حبيل رشيد
الثلاثاء 7 أبريل 2026 - 15:27

الرقمنة بين الطموح والجدوى الاجتماعية

لا شك أن التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تفرض نفسها كحقيقة لا يمكن تجاوزها، حيث أضحت التكنولوجيا رافعة مركزية لإعادة تشكيل الاقتصادات، وإعادة هندسة أنماط العيش والإنتاج… ومن ثم، فإن الحديث عن الرقمنة لم يعد ترفًا فكريًا أو خيارًا ثانويًا، وإنما مدخلًا استراتيجيًا لإعادة ترتيب الأولويات التنموية، وصياغة نموذج اقتصادي أكثر قدرة على الصمود والتكيف.

وفي هذا السياق، يكتسي تنظيم الدورة الرابعة من تظاهرة “جيتكس إفريقيا 2026” بمدينة مراكش دلالة عميقة، باعتباره يعكس تموقع المغرب ضمن خارطة التحول الرقمي العالمي، وسعيه الحثيث إلى ترسيخ مكانته كقطب إقليمي في مجال التكنولوجيا والابتكار… كما أن هذا الحدث لا ينحصر في بعده الاستعراضي أو التكنولوجي، وإنما يتجاوز ذلك ليشكل منصة للتفكير الجماعي في مستقبل الاقتصاد الرقمي بالقارة الإفريقية، وفرص إدماجها في سلاسل القيمة العالمية.

ومن المؤكد أن الرؤية المؤطرة لهذا التوجه تنسجم بشكل وثيق مع التوجيهات الملكية السامية، التي ما فتئت تؤكد على أن الرقمنة تشكل رافعة أساسية لتحقيق التحول الاقتصادي، وتعزيز الإدماج الاجتماعي، وترسيخ السيادة الوطنية في بعدها التكنولوجي… وبالتالي، فإن الاستثمار في هذا المجال لم يعد خيارًا ظرفيًا، وإنما ضرورة استراتيجية تفرضها رهانات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح يتمثل في مدى قدرة هذا التحول الرقمي على إحداث أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطنين… إذ إن القيمة الحقيقية لأي مشروع رقمي تظل رهينة بمدى انعكاسه الإيجابي على الخدمات العمومية، وجودة العيش، وتكافؤ الفرص، وهو ما يطرح إشكالية الانتقال من منطق “رقمنة الواجهات” إلى “رقمنة الأثر”.

وعلاوة على ذلك، فإن تحقيق هذا التحول يقتضي توافر شروط بنيوية تتجاوز مجرد إطلاق الاستراتيجيات، لتشمل تأهيل الرأسمال البشري، وتبسيط المساطر الإدارية، وضمان الولوج العادل إلى البنيات التحتية الرقمية… حيث إن أي اختلال في هذه العناصر من شأنه أن يعمق الفجوة الرقمية بدل تقليصها، ويحول دون تحقيق الأهداف المعلنة.

كما أن الرهان لا يقتصر على استقطاب الاستثمارات أو دعم الشركات الناشئة، وإنما يمتد ليشمل بناء منظومة رقمية متكاملة، قادرة على إنتاج القيمة وخلق فرص الشغل، مع ضمان استدامة هذا النمو في ظل التحولات الدولية المتسارعة… وهو ما يستدعي، دون ريب، مقاربة شمولية تقوم على التكامل بين السياسات العمومية، والانفتاح على الشراكات الدولية، وتحفيز المبادرة الخاصة.

إن نجاح هذه الدينامية الرقمية يظل رهينًا بمدى القدرة على تحويل الطموح إلى نتائج ملموسة، وترجمة الشعارات إلى سياسات ناجعة… لذلك، فإن المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال من منطق الإعلان إلى منطق الإنجاز، ومن الرؤية إلى الأثر، بما يجعل من الرقمنة أداة حقيقية لخدمة المواطن، لا مجرد عنوان لمرحلة عابرة.

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة
The comments are closed in this post

دُول الخليج.. المصير المرّ

تأتي الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين المثلث المكون من إسرائيل والولايات المتحدة وإيران لتقدم درسا تاريخيا قاسيا وعميقا، يعيد تذكير العرب بأن صراعات الحاضر ليست إلا امتدادا لمواجهات أزلية ...

استطلاع رأي

هل تتوقع أن تخسر إيران الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

Loading...