شيء ما ليس على ما يرام بين المغرب وإسبانيا

 شيء ما ليس على ما يرام بين المغرب وإسبانيا
الصحيفة | افتتاحية
الخميس 30 يوليوز 2026 - 13:26

ليست موجة الهجرة التي تشهدها مدينة سبتة المحتلة، خلال الأيام الثلاثة الماضية، مجرد حادث عابر يمكن اختزاله في ارتفاع درجات الحرارة أو هدوء مياه مضيق جبل طارق. فعندما يحاول آلاف المهاجرين بلوغ المدينة خلال فترة زمنية قصيرة، وتتحول السواحل إلى مسرح متواصل لعمليات الإنقاذ والاستنفار الأمني، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت العلاقات المغربية الإسبانية تمر مجددا بمرحلة من التوتر الصامت، حتى وإن حرصت الرباط ومدريد على عدم الإعلان عن ذلك.

المشهد الراهن يستحضر، بصورة يصعب تجاهلها، ما وقع في ربيع سنة 2021، عندما سمحت إسبانيا بدخول زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي إلى أراضيها للعلاج، في ظروف اتسمت بالسرية واستعمال هوية مغايرة. وقد شكلت تلك الخطوة واحدة من أخطر الأزمات الدبلوماسية بين البلدين خلال العقود الأخيرة، لأن الرباط لم تنظر إليها باعتبارها مجرد قرار إنساني، بل رأت فيها إخلالا عميقا بالثقة وضربا لأسس الشراكة التي كانت تجمعها بمدريد.

وبعد أسابيع قليلة، شهدت سبتة تدفقا غير مسبوق لآلاف المهاجرين، ما دفع السلطات الإسبانية إلى نشر الجيش داخل المدينة وعقد اجتماعات أزمة، وسط خطاب رسمي وإعلامي اعتبر ما يجري تحديا أمنيا استثنائيا.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد ملف الهجرة يُقرأ في العلاقات المغربية الإسبانية بوصفه قضية حدودية أو إنسانية فقط، بل أصبح أيضا مؤشرا شديد الحساسية على مستوى الثقة السياسية بين العاصمتين.

اليوم تتكرر صور السباحة الجماعية نحو سبتة، وتتكرر حالة الاستنفار الإسباني، لكن السياق يبدو أكثر تعقيدا وأقل وضوحا، فلا توجد أزمة معلنة بين الرباط ومدريد، ولا تصريحات رسمية تكشف عن خلاف حاد، كما أن قنوات التعاون الأمني ما تزال مفتوحة، ومع ذلك، توحي جملة من الملفات العالقة بأن العلاقات الثنائية فقدت جزءا من الزخم السياسي الذي طبعها بعد التحول الذي عرفه الموقف الإسباني من قضية الصحراء سنة 2022.

ذلك التحول، الذي اعتبرت بموجبه حكومة بيدرو سانشيز مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا جديا وواقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع، أنهى أزمة 2021 وفتح مرحلة جديدة من التقارب، غير أن تجاوز الأزمة لم يكن يعني اختفاء أسبابها العميقة، كما أن البيانات المشتركة والوعود السياسية التي رافقت المصالحة لم تتحول جميعها إلى إجراءات ملموسة.

فخلال الأشهر الأخيرة، عادت قضية الصحراء إلى واجهة السجال السياسي والإعلامي داخل إسبانيا، سواء عبر مواقف بعض الأحزاب المعارضة أو من خلال حملات إعلامية تنتقد التقارب مع المغرب.

ويزداد هذا الملف حساسية كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، إذ يتحول المغرب مجددا إلى موضوع للمزايدة الداخلية، وتخضع العلاقات معه لحسابات حزبية لا ترتبط دائما بالمصالح الاستراتيجية المشتركة بين البلدين.

ويبرز، في هذا السياق، ملف تدبير المجال الجوي فوق الصحراء، الذي ظل مطروحا بين الرباط ومدريد دون تقدم معلن يوازي التعهدات السابقة، والمغرب ينظر إلى هذا الملف باعتباره امتدادا طبيعيا لسيادته على أقاليمه الجنوبية، بينما تتعامل إسبانيا معه بحذر شديد، بالنظر إلى أبعاده السياسية والقانونية وحساسيته داخل جزر الكناري ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.

كما أن التطورات الأوروبية المرتبطة بالاتفاقيات التجارية والبحرية مع المغرب، وما يصدر من أحكام أو مواقف تحتفي بها جبهة البوليساريو، أعادت طرح أسئلة بشأن حدود الدعم الإسباني للرباط، ومدى استعداد مدريد لترجمة موقفها السياسي إلى خطوات عملية عند ظهور نزاعات داخل المؤسسات الأوروبية، والشراكة، من وجهة نظر المغرب، لا تُقاس فقط بالتصريحات، بل أيضا بالمواقف التي تتخذها إسبانيا عندما تكون المصالح الاستراتيجية للمملكة موضع اختبار.

وحتى ملف تنظيم كأس العالم 2030، الذي كان يُفترض أن يجسد روح التعاون بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، تحول إلى مصدر جديد للحساسية بين الرباط ومدريد.

فقد تزامن احتدام السجال حول هوية البلد الذي سيحتضن المباراة النهائية مع تسريب محادثات خاصة عبر تطبيق "واتساب" بين سفيرة المغرب في مدريد، كريمة بنيعيش، والرئيس السابق للاتحاد الإسباني لكرة القدم، لويس روبياليس، بشأن كواليس بناء الملف المشترك، وهو تسريب رأت أوساط في الرباط أن جهات داخل مؤسسات أمنية إسبانية قد تكون وراءه، وأنه يشكل إخلالا بواجب حماية المراسلات الخاصة، التي كان يتعين احترام سريتها وعدم توظيفها أداة للضغط أو الابتزاز السياسي والإعلامي، خصوصا في ملف يُفترض أن يُدار بمنطق الشراكة والتنسيق، لا بمنطق التسريبات وتصفية الحسابات.

أما قضية برنامج التجسس "بيغاسوس"، فما تزال بدورها حاضرة في جزء من الخطاب الإسباني، فعلى الرغم من أن التحقيقات لم تقدم دليلا قضائيا أو تقنيا حاسما يثبت مسؤولية المغرب عن اختراق هواتف مسؤولين إسبان، فإن فرضية تورط الرباط تُستعاد باستمرار وكأنها حقيقة ثابتة، وهذا أمر ترفضه المملكة، معتبرة أن الاتهامات التي لا تستند إلى أدلة نهائية لا يمكن أن تتحول إلى أساس لتوجيه الشبهات أو تسميم العلاقات بين البلدين.

صحيح أن التعاون الأمني والاستخباراتي بين المغرب وإسبانيا ما يزال من أكثر نماذج التعاون فعالية في حوض المتوسط، خصوصا في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، لكن فعالية هذا التعاون لا تعني بالضرورة أن بقية مكونات العلاقة تسير بالوتيرة نفسها، فالشراكة الأمنية يمكن أن تستمر حتى في فترات البرود السياسي، غير أن قدرتها على تحقيق نتائج مستدامة تظل مرتبطة بمستوى الثقة وبوضوح الالتزامات المتبادلة.

من هنا، لا ينبغي قراءة ما يجري في سبتة من زاويته الأمنية والإنسانية وحدها، بل يجب وضعه أيضا داخل السياق السياسي العام للعلاقات الثنائية، فقد أثبتت التجارب السابقة أن الهجرة هي أول الملفات التي تتأثر بأي خلل في التنسيق أو تراجع في منسوب الثقة، وأن سبتة ومليلية تتحولان بسرعة إلى مرآة تعكس ما لا تقوله البيانات الرسمية.

The comments are closed in this post

إسبانيا التي يبتلعها التطرف

ثمة شيء يتغير بعمق داخل إسبانيا، وليس من الحكمة اختزاله في صعود حزب "فوكس"، ولا في بعض المظاهرات التي يظهر فيها شبان يؤدون التحية الفاشية، ولا حتى في الشتائم التي ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...