الصحراء، ليبيا، و"إسرائيل".. ملفاق عالقة بعد "فشل" لقاء بومبيو بالملك

لم يكتب لزيارة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو إلى المغرب، أمس الخميس، أن تسير كما كان مخططا لها فالرجل الذي حل بالمملكة للمرة الأولى له منذ توليه منصبه في 26 أبريل 2018، لم يمكث في الرباط لأكثر من بضع ساعات حيث اضطر للعودة إلى بلاده للوقوف إلى جانب الرئيس دونالد ترامب الذي يواجه إجراءات بدأ محاكمة برلمانية قد تؤدي لعزله، تقودها نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب.

وشملت لقاءات بومبيو كلا من رئيس الحكومة سعد الدين العثماني ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، وكذا عبد اللطيف الحموشي المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، لكن اللقاء الأهم الذي كان من المفترض أن يجمعه بالملك محمد السادس تم إلغاؤه، بعدما قام فريق بومبيو بتغيير البرنامج 4 مرات خلال 48 ساعة.

وأدى عدم لقاء بومبيو بالعاهل المغربي إلى تقليص حجم انتظارات المتتبعين لهذه الزيارة بعدما كانوا ينتظرون منها تحريك العديد من الملفات الحساسة، من أبرزها قضية الصحراء المغربية والتطبيع مع إسرائيل وما يعرف بـ"صفقة القرن"، إلى جانب قضايا الأمن ومكافحة التنظيمات المتطرفة بمنطقة الساحل والصحراء، بالإضافة إلى إحياء العلاقات الثنائية بين البلدين.

الصحراء والحل المنتظر

أتت هذه الزيارة في سياق يعرف فيه ملف الصحراء دينامية كبيرة، جعلت الكثير من المراقبين يتوقعون أنه صار أقرب إلى الحل أكثر من أي وقت مضى، فبالإضافة إلى الحراك الشعبي الذي تعيشه الجزائر المحتضنة لجبهة البوليساريو، والتراجع الملحوظ في عدد الدول المعترفة بالكيان الانفصالي، بدأت العديد من الدول الكبرى تعلن ضمنيا أو بشكل صريح اقتناعها بالطرح المغربي المتمثل في الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية.

ولكن أكثر ما جعل مراقبين يرون أن إلغاء لقاء بومبيو بالملك أضاع فرصة للاقتراب خطوة أكبر من حسم موضوع الصحراء، تأكيدات وكالة الأنباء الرسمية بالمغرب يوم 28 نونبر الماضي أن "مسؤولا أمريكيا رفيع المستوى أكدد من واشنطن انخراط الولايات المتحدة الأمريكية مع الأمم المتحدة من أجل الدفع بالحل السياسي"، ناقلة عن المصدر نفسه أنه وصف مخطط الحكم الذاتي المغربي بـ"الجدي والواقعي وذي المصداقية"، إذ توقع الكثيرون أن يخرج بومبيو علنا عقب هذه الزيارة لإعلان "الاقتناع" الأمريكي بمخطط الحكم الذاتي.

الأمن و"الإرهاب"

ومن ناحية أخرى برز الوضع الأمني بالمنطقة على رأس أجندة بومبيو، وهو ما يؤكده لقاؤه بالمدير العام للأمن الوطني وللإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني، تزامنا مع دعوة الاتحاد الأوروبي للمغرب بإعادة التنسيق حول قضايا "مكافحة الإرهاب"، إذ بالإضافة إلى دور المملكة في رصد الجماعات المتطرفة في الساحل والصحراء، استطاع المغرب من خلال تعاونه الثنائي مع دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وألمانيا، إحباط عدة مخططات إرهابية.

لكن عدم اكتمال زيارة بومبيو من شأنه أن لا يعطي لهذا الموضوع الزخم المطلوب، بالنظر لارتباطه بقضية الصحراء أيضا، إذ يعتبر المغرب أن جبهة البوليساريو تشكل أحد أبرز مثبطات الاستقرار بالمنطقة وفصيلا متعاونا مع الجماعات الإرهابية، خاصة في سياق تحذيرات وزارة الخارجة الإسبانية لمواطنيها الذين يزورون مخيمات تندوف من احتمال تعرضهم للهجوم أو الاختطاف، الشيء الذي أكدته أيضا وزارة الدفاع الإسبانية، التي قالت إن لديها معلومات استخباراتية حول قرب تنفيذ مثل هذه العمليات.

ومن ناحية أخرى كانت الرباط تعول على زيارة بومبيو لإيجاد مخرج لملف آخر، إذ أنها أتت في سياق يحاول فيه المغرب إعادة الاستقرار للمنطقة المغاربية تمهيدا لإحياء الاتحاد المغاربي، الأمر الذي يعيقه الوضع المضطرب في ليبيا الحاضنة للجماعات المتطرفة وتجارة البشر والسلاح، نتيجة الدعم المصري الإماراتي لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ما يتقاطع أيضا مع المصالح الأمريكية نتيجة التحرك الروسي الأخير على الميدان من خلال دعم عسكري لقوات حفتر المنقلبة على مخرجات اتفاق الصخيرات التي تحظى باعتراف أممي.

التطبيع مع إسرائيل

ويبدو أن عدم لقاء بومبيو بالملك أبعد المغرب مرة أخرى عن "صفقة القرن"، فقبيل مجيئه للرباط كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن زيارته ستكون فرصة لإعادة طرح مقترح تطبيع العلاقات بين المملكة التي يرأس عاهلها لجنة القدس وإسرائيل، وهو الأمر الذي يجد سنده في لقاء بومبيو برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البرتغال الجارة الجنوبية للمملكة، قبل ساعات من انتقاله إلى الرباط.

وكانت قناة إسرائيل الـ13 وقناة إسرائيل 24 قد كشفتا أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لربط علاقات بين الدولة العبرية وبين عدة دول عربية من بينها المغرب، عبر توقيع اتفاقية "عدم اعتداء" مبرزة أن البيت الأبيض سبق أن تواصل مع سفراء المغرب وسلطنة عمان والإمارات العربية والبحرين لعرض هذا المقترح.

وسعت واشنطن كثيرا لتغيير رأي لمغرب في ظل نأي المملكة بنفسها عن "صفقة القرن"، التي تهدف إلى تهويد القدس بشكل كامل والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل ونقل الفلسطينيين من الضفة الغربي إلى أراضي بديلة، وهو الأمر الذي حظي بتأييد من دول مثل السعودية ومصر والإمارات والبحرين، في الوقت الذي كان المغرب والأردن قد عارضاه ضمنيا من خلال بيان مشترك لعاهلي البلدين.

العلاقات الثنائية

وكان من المنتظر أيضا من زيارة بومبيو أن تنهي حالة من البرود تعيشها العلاقات بين البلدين، في ظل عدم تجاوب المغرب مع مقترح صفقة القرن الذي عرضه جاريد كوشنير، مستشار وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الملك، الشيء الذي يفسر غياب سفير أمريكي جديد عن مقر سفارة بلاده في الرباط منذ انتهاء مهام السفير السابق دوايت بوش في يناير من سنة 2017.

واستبقت الخارجية الأمريكية هذه الزيارة بالتأكيد على "أهميتها البالغة للعلاقة والشراكة الاستراتيجية التي تجمع الرباط وواشنطن"، مبرزة أن الشراكة الاقتصادية والأمنية تأتي على رأس أولويات بومبيو، ناقلة عنه وصفه للمملكة بأنها "أحد أقوى شركاء الولايات المتحدة في المنطقة" وتطلعه "لاستعراض الشراكة الاقتصادية والأمنية القوية بين البلدين ومناقشة مجالات التعاون المستقبلية"، ما أحيا الأمل في أن لا تكون مخرجات الزيارة بروتوكولية وفقط.

ورغم أن زيارة بومبيو للرباط لم تسر كما يجب، وهو أمر اتضح أن وزير الخارجية الأمريكي يتحمل مسؤولته نظرا للظرفية السياسية لبلاده، إلا تقييم مدى فاعلية هذه الزيارة ونتائجها لا يمكن أن يتضح إلا في الأيام القادمة.

الأحد 6:00
سماء صافية
C
°
7.72
الأثنين
10.07
mostlycloudy
الثلاثاء
11.22
mostlycloudy
الأربعاء
11.6
mostlycloudy
الخميس
13.92
mostlycloudy
الجمعة
16.19
mostlycloudy