لماذا سنذهب إلى صناديق الاقتراع لننتخب؟

 لماذا سنذهب إلى صناديق الاقتراع لننتخب؟
الصحيفة | افتتاحية
الخميس 13 غشت 2026 - 13:43

في 23 شتنبر المقبل، سيُطلب من المغاربة مرة أخرى أن يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع لاختيار 395 عضوا جديدا في مجلس النواب، لكن السؤال الذي يسبق سؤال "لمن سنصوت؟" أصبح أكثر إلحاحا وهو: لماذا سننتخب أصلا؟ ما الذي سيقنع مواطنا بأن صوته قادر على تغيير شيء، إذا كان يرى الوجوه نفسها تتكرر، والقيادات نفسها تعاد، والخطاب نفسه يُستهلك منذ عقود، بينما تتسع المسافة بين السياسة وحياة الناس؟

المشكلة ليست أن المغاربة يرفضون الديمقراطية، فقد أشهر استطلاع "الباروميتر العربي" أن 68 في المائة يؤيدون نظاما برلمانيا متعدد الأحزاب، لكن الثقة في البرلمان لم تتجاوز 38 في المائة، وفي الحكومة 33 في المائة، وهذه المفارقة تختصر الأزمة السياسية في المغرب، لأن المواطن لا يرفض صندوق الاقتراع، بل يشك في من يطلبون صوته وفي ما يحدث لهذا الصوت بعد وضعه في الصندوق.

كيف يمكن، اليوم، إقناع المغربي بأن الانتخابات بوابة للمحاسبة، بينما السياسة المحلية نفسها مثقلة بملفات أمام القضاء؟

وهناك لنعد إلى الأرقام التي قدمتها وزارة الداخلية عن سنة 2025، حيث تحدثت عن 302 متابعة قضائية في حق أعضاء مجالس الجماعات الترابية، منهم 52 رئيس جماعة، و57 نائبا للرئيس، و124 عضوا، و69 رئيسا سابقا، وحين تصبح هذه الأرقام جزءا عاديا من المشهد، لا يعود السؤال لماذا يعزف المواطن عن السياسة، بل كيف حافظ أصلا على ما بقي له من ثقة فيها.

وعن حال البرلمان، لنتأمل فيما يخص التصويت عن قانون المالية، الذي ليس نصا تقنيا عابرا، إنه القانون الذي يحدد ضرائب المغاربة وإنفاق الدولة وأولوياتها الاجتماعية والاستثمارية، ومع ذلك، عندما صوّت مجلس النواب نهائيا على قانون مالية 2026 في القراءة الثانية، يوم 5 دجنبر 2025، حيث شارك في التصويت 105 نواب فقط، 80 بالموافقة و25 بالرفض، من أصل 395 عضوا في المجلس، من دون أي امتناع.

أي أن 290 مقعدا لم يظهر أصحابها في نتيجة التصويت على أحد أهم قوانين السنة، وهنا يُطرح السؤال نفسه: أي رسالة تصل إلى المواطن الذي يُطلب منه الحضور إلى الصندوق، عندما لا يحضر ممثله لحظة اتخاذ القرار الذي يرهن المغاربة لسنة مالية كاملة؟

لدينا إذن أزمة أعمق من نسبة المشاركة، لدينا أزمة جدوى سياسية، فالناخب لا يذهب إلى الصندوق لكي يمنح شخصا مقعدا أو امتيازا أو حصانة رمزية، بل لأنه يفترض أن ذلك الشخص سيشرّع، ويراقب الحكومة، ويدافع عن دائرته، وأن رئيس الجماعة سيحسن النقل والنظافة والطرق والإنارة والتعمير، ثم سيحاسب إذا أخفق أو تجاوز القانون.

والدستور المغربي كان واضحا منذ الفصل الأول، حيث أن النظام الدستوري يقوم، ضمن ما يقوم عليه، على "الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة"، غير أن هذا المبدأ يفقد قوته حين يشعر المواطن بأن المسؤولية تبدأ يوم الانتخابات، بينما المحاسبة قد تتأخر سنوات، أو لا يراها في أثر ملموس على حياته.

لهذا، فإن التحدي في انتخابات شتنبر ليس إقناع المغاربة بالذهاب للتصويت عبر الملصقات والخطب والمهرجانات، المطلوب أن يُقنعهم النظام الحزبي بأن هناك شيئا يستحق التصويت عليه، وجوه جديدة، كفاءات، برامج قابلة للقياس، أحزاب تعاقب الفاشلين بدل إعادة تدويرهم، وبرلمان يحضر أعضاؤه حين تُرسم قوانين مستقبل البلاد.

فالناس لا يمكن أن يُطلب منهم إلى ما لا نهاية أن يصوتوا على الفراغ، وقبل أن نسأل المغربي: "هل ستنتخب؟"، على السياسة أن تجيب أولا عن سؤال أكثر قسوة: ماذا قدمنا له حتى يصدق أن صوته هذه المرة لن يذهب إلى اللاشيء؟

The comments are closed in this post

البوليساريو تحت التاج الإسباني

ليس أكثر إثارة للمفارقة من أن يحتفي أنصار حَركة تُقدم نفسها منذ نصف قرن باعتبارها "حركة تحرر" بقانون يمنح أبناءها جنسية الدولة التي كانت القوة الاستعمارية في إقليم الصحراء، كما ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...