الحكومة تُطمئن بوجود وفرة في القطيع والأسعار تشتعل في السوق.. أضاحي العيد تصل 5500 درهم وتُحاصر جيوب المغاربة
يسابق سوق الأضاحي الزمن مع اقتراب عيد الأضحى، لكن الإيقاع هذا العام لا تحكمه فقط وفرة القطيع بقدر ما تضبطه كلفة الاقتناء التي بدأت ترتفع تدريجيا لتضع الأسر أمام معادلة صعبة بين أداء الشعيرة وضبط ميزانية مثقلة أصلا.
وبين عرض متنوع، أكد مهنيون لـ "الصحيفة" أنه كافٍ ومتوفر وأسعار تبدأ في مستويات تناهز 3000 درهم للأضاحي المتوسطة وقد تتجاوز 5500 درهم أو أكثر حسب الجودة، فيما يتشكل مشهد سوقي يكشف أن ضغط الطلب لم يعد العامل الوحيد المؤثر في ظل كلفة الإنتاج وغلاء الأعلاف وتعدد الوسطاء التي أعادت رسم خريطة الأسعار قبل أسابيع من الذروة.
وعلى الرغم من تطمينات الحكومة تحول النقاش من سؤال الندرة إلى سؤال القدرة، حيث تبدو الوفرة غير كافية لتبديد مخاوف المستهلكين من موجة غلاء مرشحة للتصاعد كلما اقترب موعد العيد في سوق يتأرجح يوميا على إيقاع العرض والطلب ويختبر حدود القدرة الشرائية للمغاربة.
وما يجري في سوق الأضاحي هذا الموسم لا يمكن اختزاله في معادلة "وفرة القطيع" التي تُقدَّم على المستوى الحكومي كعنصر مطمئن بقدر ما يعكس تحوّلا عميقا في بنية السوق حيث انتقل مركز الثقل من سؤال العرض إلى سؤال السعر أي من وفرة الخروف إلى كلفة اقتنائه، فالمهنيون من كسّابة وتجار ووسطاء ممن تواصلت معهم "الصحيفة" يجمعون على أن العرض متوفر ومتنوع فعلا وأن السوق تستقبل أعدادا مهمة من رؤوس الأغنام بمختلف السلالات والأوزان غير أن هذا المعطى لا يُترجم إلى انفراج في الأسعار التي تستقر في مستويات مرتفعة وتواصل منحاها التصاعدي مع اقتراب عيد الأضحى.
وفي هذا الإطار، يرى محمد أوعلي وهو واحد من أشهر ملاك ضيعات تربية المواشي على مستوى جهة سوس ماسة في حديثه لـ "الصحيفة" أن الحديث عن الغلاء يجب أن يبدأ من كلفة الإنتاج قبل الوصول إلى السوق.
وأوضح أوعلي، أن تربية الخروف خلال السنوات الأخيرة أصبحت عملية مكلفة بشكل غير مسبوق بفعل الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف واستمرار تداعيات الجفاف الذي امتد لأكثر من سبع سنوات وما ترتب عنه من ضغط مباشر على المراعي الطبيعية وارتفاع الاعتماد على الأعلاف المركبة.
وأشار أوعلي، إلى أن "الخروف الذي يُعرض اليوم بـ 3000 أو 5000 درهم فأكثر ليس نتيجة مضاربة وإنما نتيجة مسار طويل من التكاليف المتراكمة" مشيرا إلى أن كلفة التربية وحدها "لم تعد تقل عن 3500 درهم في العديد من الحالات وهو ما يجعل هامش الربح محدودا أو متذبذبا حسب ظروف السوق".
هذا المعطى وفق ما أكده مهنيون اخرون لـ "الصحيفة"، طرح سؤال فعالية التدخلات الحكومية التي تم الإعلان عنها لدعم القطاع، إذ أكد عدد منهم في حديثهم لـ "الصحيفة" أن "الدعم رغم أهميته، لم يصل إلى مستوى خفض الكلفة بشكل ملموس" أو لم يُترجم إلى أثر مباشر على السعر النهائي للمستهلك.
وفي هذا الإطار، يرى حميد بنلوحيدي وهو واحد من الكسابة على مستوى جهة البيضاء أن الخطاب الذي يحمّل المربين مسؤولية الأسعار كما ورد في دعوة رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى تسريع عرض المواشي في الأسواق، يتجاهل جزءا مهما من سلسلة القيمة ولا يعكس التعقيد الحقيقي الذي يطبع مسار الأضحية من الضيعة إلى المستهلك.
ويعتبر المتحدث في حديثه لـ "الصحيفة" أن أحد أبرز العوامل التي تغذي ارتفاع الأسعار يتمثل في تعدد حلقات التوزيع حيث تمر الأضحية عبر أكثر من وسيط قبل أن تصل إلى السوق وهو ما يضيف في كل مرحلة هامشا إضافيا ينعكس مباشرة على السعر النهائي.
ويشرح أكثر باعتباره أحد الفاعلين في السوق أن الخروف قد يمر عبر ثلاثة أو أربعة متدخلين بين المربي والتاجر النهائي وكل حلقة تضيف كلفة وهوامش ربح مضيفا أن "هذا المسار يفسر الفارق الكبير بين أسعار الضيعات والأسواق، والذي قد يصل إلى ما بين 1500 و2300 درهم في بعض الحالات".
وفي مقابل هذا الوضع، يشهد التوجه نحو الشراء المباشر من الضيعات ارتفاعا ملحوظا حيث يسعى عدد متزايد من المواطنين إلى تقليص كلفة الوساطة وضمان جودة الأضحية.
ويؤكد مربون تواصلت معهم "الصحيفة" أن الإقبال على الضيعات يتزايد يوما بعد يوم خاصة من طرف الأسر التي تفضل اختيار الأضحية مبكرا وحجزها إلى حين موعد العيد، مستفيدة من خدمات إضافية مثل النقل أو الاحتفاظ بها غير أن هذا الخيار رغم مزاياه يظل محدود الانتشار ولا يشمل جميع الفئات بالنظر إلى الإكراهات الجغرافية واللوجستية التي تحول دون تعميمه.
أما على مستوى دينامية الأسعار، فيجمع المهنيون على أن السوق تعيش حالة من التقلب المستمر حيث تخضع الأثمان لتغيرات يومية مرتبطة بحجم الإقبال ومستوى التموين وهو ما يلخصونه بعبارة "كل نهار بثمنو".
من جانبه، قال محمد البوتشيشي وهو رئيس تعاونية فلاحية بإقليم أزمور، أن الأسعار عرفت بالفعل ارتفاعا تدريجيا منذ ما بعد عيد الفطر حيث سجلت زيادات متتالية في حدود 500 درهم في بعض الحالات حتى الان مدفوعة بتنامي الطلب وإقبال المواطنين على الشراء المبكر.
واعتبر الوتشيشي أن "هذا السلوك الاستباقي رغم كونه مفهوما ومرتبطا بمخاوف المواطنين من ارتفاع صاروخي في الأسعار، إلا أنه بات يخلق ضغطا إضافيا على السوق ويرفع الأسعار قبل الوصول إلى الذروة".
وأكد المتحدث أن عودة الطلب بقوة هذا الموسم بعد سنة سابقة اتسمت بضعف الإقبال سيما وأنه لم يتم الاحتفال بالعيد الماضي، شكل عاملا حاسما في إعادة رفع الأسعار، حيث انتقلت من مستويات تراوحت بين 3600 و 4500 درهم في العام الماضي إلى مستويات قد تصل اليوم إلى 5000 و5500 درهم أو أكثر بالنسبة للأضاحي المتوسطة مع سقف أعلى بكثير للفئات الممتازة.
ويرى عدد من الفاعلين أن السوق تُركت إلى حد كبير لآليات العرض والطلب دون تدخل تنظيمي كافٍ لضبط الأسعار أو الحد من المضاربة حيث يلجأ بعض المتدخلين إلى تأخير البيع انتظارا لارتفاع أكبر في الأيام الأخيرة، وهو ما يفاقم من "التوتر السعري" كلما اقترب العيد.
ويشير مهنيون إلى أن هذا التحول في سلوك المستهلكين يخلق مفارقة لافتة إذ يسهم في تغذية موجة الغلاء بدل الحد منها، حيث يؤدي الإقبال المبكر إلى رفع الطلب في مرحلة كان يفترض أن تعرف استقرارا نسبيا ما يعجل بارتفاع الأسعار ويجعل السوق "تشتعل مبكرا" مقارنة بالسنوات السابقة.




