الانتخابات وسؤال الفهم
بأي معنى أصبح للكاتب حافز ليكتب في ظل انتصار تام للتكنولوجيات الجديدة ودورها في سرقة انتباه الناس؟ بأي معنى يمكن أن يكتب المرء اليوم؟ لماذا أصلا يكتب طالما أنه يسائل هو نفسه عن معنى وجدوى الكتابة؟
إن الكاتب ذاته أيضا كما يتذكر كتب مقالا ينبه فيه إلى أن الكتابة وصناعة الرأي مهنة ليست مجانية، بل وشدد على أن التعويض الذي يحصل عليه الكاتب للصحف الجماهيرية مجز لأسباب وجيهة مرتبطة بالمنتوج الثمين الذي يعرضه، أعني سنوات من خبرة قراءة وثيقة للكتب والصحف والمجلات والتتبع الحصيف لكل ما يعتمل في المشهد العام في مختلف المجالات.
إذن، فإذا كان الواقع الحاصل هو هذا، لماذا نكبد أنفسنا عناء محاولة تحرير مقال والتفكير في أبعاده ارتباطا بالموضوع الذي نتناوله وهو في هذه الحالة الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026؟
لنترك جانبا كل الأسئلة الجوهرية المسجلة، فعلى ما يبدو لا سبيل اليوم إلا لمساءلة كل شيء إذ أن البديهيات أضحت مستعصية لدرجة يمتنع فيها قول أي شيء دونما تأسيس قبلي منهجي تجنبا للصدمات والتأويلات المغرضة وحفاظا على مكانة هشة تطال الجميع، وليس فقط من يتجشم وطأة الإقدام والمحاولة.
في الحقيقة، الجواب يوجد بشكل واضح أمام الجميع على مستوى العنوان، لذلك يمكن أن نعيد صياغة العنوان ضمن سؤال جوهري: لماذا سيشارك الناس في الانتخابات بعد طول سكوت سياسي وجملة وقائع سلبية ظهر معها انفصال الناس التام عن السياسات العمومية الكبرى منها والعادية؟
لا مجال لنعتقد أن الأحداث الأخيرة المسجلة بهروب آلاف الشباب نحو مدينة سبتة لمعانقة حلم الهجرة الأوروبي في يوم وطني عزيز، لن يكون لها تأثير على الانتخابات المقبلة. نرجو بعد طرح هذا السؤال ألا يحاول أحد من المتدخلين السياسيين التذاكي باعتبار أن النتيجة ستكون نفاقا في واضحة النهار يُمسك به من بعيد.
ولعمري هذا نتيجة مؤسفة على نخبة الصف الأول من السياسيين المغاربة تسجليها بالبنط العريض إذ لا معنى للتبشير بالتفاؤل والإيجابية والإنجازات وسط صحراء من الريبة والانفصال والانسحاب وعدم الاقتناع وغياب الثقة. فلئن كانت سياسات عمومية أساسية، تمت رعايتها من أعلى المستويات في الدولة، لم تقنع الشباب وأسرهم بواجب الانخراط في المشاريع والأوراش المختلفة المطلوقة، فكيف بالتالي يمكن لنخبة السياسة لمطلع الألفية أن تقوم بهذا الدور.
في الواقع، لا مناص لها سوى أن تقوم به ففي نهاية المطاف الرهان على الوقت يعتبر ثابتا من ثوابت هذه النخبة السياسة التي لم تع بعد ما وعاه شباب وأطفال البلد، على الرغم من اطلاعهم وإحاطتهم بما يعتمل في الصحف والمواقع الاجتماعية منها والإعلامية.
إن ربط الانتخابات بسؤال الفهم لم يكن من باب الإثارة الصحافية كما قد يعتقد البعض، أو التمكن من فن العنونة. وهنا، أيها القارئ، انتبه إلى أن أشرعة محاولة الإجابة عن السؤال الجوهري المطروح أعلاه ماتزال قائمة. بعبارات مباشرة، يتعذر وحالة الاستعصاء والتشبث بالمواقع أن يفرض الشباب صوته ويحصل مكانه ضمن البناء المجتمعي في مختلف الأوساط إذا كان في نهاية المطاف سوف يصل إلى ما يطمح إليه ويضعه ضمن أهدافه وخططه للمستقبل منهكا وتعبا وواهنا. ل
ن يقبل أحد، بعد التأكد من اعتماد هؤلاء الساسة القدامى والبيروقراطيون لنوع من حالة الاستنزاف والامتصاص والضغط الأكثير من شديد، أن يغامر بمواجهة هذه الأجهزة الحزبية والمؤسساتية. ولن يكون ذلك مستحيلا طبعا إلا على حساب الوطن ورفعته وازدهاره، اللهم إذا كان للطبقية هنا كلمة أخيرة يستدعى على إثرها ابن فلان من كندا وابن علان من فرنسا، مع تسجيل أن وطأة الواقع لن تنتظر أحدا ومشاريعه المنسوجة في الخيال.
يمكن للإنسان أن يفكر في الهجرة هو أيضا، أن يرحل من مجتمع أو بالأحرى أن يهرب في الوقت الذي يتأكد فيه بأن حدود وسقف طموحه يتوقف على عودة الأبناء بعد تجربة حياة نتصورها غنية وحافلة في الخارج. لهذه الدرجة من "الإقامة الجبرية" نوجد عليها في هذا البلد حيث العناصر المجتهدة والمقدامة يجب عليها انتظار الدور بعد طول تضحيات واجتهاد في وقت فراغ ممتد لم يتصد فيه أحد من هؤلاء الأحفاد والأبناء أو يحلم بتحقيق إنجازات لصالح البلد والتاريخ.
ولأكون مغرورا هنا، طالما كاتب المقال يصرح علنية بضمير الأنا، لعبة أسماء العائلات، لاسيما تلك التي ازدهرت في كنف ما بعد الاستعمار، وطالما أن الحداثة شأن مستجد بالنسبة للمغرب ككل، فإن التسرع في الاستعراض ليس سوى مقدمة ضرورية للدعوة المتواضعة للتدبر في الآية الكريمة محكم التنزيل من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...
في الختام، من أجل التأكيد على أهمية وضرورة فهم الانتخابات في كافة أبعادها، فقط أشير إلى أن أي ناخب عليه أن يكون ملما بأن للانتخابات ثلاثة أدورا حاسمة، الأولى منها هي إنتاج التمثيلية والبرلمانيين، والثانية هي أن من خلال هؤلاء يتم اختيار الحكومة، وثالثا وأخيرا إنتاج المشروعية.
بالإضافة إلى أن مبدأ سرية الصوت فكرة أساسية تفيد بأنه لم يكن من السهل قط الوصول إلى تحصين الناخب من تداعيات تصويته الحر على اختياره السياسي. ناهيك، أخيرا، أن المشاركة السياسية تتأخذ أشكالا مختلفة تؤثر حتى على مشروعية وشرعية الانتخابات؛ حيث استنفاد جميع تلك الأدوار لا يعني بالضرورة الاستفادة بشكل من الأشكال، بل قد تعني مزيدا من الإحباط وعدم الثقة. سوى أن الديمقراطية المغربية لا يمكن لها أن تنمو وتتطور دونما مشاركة سياسية وانتخابية معقولة إلى مرتفعة تكون عند مستوى تحديات اللحظة.



