السردين يُستنزف بـ150% ويُصدَّر رغم الأزمة.. الحكومة تفرض ترخيصا إلزاميا للصادرات لعام كامل ولحماية سوقٍ يوفّر 260 ألف منصب شغل
قررت وزارة الصناعة والتجارة إخضاع صادرات السردين الطري والمجمّد لنظام ترخيص إلزامي لمدة اثني عشر شهرا، ابتداء من فاتح فبراير الجاري في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من اختلالات عميقة تضرب أحد أكثر المنتجات الغذائية حساسية اجتماعيا واقتصاديا بالمغرب في سياق تتقاطع فيه ضغوط الأسعار وتراجع كميات التفريغ والتحذيرات العلمية والمؤسساتية من استنزاف مقلق للثروة السمكية خاصة في البحر الأبيض المتوسط.
القرار، الذي تم تفعيله بموجب مقرر نُشر في الجريدة الرسمية أسس لنظام جديد لمراقبة الصادرات حيث بات تصدير السردين الطري والمجمّد، إلى جانب منتجات أخرى من الأسماك والقشريات والرخويات وسائر اللافقاريات المائية مشروطا بالحصول المسبق على رخصة تصدير على أن يمتد العمل بهذا النظام لسنة كاملة، في محاولة لإعادة ضبط توازنات سوق داخلية عرفت خلال الأشهر الأخيرة توترات غير مسبوقة.
ويأتي هذا الإجراء في لحظة دقيقة، إذ يُعد السردين من أكثر المواد الغذائية استهلاكا لدى فئات واسعة من المغاربة لا سيما ذوي الدخل المحدود كما يشكل عنصرا أساسيا في سلة الغذاء اليومية، ما يجعل أي اضطراب في عرضه أو سعره ذا أثر اجتماعي مباشر.
ومع اقتراب شهر رمضان، حيث يرتفع الطلب التقليدي على هذا المنتوج، اختارت السلطات نهج سياسة استباقية تهدف إلى كبح موجات الغلاء والحفاظ على وفرة العرض داخل السوق الوطنية، ومنع توجيه كميات كبيرة نحو التصدير في ظرفية توصف بالحساسة.
وفي هذا السياق، أعلنت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري زكية الدريوش، من داخل البرلمان، أن المغرب علّق تصدير السردين المجمّد ابتداء من فاتح فبراير، مؤكدة أن القرار يروم ضمان تموين السوق الوطنية والحد من التوترات حول مادة تُصنف ضمن المنتجات الأساسية ذات البعد الاجتماعي.
ميدانيا، كشفت معطيات قطاعية أن تراجع كميات التفريغ وارتفاع الأسعار خلال الفترة الأخيرة فرضا حالة استنفار داخل الإدارة الوصية، ففي يناير الماضي أوضح محمد نفيا، مندوب الصيد البحري بمدينة العيون، أن سلسلة من التدابير التنظيمية جرى تفعيلها لضبط السوق والحد من التوترات شملت تعزيز آليات المراقبة وتنظيم مسارات التسويق والتصدي للممارسات التي تخل بالتوازن بين العرض والطلب، غير أن هذه الإجراءات الظرفية لا تُخفي حقيقة أن القرار الحكومي الأخير يتجاوز مجرد ضبط الأسعار، ليكشف عن عمق أزمة بنيوية في تدبير الموارد البحرية.
وبالتوازي مع هذه التطورات، عاد المجلس الأعلى للحسابات ليطلق تحذيرات قوية بشأن الوضع المقلق لعدد من المخزونات السمكية، وعلى رأسها السردين في البحر الأبيض المتوسط، الذي تشير معطيات رسمية إلى أنه يُستغل بنسبة تصل إلى 150 في المائة من قدرته الطبيعية على التجدد أي بما يفوق بكثير العتبات البيولوجية الآمنة. ويضع هذا الرقم الصادم القرار الحكومي في سياق أوسع، يتجاوز الظرفية الاقتصادية إلى رهانات الاستدامة البيئية والأمن الغذائي.
ويبرز تقرير المجلس مفارقة لافتة، فالمغرب المصنف الأول إفريقيا والثالث عشر عالميا في مجال الصيد البحري، يتوفر على قطاع استراتيجي يساهم بنحو 1,1 في المائة من الناتج الداخلي الخام ويوفر أكثر من 260 ألف منصب شغل مباشر لكنه يظل قطاعا هشا بفعل تراكم اختلالات بنيوية في مقدمتها الصيد الجائر وضعف أدوات المراقبة وتأخر الإطار التنظيمي، وغياب رؤية استراتيجية شاملة منذ انتهاء مخطط "أليوتيس" (2009–2020)، الذي كان يشكل المرجعية الأساسية لتدبير الثروة السمكية.
ويستند المجلس الأعلى للحسابات في تشخيصه إلى تقييمات المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، التي تكشف أن عدة أصناف سمكية تُستغل بمستويات تفوق الحدود البيولوجية المقبولة من بينها الأسماك السطحية الصغيرة ورأسيات الأرجل والقشريات والأسماك القاعية، ما يعكس اتساع رقعة الضغط على المنظومات البحرية كما ينتقد التقرير المنهجية المعتمدة في التدبير، معتبرا أنها ما تزال تركز على مخزونات فردية لأنواع بعينها دون إدماج كافٍ للتفاعلات المعقدة داخل النظم البيئية البحرية، خلافا لما تفرضه المقاربة الإيكولوجية للصيد التي تعتمدها المعايير الدولية.
وضمن قائمة "الإشارات الحمراء" التي يسردها التقرير، يحتل السردين في المتوسط موقعا مركزيا إلى جانب سمك النازلي الأبيض الذي تشير التقديرات إلى أن مستوى استغلاله في المنطقة نفسها يبلغ نحو 1000 في المائة من قدرته الطبيعية على التجدد، في مؤشر خطير على حجم الاستنزاف الذي بلغته بعض الموارد البحرية.
ويرى المجلس أن هذه الأرقام تكشف عن قطيعة واضحة بين التوجيهات العلمية والممارسات الميدانية، رغم وجود مخططات تهيئة أُعدت خصيصا لأهم المصايد ذات القيمة التجارية، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول فعالية الحكامة القطاعية.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن قرار إخضاع صادرات السردين لنظام الترخيص وتعليق تصدير السردين المجمّد، لا يندرج فقط ضمن منطق ضبط التجارة الخارجية أو حماية الأسعار، بل يعكس محاولة متأخرة لإعادة التوازن بين منطق التصدير ومتطلبات الأمن الغذائي وحماية القدرة الشرائية للمواطنين من جهة، وضرورات الحفاظ على مورد طبيعي يواجه استنزافا متسارعا، من جهة أخرى، وبين ضغط السوق واقتراب رمضان والتحذيرات البيئية المتصاعدة، يجد قطاع الصيد البحري نفسه مجددا في قلب معادلة معقدة، تضع صانع القرار أمام اختبار حقيقي.




