الذاكرة الإسبانية المُتعبة.. حق لا يسقط في جبل طارق وتاريخ يُراد دفنه في سبتة ومليلية

 الذاكرة الإسبانية المُتعبة.. حق لا يسقط في جبل طارق وتاريخ يُراد دفنه في سبتة ومليلية
الصحيفة | افتتاحية
السبت 22 غشت 2026 - 2:43

ثمة تناقض يصعب على الخطاب السياسي والثقافي والإعلامي في إسبانيا أن يتجاوزه كلما عاد ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة، وهو: كيف تستطيع دولة أن تطالب، بعد أكثر من ثلاثة قرون، باستعادة جبل طارق من بريطانيا، باعتباره أرضا انتُزعت منها بالقوة، ثم ترفض في الآن نفسه مجرد فتح نقاش حول مدينتين تقعان على الضفة الإفريقية من المضيق، دخلت إحداهما تحت السيطرة الأجنبية منذ أكثر من ستة قرون، والأخرى تحت السيطرة الإسبانية منذ أكثر من خمسة قرون؟

ولا ينبغي اختزال المقارنة بين جبل طارق وسبتة ومليلية في اختلاف المرجعيات القانونية التي أحاطت بكل ملف، لأن القانون الدولي نفسه تشكل عبر موازين قوة تاريخية كانت للدول الكبرى اليد الطولى في صياغة كثير من قواعدها وترتيباتها، وقد تختلف الأوصاف القانونية، وتتباين التصنيفات والاتفاقيات، لكن ذلك لا يمحو جوهر الحقوق التاريخية ولا يلغي أصل النزاع.

فالقانون قد ينظم وضعا قائما أو يمنحه إطارا مؤسساتيا، لكنه لا يستطيع، بمجرد الصياغة أو التصنيف، أن يحول واقعة تاريخية متنازعا عليها إلى حقيقة أخلاقية نهائية، ومن هنا يبقى السؤال قائما: كيف تتمسك إسبانيا بحق تاريخي في جبل طارق بعد أكثر من ثلاثة قرون، ثم تطلب من المغرب أن يعتبر التاريخ منتهيا حين يتعلق الأمر بسبتة ومليلية؟

سيطرت قوة أنغلو-هولندية على جبل طارق سنة 1704 خلال حرب الخلافة الإسبانية، ثم تنازلت إسبانيا عنه للتاج البريطاني بموجب معاهدة أوترخت سنة 1713، ومنذ ذلك الحين لم تتخل مدريد عن مطالبتها باستعادة الإقليم، وبعد مرور 322 سنة على السيطرة البريطانية الفعلية، لا تزال إسبانيا تعتبر أن الزمن لم يسقط مطالبتها التاريخية، ولا أن ثلاثة قرون من الحكم البريطاني أغلقت الملف إلى الأبد.

ذلك موقف مفهوم من زاوية الدولة التي ترى أنها فقدت جزءا من مجالها الترابي، لكن ما يصعب فهمه هو أن المبدأ ذاته يتغير بمجرد النظر جنوبا.

فمليلية دخلت تحت السيطرة الإسبانية سنة 1497، أي قبل 529 سنة، أما سبتة فاحتلها البرتغاليون سنة 1415، قبل أن تبقى مرتبطة بالتاج الإسباني بعد انفصال البرتغال سنة 1640، ثم يُثبت هذا الوضع بموجب معاهدة لشبونة سنة 1668، أي منذ 358 سنة وفق هذا التأريخ القانوني، وأكثر من 611 سنة منذ بداية السيطرة الأجنبية على المدينة.

هنا تبرز المفارقة في أوضح صورها، إذا كان مرور 322 سنة لا يسقط، في نظر مدريد، حق إسبانيا في المطالبة بجبل طارق، فبأي منطق يصبح مرور 358 سنة على الوضع الإسباني في سبتة، أو 529 سنة على السيطرة الإسبانية في مليلية، سببا كافيا لإعلان التاريخ منتهيا؟

لا يتعلق السؤال بمن يملك القدرة العسكرية الأكبر، ولا بمن يرفع صوته أكثر، وإنما باتساق الفكرة مع نفسها، فإما أن يكون للتاريخ معنى في القضايا الترابية، أو يكون مجرد أرشيف مغلق، أما أن يكون التاريخ حقا حيا في جبل طارق، وإزعاجا غير مقبول في سبتة ومليلية، فذلك ليس مبدأ، إنه معيار يتغير بحسب موقع صاحبه من القضية.

وتزداد المفارقة عمقا حين يُستدعى، في بعض الخطاب الإسباني، تصور ضمني يوحي بأن وجود إسبانيا في شمال المغرب أقدم أو أكثر شرعية من وجود الدولة المغربية نفسها، والحال أن الدولة المغربية لم تظهر مع القرن العشرين، ولا مع انتهاء نظام الحماية، ولا مع نشوء الدولة الوطنية الحديثة، لأن الدولة المغربية تأسست سنة 788 ميلادية مع قيام الدولة الإدريسية وبيعة إدريس الأول، أي قبل أكثر من 1238 سنة.

ومنذ ذلك التاريخ، تعاقبت على المغرب دول وسلالات، وتغيرت عواصمه وحدوده وأشكال مؤسساته، كما تغيرت في جميع الدول التاريخية، غير أن فكرة الدولة المغربية والسلطة السياسية المستقلة ظلت قائمة عبر الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين، وصولا إلى الدولة العلوية.

أما إسبانيا، فإن نواتها السياسية الحديثة بدأت تتشكل بعد ذلك بقرون طويلة، مع زواج إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة من فرناندو الثاني ملك أراغون سنة 1469، ثم اجتماع التاجين تحت حكمهما سنة 1479م، ولم يكن ذلك يومها اندماجا فوريا كاملا في دولة مركزية واحدة، لكنه شكّل المنعطف الأساسي الذي مهّد لقيام إسبانيا بصورتها التاريخية الحديثة.

وبالمعيار نفسه الذي نقرأ به تاريخ الدول، تكون الدولة المغربية أسبق زمنيا من تشكل نواة الدولة الإسبانية الحديثة بنحو سبعة قرون.

هذه الحقيقة لا تعني وحدها حسم أي نزاع سيادي، فالقضايا الترابية أعقد من أن تُحل بمعادلة عمر الدول، لكنها تسقط خطابا ظل يتسلل، بوعي أو من دونه، إلى بعض الكتابات الإسبانية، ذلك الذي يتعامل مع المغرب ككيان متأخر ظهر بجوار أرض إسبانية أزلية، في حين أن التسلسل التاريخي نفسه يقول شيئا مختلفا تماما.

المشكلة هنا ليست في إسبانيا كلها، ولا في مجتمعها ولا في ثقافتها المتعددة، إنها في بقايا مخيال قشتالي إمبراطوري ما زال حاضرا في جزء من الخطاب السياسي والإعلامي، مخيال ينظر إلى الجنوب من أعلى، ويحتفظ بصورة قديمة عن أوروبا باعتبارها مركزا للعالم، وعن الضفة الأخرى باعتبارها مجالا ينبغي أن يقبل بالقواعد التي تحددها القوى الشمالية.

لكن إسبانيا اليوم ليست إمبراطورية كارلوس الخامس، ولا قوة القرن السادس عشر التي كانت تملك مستعمرات تمتد عبر القارات، وكريستوفر كولومبس لن يغادر ميناءً إسبانيا مرة أخرى ليعلن باسم تاج أوروبي اكتشاف أرض يسكنها آخرون، ذلك الزمن انتهى، وانتهت معه الفكرة التي كانت تمنح القوة العسكرية حقا تلقائيا في الأرض والإنسان والتاريخ.

وفي المقابل، المغرب الذي تقابله إسبانيا اليوم ليس مغرب أواخر القرن التاسع عشر ولا بدايات القرن العشرين، حين كانت القوى الأوروبية قادرة على فرض قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية والعسكرية عليه من موقع اختلال هائل في موازين القوة، لقد تغيرت الدولة المغربية، وتغير اقتصادها، وتغير وزنها الأمني والدبلوماسي، كما تغيرت طبيعة علاقتها بإسبانيا وأوروبا، لهذا يبدو بعض الخطاب الإسباني المعاصر كأنه يصدر من زمن آخر.

ومن النماذج الدالة على ذلك مقال نشرته صحيفة "El Español" يوم 21 غشت الجاري، تحت عنوان: "إذا كان المغرب يريد حربا تجارية، فعلينا أن نعطيه إياها". عنوان لا يكتفي بالدعوة إلى الدفاع عن المصالح الإسبانية، وهو حق مشروع، بل ينقل العلاقة بين دولتين جارتين إلى منطق المبارزة، إذا أراد الخصم الحرب، فليأخذها.

يمكن لأي كاتب إسباني أن ينتقد المغرب، وأن يعارض سياسته، وأن يدافع بأقصى ما يستطيع عن مصالح بلاده، لكن الفرق كبير بين الدفاع عن المصالح وبين الاعتقاد أن التفوق الاقتصادي أو الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي يمنح صاحبه حق إصدار الأوامر على الجار الجنوبي.

هناك في هذا النوع من الكتابة شيء من وهم قديم مبني على: نحن نستطيع أن نعاقب، وأنتم ستدفعون الثمن، نحن نستطيع أن نبدأ المواجهة، وأنتم ستخسرونها، لكن التاريخ، حتى التاريخ الإسباني نفسه، يعلم شيئا أكثر تواضعا، وهو أن الدول تستطيع أحيانا أن تقرر متى تبدأ المواجهة، لكنها نادرا ما تستطيع أن تقرر وحدها كيف ستنتهي.

والحروب الاقتصادية لا تختلف كثيرا في هذا المعنى، يمكن إطلاقها بجملة في عمود رأي، لكن آثارها لا تبقى داخل صفحات الصحف، إنها تصل إلى الشركات والاستثمارات والعمال والموانئ والحدود والتجارة والسياحة والطاقة والأمن والهجرة، وعندما يكون البلدان جارين لا يفصل بينهما سوى مضيق ضيق، فإن فكرة "إيذاء الطرف الآخر دون أن تتأذى" أقرب إلى البلاغة منها إلى الواقع.

وفي نهاية المطاف، ليست القضية أن على إسبانيا أن تتخلى غداً عن سبتة ومليلية، كما لا يمكن اختزال نزاع بهذا التعقيد في مقالة أو شعار، القضية أكثر بساطة وعمقا في الوقت نفسه، أن تقبل إسبانيا للمغرب بالحق نفسه الذي تمنحه لنفسها، حق أن يتذكر، وأن يطالب، وأن يفتح النقاش، وأن يقول إن التاريخ لم ينتهِ.

من حق مدريد أن ترفض المطالب المغربية، ومن حق الرباط أن تتمسك بها، لكن من الصعب فكرياً أن تطالب إسبانيا بريطانيا بإعادة أرض فقدتها قبل 322 سنة، ثم تطلب من المغرب أن ينسى سبتة ومليلية لأن قرونا مرت على السيطرة عليهما، فلا يمكن للدولة أن تكون ضحية للتاريخ في جبل طارق، وحَكَما نهائيا على التاريخ في سبتة ومليلية.

وهنا ينبغي أن يبدأ النقاش الحقيقي داخل إسبانيا، لا بالصراخ ولا باستدعاء أمجاد الإمبراطورية، بل بسؤال أكثر هدوءاً: هل تدافع مدريد عن مبدأ ثابت، أم عن مصلحة تبحث في كل حالة عن مبدأ مختلف؟ كما على مدريد أن تتذكر أن زمن الإمبراطوريات قد انتهى، لكن الجغرافيا لم تنتهِ. وسيبقى المغرب وإسبانيا متقابلين على ضفتي المضيق مهما تغيرت الحكومات والخلافات والأجيال.

ولهذا، فإن أكبر خدمة يمكن أن يقدمها السياسي والمثقف والصحافي والمؤرخ الإسباني لبلاده ليست أن يستعيد وهم "الرجل الأبيض"، بل أن يتحرر منه، لأن الجار لا يحتاج إلى أن تعترف له بالتفوق، ولا إلى أن تعلن عليه حربا كلما اختلف معك، يحتاج فقط إلى أن تتعامل معه بالمعيار نفسه الذي تطالب الآخرين بأن يعاملوك به، وهذا ليس تنازلاً للمغرب، بل احتراما للعقل وللتاريخ معا.

The comments are closed in this post

البوليساريو تحت التاج الإسباني

ليس أكثر إثارة للمفارقة من أن يحتفي أنصار حَركة تُقدم نفسها منذ نصف قرن باعتبارها "حركة تحرر" بقانون يمنح أبناءها جنسية الدولة التي كانت القوة الاستعمارية في إقليم الصحراء، كما ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...