الثقة والمصلحة والجغرافيا.. عوامل دفعت المغرب لتوجيه نظره إلى البرتغال في زمن الخصومة مع جارتها إسبانيا

مع حلول سنة 2020 كانت المبادلات التجارية المغربية البرتغالية قد وصلت، خلال عقد من الزمن إلى مليار أورو، في حين لم تكن تتجاوز خلال العشرية التي سبقتها 50 مليون أورو وفق أرقام غرفة التجارة البرتغالية، وهو أمر يؤكد النمو الصامت لكن السريع في العلاقات الثنائية بين الرباط ولشبونة، فالمغرب الذي تعيش علاقاته مع الجارة الأخرى إسبانيا حالة مد وجزر، أضحى يوجه نظره جهة جار آخر أبعد بقليل ناحية الغرب، حيث وجد في البرتغال فضاءً خصبا للشراكات الاقتصادية وحتى العسكرية.

وأول أمس الأربعاء، كان البلدان على موعد مع خطوة من شأنها أن تدفع بالتعاون بينهما إلى مستوى أكبر، عندما اجتمع وزيرا خارجية الرباط ولشبونة، ناصر بوريطة وأغوستو سانتوس سيلفا، تمهيدا للاجتماع رفيع المستوى المستوى المُقرر عقدها مستقبلا بين حكومتي البلدين، وأيضا لتوقيع اتفاقية وُصفت بأنها "من الجيل الجديد" والمُتعلقة بإقامة وتوظيف العمال المغاربة في البرتغال، وتسهيل تبادل ونقل العمال بين البلدين، علما أن البرتغاليين يملكون بالفعل حاليا أكثر من 300 مقاولة على الأراضي المغربية.

 لشبونة تعرف كيف تُرضي الرباط

واللافت للانتباه خلال اللقاء الذي كان عبر تقنية الواصل، ليس فقط كونه اجتماعا حكوميا مصغرا بين البلدين، لأنه ضم أيضا وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، محمد صديقي، ووزير الادماج الاقتصادي والمقاولات الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، ولكن أيضا هو تسريعه خطوات عقد الدورة الـ14 من الاجتماع رفيع المستوى، في الوقت الذي دخل فيه نظيره الذي كان مقررا أن يُعقد بين الحكومتين المغربية والإسبانية طي النسيان، وهو الذي أُجل مرارا منذ 2020 علما أن الدورة المُرتقبة منه والتي تحمل رقم 12 تأخر عن آخر دورة بـ7 سنوات.

وإذا كانت الرباط، حسب تصريحات سابقة لوزير خارجيته، تبحث في علاقاتها الدولية عن "الثقة والمصلحة" أكثر من الجوار، فإن حالة إسبانيا والبرتغال تجسد هذا التوجه، إذ رغم أن الأولى أقرب جغرافيا وتجاريا وتاريخيا للمغرب، إلا أن التقارب يبدو أكبر حاليا مع البرتغال التي عرفت كيف تتعامل مع الملفات الحساسة لهذا الأخير، وفي مقدمتها ملف الصحراء، الأمر الذي اتضح في كلمة الوزير البرتغالي الذي أعلن أن بلاده دعمت بشكل مباشر استئناف الاتحاد الأوروبي للحكم الصادر عن المحكمة الأوروبية بخصوص اتفاقيتي الفلاحة والصيد البحري، ما يعني أن لشبونة تقف مع اتفاق يشمل أقاليم الصحراء.

وترغب مدريد من جهتها أيضا في الإبقاء على الاتفاق كما هو، لكنها تنظر للأمر من زاوية مصلحتها هي بحكم أنها تملك أكبر عدد من السفن التي تصطاد في السواحل المغرب، لكنها في المقابل لا تريد الإعلان عن أي موقف يضعها في موقع قريب من الطرح المغربي بخصوص ملف الصحراء، في حين أن وزير الخارجية البرتغالي، وقبل عام من الآن كان قد حل بالرباط والتقى بنظيره المغرب، ليعلن أن مبادرة الحكم الذاتي "جدية للغاية وذات مصداقية"، مع التأكيد على أن الحل يجب أن يكون "واقعيا وعمليا ومُستداما".

 البرتغال.. بديل قريب لإسبانيا

وتدريجيا، أصبح المغرب يعطي للبرتغال مكانة كانت تنفرد بها إسبانيا لعقود، الأمر الذي اتضح الصيف الماضي حين بدأت المفاوضات الثنائية بين البلدين لإنشاء خط بحري يربط ميناء بورتيماو في جنوب البرتغال بميناء طنجة المتوسطي، تزامنا مع إلغاء جميع الخطوط البحرية التي كانت تربط الموانئ الإسبانية بنظيرتها المغربية خلال عملية "مرحبا" الخاصة بعبور مغاربة المهجرة إلى أوروبا، الأمر الذي يعني ضربة قوية لاقتصاد إقليم الأندلس الذي يضم موانئ ألميريا والجزيرة الخضراء وطريفة، والذي يستفيد من مرور 3 ملايين مغربي جيئة وذهابا.

ولم يُكتب لهذا الخط أن يرى النور العام الماضي رغم تأكيد الحكومة البرتغالية وجود مفاوضات بشأنه، وإلى الآن لم يتم الإعلان عن إلغاء الفكرة، لكن إصرار المغرب على جعل البرتغال بديلا لإسبانيا سيبرز من جديد مؤخرا، حين قررت حكومة الرباط في دجنبر الماضي جعل نقطة الانطلاق للرحلات الجوية الاستثنائية الخاصة بإعادة العالقين المغاربة في الخارج، هي المطارات البرتغالية، وحينها بررت وزارة الصحة الأمن بضعف احترام السلطات الإسبانية لإجراءات السفر افتقارها للصرامة في مراقبة الحالة الصحية للمسافرين، الأمر الذي أغضب خارجية مدريد والتي احتجت رسميا على ذلك.

وفي الوقت الذي تكون فيه بعض القضايا الحدودية مصدرا للتوتر بين المغرب وإسبانيا، تحولت إلى مجال للشراكة "المبتكرة" بين المغرب والبرتغال، ففي شتنبر من سنة 2020 أعلنت البرتغال عن "ترحيب" من نوع خاص بالمهاجرين غير النظاميين المغاربة، الذين يشكلون مصدر شكوى مستمرة من حكومة مدريد، إذ أعلنت الحكومة البرتغالية أنها ستعمل على تقنين وضعيتهم ثم منحهم فرص عمل في مجالات تعرف خصاصا في اليد العاملة، على غرار الفلاحة والبناء، وفق مقترح صادر عن وزير الداخلية البرتغالي إدواردو كابريتا.

 شراكات الطاقة والدفاع

غير أن الشراكة الثنائية الآخذة في النمو بين المغرب والبرتغال، لا يمكن تصنيفها في خانة "المُكايدة" لإسبانيا، ليس فقط نظرا لكونها تتعلق بمشاريع بعيدة المدى، ولكن أيضا لطبيعتها الاستراتيجية، الأمر الذي يتضح مثلا من خلال مشروع الربط الكهربائي المعلن عنه في ماي من سنة 2018 والذي يجعل من المغرب مجالا لتزويد البرتغال بالطاقة الكهربائية من خلال مشروع تصل طاقته الإنتاجية إلى 1000 ميغاوات، والذي سيمكن البلدين مستقبلا من بيع الكهرباء بشكل مشترك إلى دول أخرى.

وأصبحت البرتغال شريكا أساسيا للمغرب في أحد أهم برامجه الاستراتيجية المتعلقة بالمجال الطاقي، ففي فبراير من العام الماضي وقع البردان إعلانا مشتركا للتعاون في مجال تطوير الهيدروجين الأخضر، ما جعلها ثاني دولة أوروبية تشارك المغرب في هذا الطموح بعد ألمانيا، التي تعثر مشروعها مع المغرب بسبب الأزمة الدبلوماسية التي انتهت مؤخرا، علما أن البرتغال تملك في مشروع كهذا امتياز القرب الجغرافي أيضا.

وامتدت الشراكة المغربية البرتغالية لتشمل أيضا المجال العسكري، ففي أواخر نونبر الماضي حل وزير الدفاع البرتغالي جواو غوميش غرافينيو بالرباط، حيث التقى بالوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني عبد اللطيف لوديي، والمفتش العام للقوات المسلحة الملكية الفاروق بلخير، وهي زيارة لم يُكشف عن الكثير من خباياها، لكن المؤكد رسميا أنه جرى خلالها الاتفاق على التعاون بين جيشي البلدين في مجالات التدريب والتكوين العملياتي والأمن البحري، علما أنها أتت في فترة أعلن فيها المغرب دخوله مجال الصناعات الدفاعية رسميا.

السبت 9:00
مطر خفيف
C
°
10.82
الأحد
13.53
mostlycloudy
الأثنين
12.58
mostlycloudy
الثلاثاء
12.73
mostlycloudy
الأربعاء
12.04
mostlycloudy
الخميس
12.95
mostlycloudy