البرلمان يتبنى تعديلات قانونية تُلغي تشغيل حراس الأمن الخاص لـ12 ساعة
قطع ملف حراس الأمن الخاص بالمغرب خطوة تشريعية حاسمة، بعدما صادق مجلس المستشارين، مساء أمس الثلاثاء بالإجماع على مشروع قانون يروم تقليص مدة العمل اليومية لهذه الفئة من 12 ساعة إلى 8 ساعات، في تعديل يمس واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل داخل قطاع ظل لسنوات، قائما على معادلة اجتماعية مختلة يوم عمل طويل وأجر يحتسب في حالات واسعة على أساس مدة الشغل العادية، تحت غطاء قانوني كان يصنف الحراسة ضمن الأعمال ذات الطبيعة المتقطعة.
ويهم النص الجديد مشروع القانون رقم 032.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل من خلال تتميم المادة 193، بما يخرج حراس الأمن المرتبطين بعقود شغل مع مقاولات الحراسة من خانة الحراس الذين تعتبر أعمالهم متقطعة ويخضعهم بالتالي لمدة الشغل القانونية المعمول بها بالنسبة لباقي الأجراء، كما تنص على ذلك المادة 184 من مدونة الشغل.
ولا يتعلق الأمر في جوهره، بمجرد تخفيض لعدد ساعات العمل، بل بإعادة تصحيح وضع قانوني واجتماعي ظل يسمح بتشغيل آلاف الحراس 12 ساعة يوميا مقابل أجر يحتسب على أساس مدة الشغل العادية، فبحسب البلاغ الحكومي الصادر عقب اجتماع مجلس الحكومة بتاريخ 30 أبريل الماضي جاء المشروع من أجل إنصاف فئة الحراس الذين تربطهم عقود شغل بالمقاولات التي تمارس أعمال الحراسة بعدما كانت هذه الفئة تستفيد من تأويل قانوني يدرجها ضمن الأشغال ذات الطبيعة المتقطعة.
وقد صادق مجلس الحكومة على هذا المشروع في 30 أبريل، قبل أن يمر إلى مجلس المستشارين حيث صادقت عليه لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية يوم الاثنين 15 يونيو ثم الجلسة العامة في اليوم الموالي بالإجماع، في انتظار عرضه على مجلس النواب للمصادقة النهائية.
وخلال دفاعه عن النص أمام مجلس المستشارين، اعتبر وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري، أن الأمر يتعلق بإصلاح طال انتظاره من طرف عشرات الآلاف من حراس الأمن الخاص مؤكدا أن التعديل يهدف إلى "إنصاف" هذه الفئة وأن الحكومة تسعى إلى تسريع المسار التشريعي حتى يتم استكماله وفق ما صرح به في أفق منتصف يوليوز على أبعد تقدير.
ويكتسي هذا التعديل أهمية خاصة لأنه يأتي ضمن مخرجات الحوار الاجتماعي المركزي لدورة أبريل وفي سياق استكمال تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق الاجتماعي الموقع بتاريخ 29 أبريل 2024 خصوصا ما يرتبط بالمراجعة التدريجية لبعض مقتضيات مدونة الشغل.
وبموجب الصيغة الجديدة لن يكون ممكنا بعد دخول القانون حيز التنفيذ، إبرام عقود شغل جديدة أو عمليات توظيف جديدة في قطاع الحراسة الخاصة على أساس 12 ساعة يوميا إذ ستصبح 8 ساعات هي القاعدة القانونية المطبقة على هذه الفئة أما الصفقات والعقود المبرمة قبل صدور القانون فقد أوضح السكوري أن النص لن يطبق عليها بأثر رجعي بما يمنح الشركات فترة للتأقلم مع التحول الجديد وإعادة تنظيم مواردها البشرية.
غير أن هذا المكسب الاجتماعي يفتح في المقابل، واحدا من أعقد الأسئلة المرتبطة بتنزيل الإصلاح بما فيها هوية من سيتحمل كلفة الانتقال من نظام 12 ساعة إلى نظام 8 ساعات، فالنظام القديم كان يسمح لكثير من الشركات بتنظيم العمل عبر فترتين في اليوم كل واحدة تمتد 12 ساعة بينما سيحتاج النظام الجديد في مواقع الحراسة المستمرة إلى ثلاث فرق يومية، بما يعني توظيف موارد بشرية إضافية أو إعادة توزيع ساعات العمل بشكل مختلف.
وهذا الانتقال وفق تبريرات الحكومة، قد يرفع كلفة خدمات الحراسة الخاصة بنسب قد تتراوح بين 40 و50 في المائة خاصة في القطاعات التي تعتمد على الصفقات، مثل الصحة والتعليم وبعض المرافق العمومية والخاصة.
وهنا تحديدا تظهر حساسية الإصلاح، فشركات الحراسة الخاصة تشتغل في سوق شديدة التنافس وترتبط في جزء مهم من نشاطها بعقود وصفقات مع إدارات عمومية وجماعات ترابية ومؤسسات تعليمية وصحية ومقاولات خاصة، حيث يتم تحديد الكلفة مسبقا ضمن دفاتر تحملات تمتد أحيانا لسنوات.
لذلك فإن استبعاد الأثر الرجعي للقانون يهدف إلى تفادي أي ارتباك فوري في العقود الجارية أو توقف محتمل للخدمات، غير أنه يطرح في المقابل تحديا حقيقيا يتعلق بالمرحلة الانتقالية خاصة بالنسبة للآلاف من الحراس الذين سيستمرون عمليا في الاشتغال وفق نظام 12 ساعة إلى حين انتهاء العقود القديمة كما يثير تساؤلات حول الآليات التي ستعتمدها الدولة لضمان ألا تتحول فترة التأقلم إلى منفذ للالتفاف على روح الإصلاح أو تأجيل آثاره الاجتماعية الفعلية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير في قضايا الشغل والحماية الاجتماعية عبد الصمد البرنوصي أن "التحدي الحقيقي لا يكمن في المصادقة على القانون بقدر ما يكمن في تنزيله على أرض الواقع".
البرنوصي، وفي حديثه لـ "الصحيفة" أوضح بأن المغرب انتقل اليوم من مرحلة الاعتراف بوجود اختلال قانوني واجتماعي داخل قطاع الحراسة الخاصة إلى مرحلة معالجة تداعياته الاقتصادية" مضيفا "العديد من الصفقات العمومية والخاصة بُنيت ماليا على أساس نظام 12 ساعة، وبالتالي فإن الانتقال إلى 8 ساعات سيفرض على الشركات إما توظيف موارد بشرية إضافية أو إعادة هيكلة تنظيم العمل بشكل كامل، وهو ما سيرفع الكلفة التشغيلية للقطاع".
واعتبر المتحدث، أن نجاح الإصلاح "يقتضي مواكبة دقيقة من وزارة الشغل وأجهزة المراقبة لأن الخطر يكمن في لجوء بعض الفاعلين إلى حلول بديلة قد تفرغ القانون من مضمونه سواء عبر اللجوء المفرط إلى الساعات الإضافية أو عبر أشكال غير مباشرة من التشغيل الهش".
ولفت إلى أن هذا الإصلاح يشكل "اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على التوفيق بين حماية حقوق الأجراء والحفاظ على التوازن الاقتصادي للمقاولات دون أن يكون أحد الطرفين ضحية للآخر".
من جانبها، وخلال مناقشة المشروع أكدت الوزارة أنها تراهن على التفتيش والمراقبة لضمان احترام المقتضيات الجديدة بعد دخولها حيز التنفيذ إذ تحدثت عن توجه الوزارة لإطلاق برنامج للمراقبة بهدف السهر على احترام القواعد القانونية المتعلقة بساعات العمل والأجور، ومنع المساس بحقوق الشغيلة.
وتعود جذور الإشكال إلى المادة 193 من مدونة الشغل، التي كانت تسمح باحتساب بعض الساعات المؤداة في إطار أعمال ذات طبيعة متقطعة على أساس الأجر المؤدى عن مدة الشغل العادية وهو ما جعل فئة الحراس، في التطبيق العملي، تخضع لنظام 12 ساعة غير أن مشروع القانون الجديد يستثني حراس الأمن الخاص المرتبطين بعقود مع مقاولات الحراسة من هذا التصنيف بما يعيدهم إلى القاعدة العامة لمدة الشغل العادية
وبذلك، تحول الملف من مطلب نقابي واجتماعي مزمن إلى إصلاح قانوني يمس بنية قطاع كامل، فالحراسة الخاصة أصبحت جزءا من الحياة اليومية للمؤسسات والإدارات والمستشفيات والمدارس والمراكز التجارية والأحياء السكنية والمرافق الحساسة ومع توسع الطلب على خدمات الأمن الخاص برزت مفارقة اجتماعية واضحة قطاع يتوسع اقتصاديا لكنه يقوم في جزء كبير منه على فئة مهنية هشة تشتغل لساعات طويلة وفي الغالب بأجور محدودة وفي شروط صعبة ترتبط بالليل والوقوف لساعات وبعد مواقع العمل عن السكن وضعف التكوين والحماية الاجتماعية في بعض الحالات.
ومن شأن الانتقال إلى 8 ساعات أن يغير شكل العلاقة داخل القطاع على عدة مستويات، أولا سيمنح الحارس حقا أوضح في وقت الراحة ويقلص الإرهاق المرتبط بالعمل الطويل خصوصا في المواقع التي تتطلب اليقظة والانتباه المستمر. ثانيا، سيفرض على الشركات إعادة بناء جداول العمل وربما الرفع من عدد المستخدمين لتغطية المواقع التي تتطلب حراسة 24 ساعة وثالثا، سيعيد ترتيب كلفة الصفقات العمومية والخاصة، لأن السعر الذي كان يبنى على فترتين يوميا لن يكون كافيا في كثير من الحالات لتغطية ثلاث فترات.
لكن الرهان الأكبر سيبقى في التنزيل الفعلي، فالخبرة المغربية في عدد من الإصلاحات الاجتماعية أظهرت أن النص القانوني لا يكفي وحده لضمان التحول ما لم يرافقه تفتيش صارم وتوضيح دقيق للمرحلة الانتقالية ومراقبة لدفاتر التحملات، وربط الصفقات العمومية باحترام قانون الشغل، وعدم السماح للشركات بالفوز بعروض منخفضة الكلفة على حساب الأجراء لذلك فإن نجاح هذا الإصلاح يقاس بمدى تغير الحياة اليومية لحراس الأمن الخاص فعليا وبما إذا كانت ساعات العمل ستنخفض دون أن ينعكس ذلك سلبا على الأجور أو الاستقرار المهني.
من جهة ثانية، فإن إدراج هذا التعديل ضمن مخرجات الحوار الاجتماعي يعطيه بعدا يتجاوز قطاع الحراسة لأنه يبعث رسالة مفادها أن مراجعة بعض مقتضيات مدونة الشغل صارت مسارا مفتوحا تحت ضغط التحولات الاجتماعية والاقتصادية كما يكشف أن بعض الثغرات القانونية التي كانت تبدو تقنية يمكن أن تنتج، في الواقع، أوضاعا مهنية تمس آلاف الأسر.
ومع مصادقة مجلس المستشارين ينتقل المشروع الآن إلى مجلس النواب، حيث ينتظر أن يحظى بالمصادقة النهائية قبل دخوله حيز التنفيذ بعد النشر في الجريدة الرسمية وإذا ما تم احترام الجدول الزمني الذي تحدث عنه الوزير، فإن المغرب سيكون أمام واحدة من أبرز المراجعات الاجتماعية في قطاع الحراسة الخاصة خلال السنوات الأخيرة لأنها تنهي نظام 12 ساعة وتعيد الاعتبار لفئة ظلت طويلا في واجهة حماية المؤسسات، لكنها بقيت في الهامش حين يتعلق الأمر بحماية حقوقها المهنية.




