د محمد كرواوي
السبت 4 يوليوز 2026 - 16:13

البروباغندا الخبيثة للنظام العسكري الجزائري في بوسطن

حينما ننظر إلى دفتر العلاقات المغربية الجزائرية  عبر العقود الأخيرة، نجد أنفسنا أمام كتاب مفتوح من التوترات الممتدة والمستدامة التي افتعلها النظام العسكري الجزائري الخبيث. لكن الأخطر في تقديري، ليس في طبيعة هذه الخصومة الجزائرية المفتعلة، بل في انتقال أدواتها وسياقاتها إلى فضاءات غير مألوفة، وهي الفضاءات السيبرانية الرقمية والمنصات الرياضية، لعل ما جرى في الأيام القليلة الماضية بشأن ما سمي قضية الطفل وسيم، يعطينا نموذجا كاشفا وفاضحا لكيفية صناعة الأزمات الافتراضية وتوظيفها في خدمة المعارك الجيوسياسية على أرض الواقع.

القصة بدأت بادعاءات جرى ضخها بكثافة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مفادها تعرض طفل قاصر يحمل الجنسيتين الجزائرية والأمريكية لاعتداء جسدي عنيف من قبل مشجعين مغاربة في منطقة المشجعين بمدينة بوسطن الأمريكية بالتزامن مع نهائيات كأس العالم.

وحتى هذه اللحظة، كنا أمام حادثة مشاجرة قد تقع في أي مكان، لكن المفاجأة التي استدعت انتباه المراقبين هي مسارعة الرئاسة الجزائرية، وعلى أعلى مستويات القرار، لتبني الرواية وإضفاء الطابع الرسمي عليها، بل وتكليف القنوات الدبلوماسية بالتحرك، في مقابل صمت مطبق وغياب تام لأي أثر جنائي أو بيان رسمي من شرطة بوسطن والسلطات الأمريكية. وهنا، من حقنا ومن واجبنا أن نسأل ما الذي يريده صانع القرار في الجزائر من وراء هذا الاندفاع وما هي الخلفيات الاستراتيجية الكامنة وراء هذا التسييس؟

في تقديري، إن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في فهم آليات السلوك السياسي للأنظمة الديكتاتورية عند مواجهة التحديات الداخلية. هناك في العلوم السياسية قاعدة ذهبية تقول إن صناعة العدو الخارجي أو تضخيم الخطر القادم من وراء الحدود، هي الأداة الأقوى لتأمين التماسك الداخلي وتأجيل استحقاقات المساءلة.

والجزائر اليوم تعيش في خضم ترتيبات سياسية واقتصادية معقدة، على رأسها ملفات الانتخابات التشريعية وتذبذبات أسواق الطاقة. ومن هنا، فإن العثور على قضية ذات شحنة عاطفية، تمس سلامة طفل قاصر بذريعة هويته الوطنية، يمثل فرصة ذهبية لوسائل الإعلام الرسمية لتحويل دفة الاهتمام العام، ونقل الشارع من مربع المطالب المعيشية والسياسية اليومية إلى مربع التعبئة القومية والالتفاف حول راية الدولة العسكرية لحماية الكرامة.

البعد الآخر في هذا المشهد يتعلق بتحويل الرياضة إلى ساحة بديلة للمواجهة الدبلوماسية. لقد رأينا كيف دخل تبون بنفسه على خط الأزمة، معلنا تواصله مع السفير صبري بوقادوم في واشنطن، بل وموجها بتقديم دعوة رسمية للطفل عبر وزير الرياضة وليد صادي لحضور مباريات المنتخب الجزائري في كندا.

هذه الخطوات المتسارعة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الرغبة في إحداث توازن رمزي مع النجاحات الدبلوماسية والرياضية الكاسحة التي حققها المغرب مؤخرا، عبر محاولة وصم الشارع الرياضي المغربي بالعنف والعدائية. كما أن هذا التجييش الإعلامي يمنح السلطة العسكرية في الجزائر مسوغا شعبيا إضافيا لتبرير وتكريس قراراتها السيادية السابقة بقطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق الحدود والأجواء، عبر تصوير الجار  كمهدد وجودي للمواطن الجزائري حتى خارج النطاق الجغرافي للمنطقة.

لكن الأزمة الحقيقية التي تواجه هذا الاندفاع الإعلامي والسياسي، هي معضلة المصداقية أمام الحقائق والوثائق الصارمة. إن السردية الرسمية الجزائرية تصطدم اليوم بجدار صلب من غياب الأدلة الجنائية في الولايات المتحدة ففي بيئة قانونية ومؤسساتية صارمة كأمريكا، لا يمكن تحريك متابعات قضائية بناء على رغبات سياسية خارجية ما لم تكن هناك محاضر مادية ووقائع مثبتة لدى شرطة ماساتشوستس، وهو ما لم يحدث.

يضاف إلى ذلك ما كشفه الفحص التقني المستقل للفيديوهات المتداولة، والتي تبين أنها مفبركة وتتضمن شعارات تعود لمونديال قطر القديم، مما يعكس تسرعا فاضحا في تبني مواد مصنعة رقميا، مدفوعا فقط بالخصومة السياسية المسبقة على حساب الموضوعية الجنائية.

الخلاصة التي نخرج بها من قراءة هذا الملف، هي أن تسييس قضية الطفل وسيم ليس مجرد تعاطف إنساني، بل هو خيار تكتيكي مدروس ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الصراع الإقليمي الممتد. إن الرهان على البروباغندا الرقمية وحشد العواطف القومية قد يحقق عوائد سياسية مؤقتة في الداخل، لكنه على المدى البعيد يبدو رهانا خاسرا في معركة المصداقية الدولية، فالسياسة هي فن التعامل مع الحقائق الصلبة لا مع الافتراضات الحمقاء والرعناء.

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة
The comments are closed in this post

كيف يهين النظام الجزائري ذاكرة شهدائه؟

في التاريخ، لم تكن الأنظمة السلطوية تكتفي بإدارة السياسة أو الاقتصاد، بل كانت تدرك أن السيطرة الحقيقية تبدأ عندما تنجح في إدارة الوعي الجماعي. ولهذا لم يكن غريبا أن يقول ...

استطلاع رأي

هل تتوقع أن تخسر إيران الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

Loading...