السقوط الحر لـ"يينا هولدينغ".. صراعات الورثة والعجز عن مواكبة المنافسة يقربان إمبراطورية الشعبي من نهايتها

لم يكن إعلان وفاة الملياردير والبرلماني السابق ميلود الشعبي، يوم 16 أبريل 2016 حدثا مؤلما لعائلته فقط، بل إن هذا اليوم أصبح بالنسبة للكثيرين موعد بداية نهاية إمبراطورية "يينا هولدينغ"، التي نافست أكبر المجموعات القابضة في المغرب وإفريقيا والعالم العربي، وحملت صاحبها مرارا إلى قائمة "فوربس" لمليارديرات العالم، لكن، وكما كان وفاة الشعبي الأب بطيئا جراء معاناته مع مرض عضال، دخلت المجموعة في مسلسل مماثل جراء إصابتها بفيروسي "سوء التسيير" و"صراع الورثة".

والحقيقة هي أن بداية مشاكل "يينا هولدينغ" لم تبدأ مع رحيل الشعبي، بل تفاقمت مع السنوات الأخيرة للرجل المتقدم في العمر الذي غادر الدنيا في ربيعه الخامس والثمانين، ولا يعلم أحد ما إذا كان يتناهى إلى مسامعه كم المشاكل التي بدأت تتراكم في جميع استثمارات الهولدينغ تقريبا، أم أنه كان بعيدا عن ذلك بسبب مرضه وجولاته العلاجية، لكن الثابت هو أن زوجته وأبناءه وجدوا أنفسهم في النهاية أمام تركة ضخمة، من الأموال ومن المشاكل أيضا.

انهيار موغادور.. إعلان النهاية

ومع وصول المشاكل إلى مجموعة فنادق "موغادور"، لدرجة أن مستخدميها ارتدوا لباس المحكومين بالإعدام احتجاجا على قرار فصلهم دون تعويضات، كان دخول مجموعة "يينا هولدينغ" مرحلة الموت السريري قد أصبح علنيا، فالأمر يتعلق بـ"درة تاج" استثمارات ميلود الشعبي والتي كان يفخر بنجاحها رغم إصراره على عدم اتباع الأسلوب نفسه الذي كانت تتبعه فنادق أخرى مغربية، من قبيل قرار عدم تقديم المشروبات بها، قبل أن تدخل نفقا مظلما منذ وفاته انتهى بوقوفها على شفير الإفلاس.

وكانت إدارة المؤسسة قد قررت إغلاق 7 وحدات فندقية في مراكش وتسريح عمالها الـ700، الأمر الذي طفى على السطح نهاية شهر يونيو الماضي، مستغلة أزمة القطاع السياحي التي خلفتها جائحة كورونا، لكن الحقيقة غير ذلك، حسب عارفين بأعمال آل الشعبي، فجائحة كورونا وصلت إلى المغرب في مارس 2020 في حين أن قرار تسريح المستخدمين حُسم في يناير من السنة نفسها، والسبب هو الأزمة المالية التي تعيشها المجموعة في ظل عدم قدرتها على تطوير طريقة اشتغالها.

خسارة السوق لصالح المنافسين

وترى مصادر "الصحيفة" أن سوء الإدارة وعجز ورثة ميلود الشعبي عن إدارة مشاريع الهولدينغ بالكفاءة ذاتها التي كانت تتوفر في الأب، والذي كان يفعل ذلك بعيدا عن المساهمة الفعلية لأبنائه، هي التي أدت إلى انكماش الأرباح بشكل سريع وانزلاق مجموعة من العلامات التجارية إلى مستنقع الفشل وعدم القدرة على المنافسة، على غرار ما حدث مع أسواق السلام التي أضحت "عبئا" على المجموعة.

وبدأت مشاكل "أسواق السلام" في الأشهر الأخيرة من حياة ميلود الشعبي، لدرجة صدور قرار قضائي ببيع أسهمها في المزاد العلني من طرف المحكمة التجارية بالدار البيضاء في ماي من سنة 2015، والتي نجت منه الشركة باتفاق ودي مع غريمتها الفرنسية في آخر لحظة، لكن في السنوات الموالية أصبحت "أسواق السلام" التي كانت تنافس سلسلة أسواق "مرجان"، عاجزة عن مواكبة التطورات التي عرفها مجال نشاطها.

ووفق مصادر "الصحيفة" فإن أسواق "السلام" ظلت تتفرج في المنافسة القائمة على جذب المستهلكين وتوسيع "مناطق النفوذ"، فـ"مرجان" و"كارفور" مثلا دخلتا منافسة ضارية مع أسواق "بيم" التركية داخل الأحياء عبر متاجر القرب، مع تطوير الخدمات في الفضاءات الكبرى أو "الهايبر ماركت"، في حين ظلت "أسواق آل الشعبي" كما هي ولم تنتبه إلى ضرورة التنافس داخل الأحياء إلا في 2020، وكان حينها قد فاتها القطار وأصبحت أقل حضورا بكثير في قائمة خيارات الزبناء.

فشل في التسيير وثقة مفقودة

وتعد "خسارة الثقة" إحدى مفاتيح فهم "السقوط الحر" الذي دخلت فيه مجموعة "يينا هولدينغ"، والتي تمثل انعكاسا منطقيا لسوء التسيير، وفق ما أسر به مقربون من المجموعة لـ"الصحيفة"، ويمكن الاستشهاد على ذلك بوضع مجموعة "الشعبي للإسكان" العمود الفقري للهولدينغ، بسبب عائداتها الكبيرة في وقت من الأوقات، لكنها تدريجيا تحولت إلى "وجع رأس" كبير لمالكيها، نتيجة تأخر تسليم الشقق في العديد من المدن مثل طنجة وأكادير وتمارة، لدرجة أن المتضررين شرعوا في اقتحام الشقق بأنفسهم، بل وفي سنة 2015 نقل مغاربة أوروبا احتجاجاتهم ضد الشركة إلى معرض العقار في باريس.

وأصبحت معالم هذه الأزمة واضحة رقميا سنة 2020، حين أجرت مواقع متخصصة في العقار أكبر استطلاع للرأي حول مدى رضى المواطنين على الشركات العقارية في المغرب، وحينها غاب اسم "الشعبي للإسكان" عن المراكز الثلاثة الأولى في صنف المنعشين العقاريين والسكن الفاخر والسكن الاقتصادي، باستثناء السكن المتوسط الذي حلت فيه ثالثة خلف مجموعتين منافستين لها هما "الكتاني" و"العلالي".

عائلة منشغلة بالصراعات

وفاقم رحيل الشعبي حالة "الارتجالية" داخل استثمارات الهولدينغ، مع بروز التجاذبات بين الورثة، ففي البداية كان يفترض أن تقود الأم، مامة التجمعتي، السفينة خلفا لزوجها بتعيينها رئيسة مديرة عامة لـ"يينا" واختارت إلى جانبها ابنا واحدا فقط هو فوزي الشعبي، قبل أن تبرز الخلافات مرة أخرى بين هذا الأخير وبين والدته ليصبح هو الرئيس المدير العام، لكن مع تراكم الخلافات وتراجع الأرباح ووقوف العديد من الشركات على حافة الإفلاس أُبعد عن هذا المنصب في بداية 2019 تاركا إياه لشقيقه فيصل الشعبي بإشراف مباشر من أمه.

ولم يزد هذا الشد والجذب المجموعة إلا تفككا، حيث استمرت في مراكمة الأخطاء التي بدأت بنيل الورثة نصيبهم من الأموال الموجودة في البنوك والحد من سيولة الشركات في ظل استمرار الاستثمارات مجتمعة بينهم، ومرورا بحالة "التوهان" التي عاشتها العائلة عندما كان عليها أن تختار بين المجالات الجديدة التي يمكن أن تستثمر فيها، وتلك التي عليها الانسحاب منها، لكن الضربة القاضية، حسب عارفين بالمجموعة، كانت هي عجز إدارتها عن تبني أساليب تسيير وأفكار جديدة، حتى وجدت نفسها خارج كوكبة المنافسة.

السبت 9:00
مطر خفيف
C
°
10.82
الأحد
13.53
mostlycloudy
الأثنين
12.58
mostlycloudy
الثلاثاء
12.73
mostlycloudy
الأربعاء
12.04
mostlycloudy
الخميس
12.95
mostlycloudy