محمد الزلاوي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 0:09

"الحرب ستكون قصيرة جدا": التحذير الذي على الغرب أن يصغي إليه

حين يتحدث وزير الخارجية الروسي، تهرع أوروبا إلى الحديث عن «التهديد»، لكن الأجدر بها أن تنصت إلى ما يقوله فعلاً: تحذير صريح، هادئ النبرة، مقلق في مضمونه، لكنه يهدف إلى تفادي ما لا يمكن إصلاحه. في السادس عشر من شتنبر2026، وفي مدينة إيكاترينبورغ، وقف سيرغي لافروف أمام جمعٍ من المندوبين الشباب في المهرجان الدولي للشباب، وألقى واحدةً من أوضح العبارات وأكثرها دقةً التي صدرت عن مسؤول روسي منذ انطلاق النزاع الأوكراني.

"لا ننوي مهاجمة أحد. هذا عبث، هذا حماقة. [...] لكن إذا ما هاجمت أوروبا التي تتحدث يومياً عن الاستعداد لحربٍ ضد روسيا، فستكون حرباً من نوعٍ مختلف تماماً، وستكون قصيرة جداً. وآمل أن هذا التحذير قد وصل إلى العواصم الأوروبية."

لنقرأ رسالته كلمةً كلمة.

أولاً: نفي المبادرة بالهجوم. يستشهد لافروف بفلاديمير بوتين: «لا ننوي مهاجمة أحد. هذا عبث، هذا حماقة». إنه توجيه علني، متكرر وموثّق. موسكو لم تُطلق أي مطالب إقليمية تجاه أوروبا، ولم ترفع أي إنذار نهائي، ولم تُعلن أي زحف نحو الغرب، ولم تتبنَّ أي خطاب ضمٍّ لدول البلطيق أو بولندا أو رومانيا أو دول حلف وارسو السابقة. بل إن روسيا اقترحت مراراً تثبيت غياب نواياها العدائية تجاه أوروبا في معاهدة.

ثانياً: صيغة الشرط. لافروف لا يُعلن شيئاً، بل يصف ما سيقع إذا هاجمت أوروبا. العبارة ليست «سنشنّ الحرب عليكم»، بل «إذا هاجمتمونا، فهذا ما سيحدث». وهذا، نحوياً ودبلوماسياً، تحذير دفاعي. والفرق ليس بلاغياً، بل استراتيجي: فالمسؤولية عن تجاوز الخط تقع على المعتدي، لا على المعتدى عليه.

ثالثاً: قِصَر المدة. عبارة «قصيرة جداً» وعدٌ: روسيا تقول إنها لن تُطيل نزاعاً ما كان له أن يبدأ، وإنها لن تذهب إلى حروب الاستنزاف، وإنها لن تُرسل شبابها ليموتوا سنوات في الخنادق. الحرب ستكون قصيرة لأنها ستُحسم سريعاً. هذا ليس ابتزازاً، بل ردع.

لكن ما الذي يعنيه لافروف بالضبط حين يتحدث عن «أوروبا التي تتحدث يومياً عن الاستعداد لحربٍ ضد روسيا»؟

الجواب بسيط. فقد وثّق تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) الصادر في أبريل 2026 أكبر ارتفاع في النفقات العسكرية الأوروبية منذ عام 1953. وطلبت المفوضية الأوروبية 131 مليار يورو للدفاع والفضاء. وانخرط الأوروبيون في سباق صواريخ قادرة على بلوغ مدى 2500 كيلومتر.

أما ألمانيا، فقد أبرمت اتفاقاً مع واشنطن، على هامش قمة الناتو في أنقرة، لشراء صواريخ توماهوك الأمريكية بعيدة المدى، في التاسع من يوليو 2026. ومن جهته، أعلن رئيس الدفاع البلجيكي الأمر بوضوح: «بحلول 2030، يجب أن نكون قادرين على أن نقول لبوتين إنه، حتى من دون الأمريكيين، لن يربح الحرب ضد أوروبا».

وهذا التحوّل لا تُخفيه صاحبته، بل تُقرّ به علنًا. في الرابع من مارس 2025، وفي بروكسل، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «أوروبا مستعدة لتعزيز نفقاتها الدفاعية بشكل هائل، سواء للاستجابة على المدى القصير لإلحاح دعم أوكرانيا، أو لتلبية، على المدى الطويل، ضرورة تحمّل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أمنها الخاص». وخطة «ReArm Europe» التي قدّمتها في ذلك اليوم تهدف إلى «تعبئة نحو 800 مليار يورو من أجل أوروبا آمنة وصامدة». إنها عقيدة الأمن الشامل: علنية، ومُفصَّلة بالأرقام، ومُعلَنة.

وفي اللحظة التي يتحدث فيها لافروف، يكون الخطاب الحربي في العواصم الأوروبية حاضراً بكل تجلياته: تصريحاتٌ، وبدلات عسكرية تُرتدى للصور الرسمية، ومواعيد إعادة تسليح، وسيناريوهات مواجهة مباشرة يلمّح إليها وزراء الدفاع من بعيد. كل هذا ليس «ذعراً»، بل برنامجاً. ونحو هذا البرنامج يردّ لافروف.

وقبله سجّل سيرغي ناريشكين، رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية (SVR)، هذه الملاحظة، بتعبير بالغ الدلالة مذكّراً بأن "طبول الحرب تدق بقوة في أوروبا". 

وفي الرابع عشر من شتنبر، في بحر البلطيق، كاد احتكاكٌ بين الفرقاطة الروسية سوبرازيتيلني ومروحية دنماركية أن ينزلق إلى نزاع مفتوح. الوحدتان كانتا في المكان، والتوتر تصاعد من الطرفين، فأطلق القائد الروسي قنابل إشارة.

وبعد هذا الحادث بيومين، صاغ لافروف ما كانت المراحل الثلاث السابقة قد مهّدت له: إذا ما دفعت أوروبا الأمور إلى عدوانٍ مباشر، فإن الردّ الروسي سيكون من طبيعة أخرى، وسيكون قصيراً.

وكان جورج بيبي، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية المختص بروسيا، قد طوّر عام 2019 في كتابه The Russian Trap أطروحةً مفادها أن الغرب ارتكب خطأً في التصنيف: فقد خلط بين روسيا وبين معتدٍ من طراز ثلاثينيات القرن الماضي، توسّعي وأيديولوجي، يجب احتواؤه بالردع العسكري، في حين أننا أمام دينامية أقرب إلى عام 1914: دوامة تصعيد بين قوى عظمى، يكفي فيها الإدراك المتبادل للتهديد للوصول إلى ما لا يمكن إصلاحه.

ويُلاحظ بيبي أن الردع، حين يُطبَّق على فاعل يشعر بتهديد وجودي، لا يردع بل يُسرّع. فكل صاروخ يُسلَّم إلى كييف يصبح، في القراءة الروسية، دليلاً على أن الغرب يحضّر الحصار النهائي. وكل توسّع للناتو يصبح دليلاً. وكل خطاب حربي أوروبي يصبح دليلاً على أنه لم يبقَ لروسيا سوى نافذة الهجوم الوقائي لتفادي الخنق.

وعبارة لافروف هي الترجمة الدبلوماسية لهذه الرؤية. فحين يقول «مختلفة تماماً»، فإنه يتحدث باسم دولة ترى أن العدوان الغربي عليها قد أصبح واقعاً: أسلحةٌ تُسلَّم، وتصريحاتٌ علنية، وخطابٌ عن حرب وشيكة. وأنها تستعد للرد عليه بالشروط التي يستلزمها هذا العدوان.

ينبغي قراءة عبارة لافروف كما هي تقنياً: آخر فرصة قبل وقوع ما لا يمكن إصلاحه. وهكذا، يبدو أن موسكو تقول ثلاثة أشياء في آنٍ واحد:

  • لا نريد هذه الحرب، ولا نحضّرها، ولا نتمناها. قلنا ذلك، وأعدنا قوله، وكتبناه، ووقّعناه.
  • نرى أنكم تحضّرونها. نرى ميزانياتكم، وتصريحاتكم، وجداول إعادة تسليحكم، وسيناريوهات مواجهتكم المباشرة. نرى اللحظة التي ستكون فيها قواكم جاهزة، ونراها تقترب.
  • في اليوم الذي تتجاوزون فيه الخط، سنردّ. وسيكون ردّنا كما يجب أن يكون: شاملاً، سريعاً، نهائياً؛ لوضع حدٍّ لنزاعٍ لم نرده واخترتموه أنتم.

لافروف، في إيكاترينبورغ، لم يهدّد، بل مدّ يده إلى الرأي العام الأوروبي ليعرف العواقب المروّعة التي قد تفضي إليها بعض السياسات المعادية لروسيا.ربما لم يعد السؤال: هل كان لافروف محقاً في حديثه؟ بل هل سيقبل أحدٌ في بروكسل أو باريس أو برلين أو لندن الإنصات إليه، من دون تحويله فوراً إلى تهديد أو ابتزاز أو دليل على نيّة روسية عدوانية لا وجود لها إلا في تمثلاتهم ؟ 

بعد ستة أشهر، أو سنة، أو خمس سنوات، ستُعاد قراءة هذه العبارة، وسيُسأل: لماذا لم تكفِ لمنع وقوع الحرب؟ الجواب مكتوب سلفاً: القادة فضلوا تصديق حربٍ لا يستطيع الفوز بها، على الاعتراف بأنه عُرض عليه السلام آنذاك.

في 28 شتنبر 2026، في موسكو، بعد اثني عشر يومًا من أيكاتيرينبورغ، وقّع فلاديمير بوتين مرسومًا يرفع العدد المصرّح به للقوات المسلحة إلى 2,441,630 فردًا. الزيادة الثالثة خلال العام. والرسالة الثالثة أيضًا: نحن لا نريد هذه الحرب، نرى أنكم تعدّون لها، وفي اليوم الذي ستتجاوزون فيه الخط، سنكون مستعدين.

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة
The comments are closed in this post

بركة وبؤس تصفيق الاستقلاليين على الغنيمة!

في السياسة، قد تكشف لحظة تصفيق ما تخفيه عشرات الخطب، هكذا بدا المشهد، اليوم، حين أعلن نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أمام المجلس الوطني لحزبه، أن المجلس الوطني للأصالة ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...