الديمقراطية الترابية بين منطق اللامركزية وواقع هيمنة الإدارة الترابية.. قراءة نقدية في جدلية النص المعياري والممارسة الميدانية
إن التفكير في مآلات الشأن الترابي في النسق المغربي، يضعنا، بادئ ذي بدء، أمام إشكالية إبستمولوجية وسياسية في ذات الآن، تتعلق بكينونة "الفاعل المنتخب" ومدى أهليته لممارسة اختصاصاته الدستورية، فهل يمتلك هذا المنتخب، في ظل واقع سوسيولوجي مركب، الحد الأدنى من الكفايات المعرفية، والتدبيرية، والخبرة الإدارية التي تؤهله لممارسة اختصاصاته الدستورية؟ أم أننا، في التحليل النهائي، إزاء فرضية عكسية ومحرجة: أليست حالة القصور الذاتي لقطاع واسع من النخب المحلية، المتجلية في تدني الرصيد المعرفي والتعليمي، وضعف استيعابها لتعقيدات الآلة البيروقراطية، هي المبرر الضمني، بل والمشروع في نظر "العقل المركزي"، لكي تسحب الدولة ثقتها من هذا الفاعل المحلي؟ ألا يشكل هذا "العجز التدبيري" الذريعة البنيوية التي تتوسل بها الإدارة المركزية للحلول محل المنتخب، والتشريع لنفسها باحتكار السلطة وممارسة هذه الاختصاصات بالوكالة، درءاً لتعطيل المرفق العام وحمايةً لتماسك الدولة؟
ويمتد بنا هذا الحفر النقدي لمساءلة الأنموذج ذاته؛ أنموذج "الديمقراطية التمثيلية" الذي تم استدعاؤه لتأطير المجال الترابي، هل يمكن، حقا وعملا، تبيئة هذا الأنموذج في بيئة سوسيو-ثقافية لها خصوصياتها التاريخية ومحدداتها المتفردة؟ وهل يملك فعل "الاقتباس" المؤسساتي، القائم على اقتلاع أنموذج جاهز من بيئته الأصلية ومحاولة استنباته قسرا في تربة مغايرة، مقومات النجاح والفاعلية، أم أنه محكوم حتميا بإنتاج مسوخ تنظيمية وهياكل عصرية من حيث الشكل، تقليدية من ناحية المضمون؟
غير أننا، ولضرورات التحليل المنهجي لواقع الحال، سندع هذه الأسئلة التأسيسية الكبرى جانبا في الوقت الراهن، لكي نقارب الظاهرة في تمظهراتها المباشرة؛ إذ تطرح التحولات الهيكلية التي يشهدها مسار الجهوية بالمغرب، تساؤلات مُغرية، حول الطبيعة القانونية والسياسية للأنموذج الترابي المعتمد، وما إذا كان هذا الخيار المؤسساتي يمثل انتقالا فعليا نحو ترسيخ ديمقراطية ترابية حقيقية، أم أنه مجرد تكتيك وظيفي يهدف إلى ترحيل أزمات التنظيم المركزي وإسقاطها على المحيط الجغرافي.
إن التفكيك النقدي للبنية القانونية المؤطرة للمجال الترابي يكشف عن مفارقة بينّة بين المنطوق الدستوري الذي يبشر بالتدبير الحر للجماعات الترابية، وبين الممارسة الميدانية التي تعيد إنتاج آليات الهيمنة، وفي جوهر هذه المفارقة، تظهر إشكالية مؤسسة التمثيل الترابي التي تبدو وكأنها سُلبت من دلالتها وجُردت من جوهرها الديمقراطي والسياسي، لتتحول إلى - ما يشبه - واجهة إدارية تتخبط في اهتزازات قانونية متجذرة، خاصة حينما توضع الشرعية الانتخابية والصلاحيات الممنوحة للمنتخبين، في ميزان مختل ومواجهة غير متكافئة أمام النفوذ التقريري والرقابي الواسع الذي تحتكره أطر الإدارة الترابية المعينة (كولاة الجهات، وعمال العمالات والأقاليم، والباشاوات، والقياد...).
على الرغم من الارتقاء الملحوظ بمكانة الوحدة الجهوية ضمن الهرمية الترابية للدولة، وتكريس صدارتها في هندسة التنمية وإعداد التراب، واعتمادها كقاعدة ارتكاز في تشكيل الغرفة الثانية للبرلمان، إلا أن هذه "الدسترة" المتقدمة لم تنجح في إحداث القطيعة الإبستمولوجية والمؤسساتية مع الإرث المركزي. لقد صُور هذا الانتقال على أنه تتويج لتراكمات ديمقراطية ومحطة مفصلية في البناء اللامركزي، غير أن القراءة المتأنية للنصوص التنظيمية (نقصد القوانين التنظيمية أرقام 111.14 و112.14 و113.14 المتعلقة، على التوالي، بالجهات، والعمالات والأقاليم، والجماعات) تكشف أن هذا السمو المعياري يظل محصورا في البعدين الإداري والتقني.
حيث ينكشف التناقض البنيوي بين طموح "التدبير الحر" وواقع "الوصاية المستترة" من خلال القراءة النقدية لهندسة القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، فرغم أن المادة 3 تؤسس نظريا لكون الجهة "جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي"، إلا أن فحص الميكانيزمات الإجرائية في الفصول اللاحقة يُضعف هذا الاستقلال، ويحوله إلى استقلال "معلق" ومطوق بشروط الإدارة المركزية.
يبرز الطابع المقيد للاستقلال الإداري بشكل جلي، في آليات تدبير الموارد البشرية، والتعيين في مفاصل الإدارة الترابية، فبينما تمنح المادة 124 رئيس مجلس الجهة صلاحية التعيين في مناصب إدارة الجهة، تعود الفقرة الموالية من نفس المادة لتنسف هذا الاستقلال عبر اشتراط خضوع قرارات التعيين في المناصب العليا لـ "تأشيرة السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية". إن هذا التقييد، يسلب النخب المنتخبة القدرة الفعلية على بناء جهاز إداري مستقل يتناغم مع رؤاها التنموية، ويجعله مرتهنا لرضا وتزكية الإدارة المركزية.
يُعزز هذا التكبيل الإداري بـ "سيف العزل" المسلط على رقاب المنتخبين؛ إذ تمنح المادة 67 لوالي الجهة، وللسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، سلطة واسعة في استفسار أعضاء المجلس ورئيسه، وتخويلهما حق إحالة طلب العزل وتوقيف المعني بالأمر فورا عن ممارسة مهامه إلى حين بت المحكمة الإدارية.
ولما كان الاستقلال المالي يعتبر العصب الحقيقي لأي لامركزية فعلية، والمحك العملي لاختبار صدقية مبدأ "التدبير الحر"، فإن القانون التنظيمي المذكور أخضع هذا الشريان الحيوي لرقابة مركزية تقييدية تصادر جوهر هذا الاستقلال. وفي هذا السياق، تتدخل المادة 115 لتُشرعن هذه الوصاية المؤسساتية، حيث تنص على أن أهم المقررات الاستراتيجية للمجلس، وتحديداً تلك المتعلقة بـ "الميزانية والاقتراضات والضمانات"، تظل موقوفة التنفيذ ومسلوبة الأثر القانوني، إلى حين الحصول على "تأشيرة" السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية (وفق الآجال المحددة في المادة 202).
إن القراءة المنطقية لهذا المقتضى المعياري تكشف عن مفارقة في توزيع هندسة القرار؛ فالمشرع يمنح المجالس المنتخبة سلطة "التداول والتصويت"، لكنه يصادر منها سلطة "النفاذ والاعتماد"، وبذلك، تتحول مؤسسة "التأشيرة" من مجرد إجراء إداري تقليدي للرقابة البعدية على المشروعية، إلى "فيتو" قبلي، سياسي ومالي، يرهن الإرادة التنموية للجهة برضا الإدارة المركزية وتوجهاتها. إن هذا التعليق الممنهج للقرارات المالية السيادية يقوض كينونة الاستقلال المالي، ويحول المجالس الجهوية إلى مجرد "هيئات اقتراحية" تدور في فلك المركز، حيث تقف الشرعية الديمقراطية للمُنتخب عاجزة أمام سلطة الضبط التي يمارسها "الوصي" الإداري، مما يؤكد أن العقل المركزي لا يقبل تفويض الموارد إلا تحت سقف الرقابة المطلقة.
لئنسعى المشرع إلى تأطير عمل الجهة عبر توزيع الاختصاصات إلى ذاتية، ومشتركة بينها وبين الدولة، ومنقولة إليها من هذه الأخيرة، غير أن الغوص في طبيعة الاختصاصات المشتركة المنصوص عليها في المادة 91، والمنقولة في المادة 94، يكشف عن شلل تنظيمي كامن، حيث إن المادة 92 تنص بوضوح على أن الاختصاصات المشتركة تمارس "بشكل تعاقدي"، إما بمبادرة من الدولة أو بطلب من الجهة. إن هذا الطابع التعاقدي يضع الجهة في موقف تفاوضي غير متكافئ أمام الإدارة المركزية التي تحتكر الموارد الاستراتيجية والاعتمادات الكبرى، مما يحول مجالس الجهات فعليا إلى مجرد "مقاولين من الباطن" لتنفيذ سياسات ومشاريع خُططت وصُممت من قبل الإدارة.
يمتد المنطق الضبطي للدولة ليشمل حتى حق التقاضي وتدبير المنازعات القانونية، مما يمس في الصميم بـ"الشخصية الاعتبارية المستقلة"، حيث تنص المادة 239 على عدم قبول المحاكم لأي دعوى تتعلق بتجاوز السلطة ضد الجهة إلا إذا أخبر المدعي رئيس الجهة ووجه مذكرة تظلمية إلى "والي الجهة"، وتتأكد هذه الوصاية القضائية في المادة 241 التي تشترط إحالة الأمر مسبقا إلى والي الجهة لدراسة الشكاية في دعاوى المطالبة بأداء دين أو تعويض قبل اللجوء للمحاكم. إن إقحام ممثل السلطة المركزية كـ "بوابة إلزامية"، ومحطة تصفية قبلية لفض النزاعات المتعلقة بالجماعة الترابية المنتخبة، يكرس موقع الوالي كوصي قانوني ومراقب لمسار المؤسسة الجهوية حتى في مواجهتها مع الأغيار.
بناءً على هذا الاستنطاق للنص القانوني، يتأكد بالدليل المعياري القاطع أن المشرع الدستوري عندما نطق بـ"التدبير الحر"، سارع المشرع إلى تطويقه بـ"أسوار وقائية" من المراقبة الإدارية. إن القانون التنظيمي رقم 111.14 يكرس، في جوهره، ديمقراطية ترابية "مُراقَبة ومقيدة"، حيث تظل مؤسسات الجهة أسيرة هندسة قانونية تجعل من الإدارة المركزية قطب الرحى الفعلي في توجيه القرار وصناعته ماليا وإداريا وقضائيا، مما يُبقي الأنموذج الجهوي مجرد امتداد وظيفي تكتيكي، أكثر منه قطيعة استراتيجية نحو بناء سلطة ترابية حقيقية.
إن هذا الانحسار المتعمد للصلاحيات، وتطويق هوامش التحرك، يجعل من المشروع الجهوي برمته استجابة دفاعية لأزمة فعالية الدولة المركزية، لقد أدركت الإدارة المركزية قصورها البنيوي عن استيعاب التعقيدات المتزايدة للحياة العامة وتلبية المطالب الاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة، فعمدت إلى هندسة آلية لنقل هذا العبء نحو المحيط، وبذلك، أصبحت الهيئات الترابية المنتخبة في الخطوط الأمامية لمواجهة الاحتقان المحلي ومطالبة بتقديم إجابات تنموية فورية، دون أن تُمنح الصلاحيات التقريرية أو الموارد المادية والبشرية الكفيلة بتحقيق ذلك. إن هذا الوضع يحول النخب الجهوية إلى "مصدات" تمتص غضب الشارع، بينما تحتفظ الإدارة المركزية بالخيوط الاستراتيجية للعبة، مما ينسف مفهوم الشراكة والتعاون من أي دلالة فعلية، ويُبقي السلطة الحقيقية خارج دوائر المساءلة الانتخابية.
تتجلى هشاشة مؤسسة التمثيل الترابي بشكل أكثر وضوحا في الاختلال البنيوي لآليات توزيع السلطة داخل المجال المحلي، حيث تعجز الترسانة القانونية عن خلق بيئة حاضنة لسلطة مضادة أو موازية قادرة على إحداث التوازن مع نفوذ الإدارة المركزية. إن المركز القانوني للمسؤول الإداري الترابي يتمتع بسمو مطلق، مدعوما بصلاحيات واسعة تجعله فاعلا محوريا يتجاوز دور التنسيق والمراقبة إلى التدخل المباشر في توجيه السياسات الترابية، ويتجسد هذا التدخل في الإشراف على مفاصل حيوية كالتنفيذ المالي والتمثيل القانوني الحصري أمام القضاء عبر مؤسسات موازية، مما يسلب الهيئات المنتخبة استقلاليتها العملياتية ويجعلها رهينة لموافقة "عون الدولة" الذي يتحرك وفق منطق الوصاية، وليس وفق متطلبات الشراكة الديمقراطية.
في هذا السياق، يصطدم الطموح التمثيلي للجهة بمعادلة أمنية وإدارية تضع استقرار النسق العام فوق أي اعتبار تنموي أو ديمقراطي، ذلك أن القانون الدستوري المحلي يعاني من انفصام واضح؛ فهو من جهة يؤسس لهياكل منتخبة يُفترض أن تجسد إرادة الناخبين، ومن جهة أخرى يزرع امتدادات قوية للمركز داخل هذه الهياكل ذاتها. يتجلى هذا التناقض في تحويل ممثل السلطة المركزية إلى الجهاز التنفيذي الفعلي لقرارات المجالس المنتخبة، وتخويله صلاحيات التنسيق والمراقبة باسم الحكومة. إن هذه الهندسة المؤسساتية المزدوجة لا تضمن انسجام السياسات العمومية بقدر ما تكرس هيمنة البيروقراطية المركزية، وتجعل من الديمقراطية المحلية مجرد تمرين شكلي يدور في فلك السلطة الإدارية المركزية التي تملك حق الفيتو العملي على مخرجات العملية الانتخابية.
وبناءً على هذا الاختلال، يمكن الاستنتاج بأن الدينامية الجهوية الحالية لا تعدو كونها تمظهرا متقدما للامركزية الإدارية، وليست وليدة إرادة حقيقية لدمقرطة الشأن الترابي، حيث إن إقصاء السلطة التنفيذية المركزية للمجالس المنتخبة من أي مشاركة في تعيين كبار المسؤولين الترابيين، يحرم هذه المجالس من أي امتداد مؤسساتي حقيقي ويعزلها في جزر إدارية معزولة. وبالتالي، فإن هذا الوضع يحول دون بروز نخب جهوية مستقلة قادرة على نسج شبكات تواصل عمومي، وإدارة المصالح الاقتصادية والاجتماعية، بمعزل عن الوصاية المركزية. النتيجة الحتمية هي إفلاس الرهان السياسي للانتخابات، وتحويلها إلى مجرد آلية لتجديد وجوه الفاعلين المحليين، دون إحداث أي تغيير ملموس في بنية صنع القرار الترابي.
تاريخيا، تستند الدولة في تدبيرها للمجال الترابي إلى عقيدة وحدوية تجعل من المركزية المبدأ الناظم لكل السياسات، خشية أن يتحول التراب إلى فضاء لتشكل قوى مضادة قد تهدد التوازنات السياسية. إن هذه المقاربة، التي تتماهى مع أنموذج الدولة التدخلية، ترفض أي اقتسام حقيقي للسلطة الإدارية والمالية بين الدولة والمجتمع المدني أو السياسي في المحيط، وعلى الرغم من تراكم القوانين التنظيمية، فإن الشرعية التقليدية للإدارة الترابية، القائمة على الضبط والأمن، لا تزال تتعايش، بل وتتفوق، على الشرعية الديمقراطية الحديثة. لقد نجحت الإدارة المركزية بِحِرَفية، في تصدير أدوات الرقابة والوصاية والتحكم إلى المحيط، محولة المؤسسات المحلية إلى ما يشبه أذرع تنفيذية، تخدم الأجندة المركزية تحت غطاء اللامركزية.
ويمتد هذا المنطق الضبطي ليشمل حتى الفلسفة المعتمدة في التقطيع الترابي، والذي جاء استجابة لهاجس التوازنات الأمنية والسياسية أكثر من كونه انعكاسا لمقاربة تشاركية تروم تحقيق القرب والتنمية، حيث اعتمد هذا التقطيع على رؤية تكنوقراطية جافة، غافلاً الأبعاد السوسيو-ثقافية والتاريخية والمجالية التي تشكل الهوية الحقيقية للجهات. إن هذا التجاهل أدى إلى خلق كيانات جغرافية فاقدة للتجانس الداخلي، مما أضعف قدرتها على صياغة مشاريع مجتمعية تنموية متكاملة، وهكذا، أخفق التنظيم الترابي في أن يكون فضاءً للحرية والمبادرة المحلية، وتحول إلى أداة لتقطيع أوصال الممانعة المجالية، وإعادة رسم الخريطة بما يضمن بقاء الإدارة المركزية كـ"المايسترو" الوحيد القادر على ضبط الإيقاع الاجتماعي والسياسي.
ولعل أوضح تجليات هذا الإجهاض المؤسساتي يكمن في التقييد الممنهج للاستقلال الإداري والمالي الذي وعدت به الوثيقة الدستورية تحت مسمى "التدبير الحر"، ذلك أن الممارسة العملية تكشف عن هيمنة مطلقة لآليات الرقابة القبلية والبعدية ذات الطابع المركزي. فالقرارات الاستراتيجية للمجالس الترابية، لا سيما تلك المتعلقة بالميزانيات والاقتراض، كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقاً، تبقى معلقة وموقوفة التنفيذ إلى حين تأشير السلطات المركزية عليها. وينضاف إلى ذلك الحضور الكثيف للأجهزة المالية التابعة للدولة التي تفرض مساطر بيروقراطية معقدة على كل عملية إنفاق أو التزام مالي (نقصد هنا مؤسسة الخزينة العامة للمملكة). إن هذا الطوق المزدوج، الإداري والمالي، يجرد مبدأ الاستقلال من قيمته، ويجعل من الجماعات الترابية مجرد قاصر إداري يحتاج دائماً إلى إذن الولي الممثل في الإدارة المركزية.
بعد عقود من التجارب اللامركزية وإقرار القوانين التنظيمية المتقدمة، تبقى المحصلة هي العجز عن إحداث قطيعة مع الإرث المركزي وتأسيس ثنائية متوازنة بين الدولة والجهة، حيث إن تكريس الطابع الشخصي للسلطة بيد ممثلي المركز، وتفضيل المقاربات الأمنية على المبادرات التنموية، واستمرار تدوير النخب التقليدية عبر انتخابات منزوعة الدسم السياسي، كلها عوامل تكرس سحب الشرعية الفعلية من مؤسسة التمثيل الترابي، وأمام استمرار الرقابة الخانقة وإحكام قبضة سلطة الوصاية على مفاصل الفعل المحلي، يبقى التساؤل مشروعا حول مصير فكرة "الجهوية المتقدمة" برمتها، وما إذا كان النسق الحالي قادرا فعلا على تجديد نفسه، أم أنه سيستمر في إنتاج نفس الأزمات تحت مسميات قانونية جديدة ومساحيق ديمقراطية شكلية.
إذا ما وضعنا مسار الجهوية بالمغرب تحت مبضع التحليل الإبستمولوجي، متجاوزين سطح النصوص المعيارية إلى عمق "المحددات البنيوية" التي تحكم النسق، يتبين بجلاء أننا لسنا أمام "قطيعة" مع إرث الدولة التدخلية، بل إزاء عملية "إعادة إنتاج" مستمرة لآليات هيمنة الإدارة الترابية، ولكن بكسوة قانونية وحداثية. إن العقل السياسي المدبر للشأن الترابي لا يزال محكوما بمتلازمة "الخوف من المحيط"؛ فهو عقل يبتغي اللامركزية كضرورة تدبيرية لتخفيف العبء، لكنه يرفض الديمقراطية الترابية كممارسة تقتضي اقتساما فعليا للسلطة الإدارية والمالية.
من الناحية المنطقية، يعيش هذا النسق تناقضاً داخليا (Antinomy)؛ حيث إن مقدماته الدستورية تؤسس لـ "التدبير الحر" والتمثيلية الديمقراطية، غير أن نتائجه المؤسساتية والعملية تفرز "التبعية المقنعة" وهيمنة الإدارة الترابية المعينة. فهل هذا الأمر، لا يعدوا أن يكون سوى خلل تقني في النص القانوني فحسب؟ أم أنه انعكاس لـ "اللا-مفكر فيه" في الثقافة السياسية السائدة التي تستبطن التفوق الأنطولوجي للمركز؟
إن تفكيك هذا "اللا-مفكر فيه" يقودنا، حتما، إلى استنطاق البنية السيكولوجية والذهنية للفاعل الترابي ذاته؛ حيث يتبين أن اللاوعي الجمعي للمُنتخَب، وبالرغم من الترسانة القانونية التي تمنحه اختصاصات واسعة مقارنة بالقوانين السابقة، لا يزال يرزح تحت وطأة استلاب تاريخي يعيد إنتاج علاقة التبعية والخضوع.
حيث تكشف الممارسة الميدانية عن مفارقة جوهرية؛ فرئيس المجلس الجماعي مثلا، وبدلا من أن يمارس صلاحياته الدستورية بمنطق الشراكة الندية، يستبطن تمثلا ذهنيا يضع الوالي أو العامل أو الباشا في مقام "الرئيس التسلسلي"، خاضعا بذلك لمنطق التراتبية الإدارية الكلاسيكية. وفي هذا السياق، يتنازل المُنتخَب طواعية عن شرعيته الديمقراطية وسلطته التقريرية، ليتقمص دور "المرؤوس" المطيع الذي يكتفي بانتظار التوجيهات وتنفيذ الأوامر الصادرة عن ممثل السلطة المكلفة بالداخلية، عوض أن يتصرف ككيان مستقل ذي سيادة تقريرية.
إن هذا الاستسلام الإرادي يؤكد أن الهيمنة المركزية ليست فقط مفروضة بقوة النص المعياري، بل هي مُعادٌ إنتاجها سيكولوجياً من طرف النخب المحلية نفسها، مما يجعل من أزمة الديمقراطية الترابية أزمة "عقل سياسي مستقيل" يتهيب ممارسة حريته، قبل أن تكون مجرد أزمة نصوص واختصاصات.
وعليه، يمكن الاستنتاج، وفق استدلال منطقي، أن أزمة الجهوية المتقدمة ليست أزمة غياب القوانين، بل هي أزمة في فلسفة السلطة ذاتها، طالما استمرت الدولة في مقاربة الشأن الترابي بمنطق الاستيعاب والضبط بدلا من الشراكة والتحرير، فإن مؤسسات الجهوية ستظل تدور في حلقة مفرغة؛ تُنتج مؤسسات منتخبة شكلا، ومسلوبة الإرادة مضموناً. إن الانتقال نحو ديمقراطية ترابية حقيقية يشترط، بالأساس، تفكيك هذه البنية الذهنية المركزية، وبناء عقل سياسي يعترف بالتراب كشريك كامل الأهلية، وليس كقاصر موضوع تحت الوصاية.



