لا يعني أن المغرب يغامر من نقطة الصفر، بل إنه يعيد تفعيل مطالبة موثقة داخل سجلات الأمم المتحدة، ويمكنه تقديم طلب لإدراج بند مستقل في جدول أعمال الجمعية العامة، مرفقا بمذكرة تفسيرية وملف تاريخي وقانوني ومشروع قرار.

وتنص قواعد الجمعية العامة للأمم المتحدة على أن طلبات البنود الإضافية يجب أن تكون مصحوبة بوثائق أساسية ومذكرة تشرح أسباب طرحها، قبل أن تنظر اللجنة العامة في إدراجها وتحديد الهيئة التي ستناقشها.

بعد ذلك، يمكن إحالة الملف إلى اللجنة الرابعة، بالتوازي مع مطالبة لجنة الـ24 بإعادة فحص رسالة سنة 1975 وإعداد دراسة حول الوضع الاستعماري للمدينتين، وهذه اللجنة تراجع سنويا قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتقدم توصياتها إلى الجمعية العامة بشأن تطبيق إعلان تصفية الاستعمار.

وهناك سابقة مهمة يمكن للمغرب الاستناد إليها تعود لسنة 2013، حيث أعادت الجمعية العامة إدراج بولينيزيا الفرنسية في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، رغم معارضة فرنسا، مؤكدة أن الخروج من القائمة ليس نهائيا وأن الجمعية تستطيع إعادة فتح أي ملف إذا توفرت إرادة سياسية ودعم دبلوماسي.

وفي ضوء التحولات التي يشهدها النظام الدولي، يبدو أن للمغرب هامشا سياسيا ودبلوماسيا أوسع لإعادة طرح ملفي سبتة ومليلية داخل الأمم المتحدة.

فالعلاقات بين مدريد وعدد من القوى الكبرى لا تخلو من توترات وتباينات، بدءا بالخلاف مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الإنفاق الدفاعي وسياسات حلف شمال الأطلسي، مرورا بالتباعد العميق مع موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا، ووصولا إلى تنافس المصالح والحساسيات المتكررة في العلاقات الإسبانية الفرنسية، فضلا عن الطابع الحذر الذي يميز علاقة مدريد ببكين.

وتكتسب هذه المعطيات أهميتها بالنظر إلى الوزن السياسي والدبلوماسي الذي تتمتع به الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين داخل منظومة الأمم المتحدة، غير أن هذه التباينات لا تعني بالضرورة استعداد تلك القوى لتأييد الموقف المغربي، بقدر ما توفر للرباط هامشا للمناورة وبناء التحالفات، وتمنع مدريد من الاطمئنان إلى وجود جبهة دولية موحدة ترفض مجرد إعادة فتح الملف.

ومع ذلك، فرهان المغرب، إن قرر إعادة فتح هذا الملف، لا ينبغي أن يقوم على استثمار خصومات ظرفية مع إسبانيا، بل على تقديم ملف قانوني وتاريخي متماسك، مدعوم بتحرك دبلوماسي واسع داخل الجمعية العامة ولجنة تصفية الاستعمار.

لذلك، لن يُربح الملف بالمراهنة على خصومات الدول الكبرى مع مدريد، بل ببناء تحالف واسع داخل إفريقيا والعالم العربي وحركة عدم الانحياز، وإعداد حجة قانونية وتاريخية تفرق بين نزعات الانفصال الداخلية وبين استكمال دولة مستقلة لوحدتها الترابية.

لكل هذا، على الرباط أن لا تضيع هذه الفرصة التاريخية، فالأحداث الأخيرة منحت سبتة ومليلية حضورا دوليا نادرا، وبدل أن ينتهي النقاش بانتهاء الأزمة الأمنية، ينبغي أن يتحول إلى بداية مسار دبلوماسي طويل النفس، فالتاريخ لا يصحح نفسه تلقائيا، والحقوق التي تبقى في الأدراج تتحول مع مرور الوقت إلى وقائع يحاول الآخرون تقديمها باعتبارها نهائية.

The comments are closed in this post

البوليساريو تحت التاج الإسباني

ليس أكثر إثارة للمفارقة من أن يحتفي أنصار حَركة تُقدم نفسها منذ نصف قرن باعتبارها "حركة تحرر" بقانون يمنح أبناءها جنسية الدولة التي كانت القوة الاستعمارية في إقليم الصحراء، كما ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...