حسان ناجح
الجمعة 17 يوليوز 2026 - 22:25

الجسد الإعلامي المغربي في زمن التواصل.. علل المنظومة ومداخل الإصلاح

في الوقت الراهن، تتدفق الأنباء عن الأحداث السياسية المتسارعة عبر العالم، وتتضاعف انعكاساتها على مختلف البلدان. وبينما تنشط وسائل الإعلام الدولية لمواكبة هذا التوتر الجيوسياسي، يبدو الإعلام المغربي خارج المرحلة ومتأخرًا عن عدد من نظرائه .والأمر لا يتعلق فقط بالفترة الحالية، بل هو نتاج تراكمات لسنين خلت. فلم يعد الأمر إذن يتعلق بأزمة عابرة، بل بعطب بنيوي أصاب قدرة الإعلام المغربي على قراءة التحولات التي من شأنها أن تنعكس على واقع البلاد والعباد.

إنه خلل يتجاوز الوسائط والتقنيات ليبلغ جوهر العمل الإعلامي نفسه: ماذا نروي، ولمن، وبأي لغة؟ ومن يملك سلطة ترتيب ما يُرى وما يُهمل؟

تتزامن هذه الأزمات الدولية مع استحقاقات ومخططات كبرى بالمملكة. فالمغرب يشهد حاليًا تحولات جيلية واجتماعية وثقافية متسارعة، تبدو إزاءها أجزاء واسعة من منظومته الإعلامية، كما لو أنها فقدت حساسيتها تجاه الزمن وقضاياه. تتكاثر القنوات والمنصات والعناوين، لكن الوفرة لا تنتج معرفة وآراء، وتعدد الواجهات لا يضمن تعدد الرؤى.

لقد تحول الجهاز الإعلامي الرسمي الذي يُفترض فيه أن يكون موردًا للأخبار ونبض المجتمع وذاكرته اليومية ومصفاته المعرفية إلى جسد ضخم ضعيف الإحساس؛ يتحرك كثيرًا، لكنه لا يلتقط الإشارات التي تسبق التحولات. وتغذي هذا الاعتلال أعطاب كثيرة ومتداخلة، من قبيل إفلاس المعنى، واختناق النموذج، وسوء الحكامة، وفقدان السيادة السردية.

أولًا: إفلاس المعنى

يتمثل الجانب الأول للأزمة في هيمنة ما يمكن تسميته بالمسرح السيميائي؛ أي المشهد الذي يبدو غنيًا بالألوان والوجوه والعناوين، لكنه يخفي وراء زخمه البصري والتقني تجانسًا واسعًا في الخطوط التحريرية، وزوايا المعالجة، ونوعية الضيوف، واللغة المستعملة في وصف الواقع وتطورات العلاقات الدولية والإقليمية.

إنها تعددية في الشكل أكثر منها تعددية في إنتاج المعنى. ولعل ما كشفته بعض البرامج الأخيرة لقناة «الرياضية»، بما عرفته من غياب للترجمة الفورية أمام الأجانب، يبرز الفجوة بين التطور التقني والقدرة على تأمين تواصل واضح مع الحاضرين والمتلقين، لا سيما أن المواضيع تهم الصحافة داخل الوطن وخارجه. فالاستوديوهات والبرامج بالقنوات الرسمية تتغير، فيما تظل الأسئلة محكومة بالمجال الآمن نفسه، وبحدود غير مكتوبة تضبط ما يجوز الاقتراب منه وكيفية تقديمه.

والجدير بالذكر أنه لم يعد التعتيم يحتاج دائمًا إلى منع الخبر في الحقبة التي نعيشها؛ فقد يتحقق بإغراق المتلقي في الوقائع المنزوعة من سياقها، والمشاحنات الرقمية، والفضائح الشخصية، والعناوين المصممة لاستثارة الانفعال لا لتحفيز الفهم.

فالمسرح يتسم بهيمنة الركح السيميائي؛ أي خشبة الواقع التي يتجلى عليها العرض. وفي أسفل هذا الركح، تظل حفرة الملقّن خارج مجال الرؤية؛ منها تُهمس العبارات وتُضبط النبرة، فيما يبدو الخطاب فوق الخشبة تلقائيًا ومستقلًا. ويمكن قراءة المشاهد من خلال المسافة التي تفصل، فوق الركح، بين الدال والمدلول من جهة، والمرجع من جهة أخرى. فالدوال البصرية والسمعية تتكاثر: شاشات عالية الدقة، واستوديوهات فخمة، وشارات مبتكرة، ووجوه تتناوب على الظهور؛ غير أن هذه الوفرة الشكلية تخفي فقرًا في الدلالات، وهو ما يفسد المعنى.

فيعاد إنتاج المفاهيم نفسها، وتدوير الخطاب نفسه، داخل هوامش نقدية ضيقة غالبًا ما تتميز بما يسمى» لغة الخشب«. أما المرجع، أي الأرضية الواقعية التي يُفترض أن تشير إليها هذه الصور والكلمات والرموز، فيظل الحلقة الأكثر غيابًا، لأن الوقائع تُقدَّم في كثير من الأحيان منفصلة عن سياقاتها وعلاقاتها وأسبابها ومغزى بثها. وهنا يكمن جوهر المسرح السيميائي: كل شيء يُرى، لكن القليل يُفهم.

ويتضح ذلك، مثلًا، في معالجة غلاء الأسعار في الآونة الأخيرة. فحين ترتفع أثمان بعض المواد الأساسية، يتكرر المشهد نفسه: صور من الأسواق، وشهادات لمواطنين متذمرين، وتصريحات مقتضبة تعد بالمراقبة أو التدخل. غير أن التغطية تتوقف غالبًا عند حدود الواقعة، فلا تربطها بتقلبات المناخ وأسعار الطاقة والتضخم وسياسات الدعم وبنية التوزيع والتخزين وهوامش الربح، ولا تقارن أثرها بين المدن والقرى، وبين الأحياء والفئات الاجتماعية.

وهكذا يقدم ارتفاع الأسعار كما لو كان حادثًا عابرًا، لا نتيجة شبكة من الاختيارات الاقتصادية والتدبيرية. فالإعلام لا يكذب بالضرورة، لكنه قد يقدم أجزاء صحيحة من الواقع بعد تفكيك الروابط التي تمنحها معناها، ويبدو وكأنه يقوم بواجبه.

يحدث هذا الأمر أمام أنظار المؤسسات المخوّلة بتقييم أداء الإعلام العمومي ومراقبة تدبيره، فضلًا عن تتبع مدى ائتلاف المنتوج مع السياسات العمومية، وفي مقدمتها البرلمان والهيئات الاستشارية والوزارات. الأزمة تكمن، إذن، في العجز عن الانتقال من صحافة الوقائع إلى صحافة الدلالة؛ فالخبر لا يستمد قيمته من حدوثه وحده، بل من ربطه بسياقه، واختبار رواياته، وشرح أثره على حياة الناس. ومن دون ذلك تتحول المؤسسة الإعلامية من وسيط للمعرفة إلى آلة لإعادة تدوير الكلام.

ثانيًا: من تمثيل المجتمع إلى إدارة صورته

تحتدم الأزمة حين يتراجع الإعلام من تمثيل المجتمع إلى إدارة صورته، فيتعامل مع السؤال النقدي باعتباره تهديدًا أو استفزازًا، ويتحول الصحافي من باحث عن الحقيقة إلى حارس للواجهة، ويُقاس النجاح بعدد الأخبار الإيجابية لا بمصداقية المعالجة أو أثرها على توعية المجتمع.

ثمة فرق بين إعلام يقدم صورة متوازنة عن البلاد، وإعلام يعتقد أن الواقع يتحسن بمجرد التحكم في وصفه من خلال انتقاء الصور ولغة الخطاب والديكور. الأول يدرك أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على استيعاب الأسئلة وكشف الاختلالات وتصحيحها. أما الثاني فيخلط بين حماية الصورة والتحكم في الخطاب عبر تحديد المتدخلين أولًا، ثم ضبط الأسئلة المطروحة ثانيًا.

غير أن الصورة التي لا تحتمل السؤال تظل هشة مهما بدت مصقولة وبراقة. فالمتلقي المعاصر لا يعيش داخل قناة واحدة. إنه يقارن بين الرواية الرسمية وسرديات القنوات الأجنبية، وبين البلاغ والتجربة الشخصية، وبين ما تقوله مؤسسة بلاده وما ينشره شاهد عيان أو خبير مستقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وكلما اتسعت المسافة بين الخطاب والواقع، انتقلت الحقيقة إلى فضاءات أخرى غالبًا ما تكون أقل مهنية وأكثر إثارة، فيصبح المواطن المغربي عرضة لتأثير خارجي لا يعلم الدوافع الكامنة وراءه. ومثال آخر أكثر خطورة يتجسد في الاحتجاجات التي شهدها محيط ميناء طنجة المتوسط بعد تداول أخبار عن رسو سفينة يُشتبه في حملها معدات عسكرية متجهة إلى إسرائيل.

فالمغزى أن الإعلام الذي يتجنب كشف الاختلالات لا يحمي المؤسسات، بل يترك تفسيرها للشائعة والحسابات المجهولة التي تتبنى سردية الآخر. وتأخر المعلومة الرسمية لا يخلق فراغًا، وإنما يفتح المجال أمام التضليل.

ثالثًا: الاختناق الاقتصادي والشلل التدبيري

لا يمكن فصل أزمة المضمون الإعلامي المغربي عن الجانب السوسيو-اقتصادي المعاش. فالصحافة الجيدة تحتاج إلى الوسائل والخبرة والمراسلين والوثائق والتحقيق وموثوقية المصادر، وإلى استراتيجية واضحة تحدد الأهداف وتدبر المخاطر. غير أن سوء التدبير المالي يدفع المؤسسات نحو المحتوى الأسرع والأقل كلفة والأكثر قابلية لجذب النقرات.

لقد انتقل الجمهور عبر العالم إلى الفضاء الرقمي، لكن منصات الإنترنت التي تتحكم في البيانات والتوزيع والإعلانات استحوذت، إلى حد بعيد، على القيمة المالية التي يولدها. وبينما تتحمل المؤسسة الإعلامية تكلفة إنتاج الخبر، تحدد الخوارزميات مدى انتشاره وحجم العائد المتحقق منه.

وأمام هذا الاختلال، تجد الصحافة نفسها بين الدعم العمومي، والمحتوى المؤدى عنه، وإعلانات العلاقات العامة المقنعة، واقتصاد النقرات. وليس الدعم العمومي مشكلة في ذاته، لكنه يصبح إشكاليًا حين يمول بقاء الهياكل بدل تمويل الجودة والتعددية والاستقلال.

وهنا يلتقي الاقتصاد بالسيميائية؛ فالمؤسسة الهشة ماليًا لا تعجز فقط عن تمويل التجهيزات أو توظيف الصحافيين، بل تعجز عن تحمل كلفة الزمن الضروري لإنتاج المعنى. فالتحقيق يحتاج إلى وثائق ومصادر وسفر ومقارنة وتحقق، بينما يمكن إنتاج المحتوى السريع في دقائق وإرساله إلى منصات لا تكافئ دائمًا الجودة بقدر ما تكافئ التفاعل اللحظي.

من ناحية ثانية، وبفعل القرارات السياسية ذات الطابع النفعي التي غالبًا ما تطغى عليها الولاءات والمحسوبية، تنشأ دائرة مفرغة يتيه فيها الإعلام: إذ يؤدي ضعف الموارد الذاتية، خارج نطاق الدعم العمومي، إلى إنتاج محتوى سريع ومنزوع من سياقه، ويؤدي ضعف الدلالة إلى تراجع ثقة الجمهور، فتتراجع المداخيل ويزداد الاختناق المالي.

وفي قلب هذه الدائرة يتحول الصحافي من صانع للمعنى إلى ناقل للخبر، والمؤسسة من فضاء للتحقيق والتفكير إلى ورشة لإعادة تدوير البيانات، بينما يُترك الجمهور لخوارزميات تمنحه ما يجذب انتباهه، لا ما يحتاج إليه لفهم واقعه.

ويضاف إلى الاختناق الاقتصادي شلل تدبيري ناتج عن تشتت القيادة وبطء الاستجابة. فالمنظومة موزعة بين مؤسسات تنظيمية ومهنية وعمومية متعددة، من دون أن يضمن هذا التعدد وحدة الرؤية أو انسجام السياسات. ولا تزال بعض المؤسسات تقيس نجاحها بساعات البث وحجم الأنشطة واحترام المساطر، بدلًا من جودة الأخبار والتحقيقات والحضور الجهوي والوصول إلى الشباب وثقة الجمهور.

كما تُمنح أحيانًا الكفاءة في الضبط الإداري وزنًا أكبر من المشروع التحريري المبتكر، فتُفضَّل القدرة على ضبط المؤسسة على القدرة على تحويلها. لذلك ينبغي ربط المسؤولية بعقود أداء معلنة، ومؤشرات قابلة للقياس، وتقييم مستقل، والتخلي عن التعيينات غير المرتبطة بالكفاءة والمساءلة. ويتجلى العطب نفسه في تطبيق الحق في الحصول على المعلومات؛ فوجود القانون رقم 31.13 لا يكفي ما لم تُترجم مقتضياته إلى نشر استباقي للبيانات وتحيينها وسرعة الاستجابة لطلبات المواطنين باعتبارهم دافعي الضرائب.

ومن أبرز صور هذا الشلل تعثر إعادة تشكيل المجلس الوطني للصحافة، وهو المؤسسة التي يُفترض أن تجسد التنظيم الذاتي للمهنة وتحمي استقلالها وأخلاقياتها. فبعد انتهاء ولاية المجلس المنتخب، جرى اللجوء إلى تمديد استثنائي، ثم إلى لجنة مؤقتة حُددت مدة انتدابها بسنتين، وانتهت مهمتها في السنة الفارطة من دون أن تفضي إلى تشكيل مجلس جديد.

ودخلت إعادة تنظيم المجلس بعد ذلك في مسار تشريعي متعثر؛ إذ قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية خمسة من مقتضيات القانون رقم 026.25، قبل أن يصادق مجلس النواب، ثم مجلس المستشارين على مشروع القانون رقم 09.26. غير أن امتداد هذه المرحلة الانتقالية يكشف أن الخلل لا يتعلق بالنصوص وحدها، بل بقدرة المؤسسات على تجديد نفسها وضمان استمراريتها ضمن آجال واضحة وقواعد مستقرة.

وهكذا تحولت المؤسسة المكلفة بتنظيم المهنة وحماية أخلاقياتها إلى موضوع خلاف حول الشرعية والتمثيلية والاستقلال. وهذا التعثر المؤسساتي ليس تفصيلًا إداريًا؛ لأنه يضعف آليات التنظيم الذاتي، ويعطل وضوح المسؤوليات، ويعمق فقدان الثقة داخل قطاع يُفترض فيه أن يكون أحد أهم منتجي الثقة العامة.

رابعًا: رهانات كبرى يصاحبها خطاب أصغر من حجمها

يظهر ضعف الإعلام المغربي بالخصوص حين يواجه الملفات الاستراتيجية الكبرى، كما هو الحال في الآونة الأخيرة. ففي هذه اللحظات لا تكفي اللغة الاحتفالية أو تكرار المواقف الرسمية، بل تحتاج البلاد إلى إعلام يفسر ويجادل ويوثق ويقنع ويهدم السرديات الأجنبية المسيئة.

فعلى سبيل المثال، تجسد مشاركة المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، في استضافة كأس العالم لسنة 2030 فرصة استراتيجية بما تحمله من استثمارات وبنيات تحتية وإشعاع دولي. غير أن قوة المشروع لا تعفيه من النقاش؛ فالمعالجة الرصينة لا تكتفي بصور الملاعب وزيارات المسؤولين، بل تطرح أسئلة التمويل، وتوزيع الاستثمارات بين الجهات، واستدامة المنشآت، وعلاقة المشاريع بالنقل والسكن والصحة والتعليم، ومآل المتأثرين بإعادة التهيئة.

وطرح هذه الأسئلة لا يعني معارضة المشروع، بل تحصينه، لأن المشروع الذي تُشرح كلفته وآثاره أقوى من المشروع الذي يُطلب من الناس التصفيق له من دون فهم تفاصيله.

وفي هذا الصدد، شكلت تغطية مشاركة المنتخب المغربي في كأس العالم لكرة القدم لسنة 2026 اختبارًا عمليًا لهذه القدرة السردية؛ حيث لم يكن الجسد الإعلامي المغربي في الموعد، فلم تكن بعض التعليقات على المباريات في المستوى المطلوب، ولا كانت التحليلات التقنية مقنعة، مما دفع عددًا من المغاربة إلى اللجوء إلى قنوات أجنبية لتتبع أخبار منتخبهم الوطني.

كما كشفت مواكبة كأس إفريقيا 2025 عن ثلاثة اختلالات مترابطة: أولها طغيان صورة المنشأة على صورة الإنسان، إذ احتلت الملاعب والبنيات التحتية واجهة الخطاب، في حين صنعت الجماهير والأغاني والوجوه والحضور الشعبي الصور الأكثر تأثيرًا وانتشارًا.

وثانيها هيمنة لغة احتفالية تكرر أوصاف «الحدث التاريخي» و«الإنجاز الاستثنائي» من دون أن تدعمها دائمًا بالأرقام والتحليل الرياضي وقراءة الآثار الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية. أما ثالثها فهو ضعف التعدد الصوتي، إذ ظل صوت المؤسسة أكثر حضورًا من أصوات الجمهور والصحافي المحقق والخبير المستقل والمدن والجهات التي عاشت الحدث وتحملت آثاره.

أماطت كل هذه الاختلالات اللثام عن أزمة سيميائية تتجاوز التغطية الرياضية نفسها. إنها أزمة السردية، وتتجلى في اختيار الدوال التي نعرضها، وفي بناء المدلولات التي نربطها بها، وفي إقامة علاقة صادقة مع المرجع. فما ظهر خلال كأس إفريقيا لم يكن مجرد قصور عابر في بعض البرامج، بل مؤشرًا على خلل أوسع في قدرتنا على رواية أنفسنا للآخرين، حتى قبل أن ننجح في رواية أنفسنا لأنفسنا. وقد استطاع الإعلام الخارجي أن يروّج لسرديته، في أحيان كثيرة، دون أي ردّ فعل من الجهاز الإعلامي المغربي.

وينطبق الأمر نفسه على القضايا الوطنية التي تتعلق بالسيادة. فلا تزال تُقدَّم، في جزء من الخطاب الإعلامي، بلغة بيروقراطية صحيحة من حيث المبدأ، لكنها مستهلكة من حيث الصياغة. ويجسد هذه المفارقة بعض الأحداث التي ما زالت تصنع «الترند» على صعيد الوطن، كمحاولات السطو من طرف الجزائر على التراث المغربي، ولا سيما الزليج والقفطان وفنون الطبخ، والمواقف التي رافقت كأس إفريقيا، سواء ما تعلق منها بالمباراة النهائية بين المغرب والسنغال أو بالتصريحات الصادرة عن مدرب المنتخب المصري بعد إقصاء مصر أمام السنغال.

وهنا يتأكد أن حروب السرديات المعاصرة لا تخاض بالبلاغات وحدها، بل بالخرائط التفاعلية، والأرشيفات الرقمية، والتحليل القانوني المبسط، والفيديو، وصحافة المصادر المفتوحة، وإذاعات القرب، ثم الرصد الفوري للمعلومات الزائفة. ولولا الإعلام البديل المغربي، لانساقت أغلبية المغاربة وراء السرديات الأجنبية.

المطلوب ليس التخلي عن الثوابت، بل تحريرها من اللغة التي تحاصرها، والانتقال من خطاب موجه إلى المغاربة بما يعرفونه مسبقًا، إلى محتوى يخاطب من لا يعرف بعد، أو ما زال يتردد، أو يتعرض يوميًا لسردية مضادة.

خامسًا: القطيعة الرقمية وصعود البديل

لم تعد الأجيال الجديدة تعتبر التلفزيون والمذياع والصحافة الورقية مركز العالم لتلقي الأنباء، ولا تنتظر نشرة المساء لتعرف ما حدث، ولا تتعامل مع المؤسسة الإعلامية بوصفها صاحبة سلطة تلقائية. لقد أصبح المجال الإخباري محكومًا بدرجة متزايدة بمنطق المنصات والفيديو وصناع المحتوى، وبقدرة المتلقي على الفرز والإدراك.

إلا أن الوسائل الرسمية، رغم احتفاظها بشرعيتها، لم تعد تتحكم وحدها في إيقاع النقاشات أو لغتها، وبالأحرى في أهدافها. وليست القطيعة تقنية فقط، بل لغوية وثقافية. فالشباب لا يرفض الأخبار الجادة، لكنه يرفض النبرة الأبوية، وأن يُقدَّم باعتباره مشكلة ينبغي تأديبها، بل شريكًا في تعريف المشكلات واقتراح الحلول.

الغرض ليس تحويل القنوات العمومية إلى نسخة رديئة من منصات الفيديو القصير، بل فهم منطق الاستخدام الرقمي: الوضوح من دون تسطيح، والسرعة من دون تسرع، والتفاعل من دون شعبوية، والسرد البصري من دون التضحية بالدقة. أما نشر مقاطع مقتطعة من برامج تلفزيونية على المنصات، فليس تحولًا رقميًا، بل نقل لمحتوى قديم إلى وعاء جديد. التحول الحقيقي يقتضي غرف أخبار رقمية، وتمكين صحافيين شباب، والاستثمار في الفيديو التفسيري والبودكاست وصحافة البيانات.

وفي الفراغ الذي تركته المؤسسات، صعد صناع المحتوى والمدونون والمصورون المواطنون، فأظهروا للعالم قضايا مهمشة، وكسروا احتكار الإعلام الرسمي أو الخاص للكلام، ونصّبوا أنفسهم إعلامًا بديلًا. غير أن القرب والكاريزما لا يغنيان عن التحقق من موثوقية المصادر. فالفارق بين الصحافي وصانع المحتوى لا تحدده البطاقة ولا المؤسسة، بل المعايير المهنية ووضوح المصالح واحترام الحياة الخاصة والاستعداد لتصحيح الخطأ في حالة وقوعه.

ولا تقف المنصات موقف الوسيط المحايد؛ فالخوارزميات تكافئ الغضب والخوف والصدمة أكثر مما تكافئ التحليل المتزن، وتجعل جزءًا من الرأي العام خاضعًا لمعادلات تجارية صُممت خارج المغرب، ولا تنطلق من حاجته المعرفية أو من تماسكه الاجتماعي.

سادسًا: السيادة السردية

ليست أخطر خسائر الإعلام المغربي تراجع المبيعات أو الإعلانات أو نسب المشاهدة، بل تآكل قدرته على صياغة سردية تساعد المواطن على فهم سياسات بلده وتتبع تطوراتها، وتُمكّن المغرب من شرح تحولاته للعالم. غير أن السيادة السردية لا تعني احتكار الدولة للرواية أو تحويل الإعلام إلى جهاز دعائي؛ فالرواية المحتكرة ضعيفة بطبيعتها، لأنها تنهار أمام أول واقعة تناقضها.

فالسيادة السردية تعني قدرة الدولة، بمؤسساتها العمومية والخاصة والمستقلة، على إنتاج سرديات موثوقة ومقنعة؛ تعرض الإنجازات من دون إخفاء الأعطاب، وتسمح بالنقد، وتمنح الجهات والفئات المختلفة حق الظهور والكلام. وتتجسد هذه السيادة في ثلاثة مستويات مترابطة. أولها السيادة المعجمية، أي قدرة المجتمع على إنتاج المفاهيم التي يصف بها نفسه وتحولاته وقضاياه، ثم إخراجها من اللغة الرسمية المغلقة إلى لغة الإعلام اليومي والشباب والمنصات.

وثانيها السيادة الأيقونية، أي القدرة على إنتاج صور راسخة تمثل جهات المغرب ووجوهه ومهنه وذاكرته وتحولاته، بدلًا من الاكتفاء بصور احتفالية لا تعيش خارج لحظة بثها. أما ثالثها فهي السيادة الخوارزمية، لأن إنتاج الخطاب لم يعد كافيًا إذا ظل غائبًا عن دوائر التوزيع والبحث والتوصية التي تحدد ما يراه الجمهور وما يختفي عنه.

ولا تعني هذه المستويات أن تستأثر الدولة ببناء المعنى، بل أن يمتلك الصحافي والمبدع والباحث والمؤسسة والمواطن القدرة على المشاركة في رواية المغرب، وعلى جعل هذه الروايات مرئية وقابلة للتداول والمساءلة. وهي أيضًا القدرة على إنتاج البيانات والتحقيقات والوثائقيات والأرشيفات الرقمية بلغات متعددة، وتقديم المعلومة قبل أن تتكفل الشائعة باختلاقها.

فالسيادة السردية لا تُبنى بالصمت أو بإغلاق المجال، بل بتعدد الأصوات الموثوقة وسرعة تقديم المعلومة. وحين تنسحب المؤسسات من النقاش الجاد، تترك المواطن تحت رحمة سردية المؤثر، والحساب المجهول، والخصم الخارجي، والخوارزمية التي لا ترى فيه سوى وحدة انتباه قابلة للبيع.

سابعًا: من البقاء إلى بناء منظومة جديدة

لا يحتاج الإعلام المغربي إلى جرعة دعم جديدة تبقي البنية القديمة على قيد الحياة، بل إلى إعادة بناء وظائفه ونموذجه الاقتصادي وحكامته وعلاقته بالجمهور. إن الإصلاح يبدأ بتحرير المبادرة من الخشية المرتبطة بمساءلة المؤسسات، ومن الارتهان للمعلن أو الداعم أو المنصة. ويقتضي إنشاء صندوق مستقل لدعم صحافة المنفعة العامة، تموله موارد عمومية ومساهمة عادلة من المنصات الرقمية الكبرى، وتديره هيئة مستقلة وفق معايير شفافة.

كما ينبغي أن يرتبط التمويل بالإنتاج الأصلي، وعدد الصحافيين العاملين، والتحقيقات المنجزة، والحضور الجهوي، والتكوين، وشفافية الملكية، واحترام أخلاقيات المهنة، لا بمجرد استمرار المؤسسة. وينبغي، فضلًا عن ذلك، إخضاع مؤسسات القطب العمومي لعقود أداء معلنة تشمل جودة الأخبار، وتعدد الآراء، وحضور الجهات، وتمثيل الشباب والنساء، والإنتاج الوثائقي والاستقصائي، والتحول الرقمي، وثقة الجمهور.

فمغرب اليوم يحتاج إلى جهاز إعلامي يرتكز على منظومة مستقلة ومتعددة اللغات للتحقق من الأخبار، تجمع الصحافيين والجامعات وخبراء البيانات والصور والمصادر المفتوحة، وتعرض أدلتها ومناهجها بشفافية، من دون أن تتحول إلى جهاز للرقابة على الآراء.

ثامنا: مشروع المدينة الإعلامية: مجمعٌلإنتاج المعرفة 

تحتاج هذه الإصلاحات إلى إطار وطني يجمعها، وهو الدور الذي يمكن أن تضطلع به مدينة إعلامية ذات هوية مغربية، شريطة ألا تكون مجرد مشروع عقاري أو تجميع إداري للمؤسسات القائمة. وتنطلق الفكرة من تصور هذه المدينة بوصفها منظومة تربط الإعلام بالصناعات الثقافية والرقمية، وتجمع شركات الإنتاج، وغرف الأخبار، ومدارس الصحافة، ومراكز البحث، ومختبرات الذكاء الاصطناعي، وصحافة البيانات، والترجمة، والدبلجة، والأرشفة الرقمية، وحاضنات المقاولات الناشئة.

ويمكن أن تضم مركزًا وطنيًا للتحقق من الصور والفيديوهات، ومنصة للأرشيف السمعي البصري، واستوديوهات مشتركة لفائدة المؤسسات الصغيرة، ومختبرًا للسرد الرقمي، وأكاديمية للتكوين المستمر في مجال الأمن الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المنصات. كما يجب أن تؤدي وظيفة اقتصادية، بجذب الاستثمار في الإنتاج السينمائي والوثائقي والرسوم المتحركة والألعاب الرقمية، وتحويل المغرب من سوق مستهلكة للمحتوى إلى منتج ومصدر للخدمات الإعلامية والإبداعية.

لكن نجاح المشروع يتوقف على حكامته. فلا ينبغي أن يخضع لإدارة بيروقراطية مغلقة أو لمؤسسة واحدة تتحكم في التراخيص والتمويل، بل لمجلس مستقل يضم ممثلي الدولة والقطاع الخاص والجامعات والمهنيين والمجتمع المدني، مع نشر الميزانيات وقرارات الدعم ونتائج التقييم.

ولتجنب تمركز الإعلام في محور جغرافي واحد، يجب ربطها بأقطاب جهوية توفر التكوين والتكنولوجيا ووسائل الإنتاج للصحافيين المحليين، حتى تتمكن كل جهة من رواية تحولات مجتمعها وذاكرتها وأولوياتها. وبهذا لا تكون المدينة الإعلامية بناية، بل شبكة وطنية لإنتاج المعرفة، وحفظ الذاكرة، وتنمية الاقتصاد الإبداعي، وتعزيز السيادة السردية وتمكين الإعلام من أداء وظيفته بوصفه سلطة رابعة.

خاتمة: بلد يصنع الوقائع ولا يرويها

لا يستطيع المغرب التقدم نحو المستقبل بجهاز إعلامي يؤدي وظائف حسب نموذج الماضي، ولا حماية مصالحه الإستراتيجية بخطاب لا يصغي إليه إلا من يوافقه مسبقًا. فالإعلام القوي ليس الذي يخفي المشكلات أو يمدح كل شيء، بل الذي يمنع خصوم البلاد ومروجي التضليل من احتكار تفسيرها، ويجعل النقد الداخلي أكثر معرفة وإنصافًا ومسؤولية من الدعاية الخارجية.

أثبتت العولمة الإعلامية أن الوقت قد حان للانتقال من إدارة الصورة إلى بناء الثقة، ومن دعم البقاء إلى تمويل الجودة، ومن انتظار المعلومة إلى نشرها استباقيًا، ومن مخاطبة الجمهور إلى إشراكه، ومن الدفاع البيروقراطي عن السردية الوطنية إلى إنتاج قوة معرفية قادرة على الإقناع والتأثير. فالمغرب يصنع وقائع أكبر من الآلة الإعلامية التي ترويها، وفي المسافة بين الحدث ومعناه تتمدد الخوارزمية، وتنمو الشائعة، ويتقدم الآخرون لإنتاج المعنى.

فالمغرب لا يحتاج إلى إعلام يبرر أو يصفق، بل إلى إعلام يدرك أن قوته لا تقاس بعدد المشاهدات، وإنما بقدرته على إنتاج معرفة موثوقة ومعنى مشترك. فإذا لم نكتب نحن قصتنا، ستكتبها الخوارزميات، وإذا لم نرو تحولاتنا بلغتنا، ستعيد المنصات تركيبها وفق مصالح لا تعرف مجتمعنا ولا تعترف بأولوياته.

"إعلامٌ قويٌّ لوطنٍ قويٍّ".

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة
The comments are closed in this post

إسبانيا التي يبتلعها التطرف

ثمة شيء يتغير بعمق داخل إسبانيا، وليس من الحكمة اختزاله في صعود حزب "فوكس"، ولا في بعض المظاهرات التي يظهر فيها شبان يؤدون التحية الفاشية، ولا حتى في الشتائم التي ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...