الصمت التواصلي خلال الأزمات
تحوّل التواصل خلال العقود الأخيرة، إلى أحد المكونات الرئيسة في تدبير الأزمات وصناعة القرار العمومي، بعدما لم يعد نجاح المؤسسات والدول يُقاس فقط بقدرتها على التدخل الميداني، بل أيضاً بقدرتها على تفسير ما يجري وضبط تدفق المعلومات، والحفاظ على الثقة في لحظات الاضطراب وعدم اليقين.
ولم يعد التواصل في هذا السياق مقصوراً على الخطب والتصريحات والبلاغات المكتوبة، بل أصبح يشمل الرموز والأيقونات والصور، والأفعال والسلوكيات، فضلاً عن الصمت نفسه بوصفه شكلاً تعبيرياً قد يحمل من الدلالات ما تحمله الرسائل المعلنة.
فالدولة لا تتواصل بما تقوله فقط، وإنما أيضاً بما تؤجل قوله وما تمتنع عن كشفه، وباللحظة التي تختار فيها إنهاء صمتها، وقد يكون عدم التصريح موقفاً قائماً بذاته، خاصة عندما يصدر عن مؤسسة تملك المعلومات والقدرة على الفعل، وتدرك أن الكلام في لحظة معينة قد يربك القرار أو يضيق هامش المناورة.
ومن هذا المنطلق، لا يقع الصمت خارج النظام التواصلي العمومي، بل يشكل جزءاً منه، لأن غياب الصوت لا يعني غياب المعنى، كما أن الامتناع عن الكلام لا يعني بالضرورة غياب الموقف.
فالصمت قد يكون زمناً للإنصات وفك الرسائل، وترتيب الأفكار، والاستعداد للرد، كما قد يكون اختياراً إرادياً تفرضه طبيعة المقام وضرورات الموقف، فهو عنصر أساسي في يد الدولة لتدبير الزمن السياسي خلال الأزمات.
وتزداد الحاجة إلى هذا النوع من الصمت خلال الأزمات حيث تكون المعلومات الأولية في الغالب ناقصة أو متضاربة، وتتعرض المؤسسات لضغط متزايد من الرأي العام ووسائل الإعلام لتقديم تفسير فوري لما حدث. غير أن التصريح المبكر في مثل هذه الظروف قد يؤدي إلى تداول أرقام غير دقيقة، أو تقديم رواية يصعب تصحيحها لاحقاً، أو إصدار مواقف سياسية تقيّد الخيارات المتاحة أمام صانع القرار، لذلك قد يصبح الصمت المؤقت ضرورة مهنية ومؤسساتية، تسمح بجمع المعطيات والتحقق منها، وتنسيق المواقف بين مختلف الأجهزة، وتحديد الجهة المخولة بالتحدث باسم الدولة.
وتبرز أهمية الصمت بصورة أوضح في الأزمات الدبلوماسية، لأن التصريحات العلنية لا تكتفي بوصف المواقف، بل قد تتحول إلى جزء من الصراع نفسه، فقد يؤدي رد متسرع إلى رد مقابل ثم إلى رفع سقف الخطاب وتقييد فرص التسوية، إلى أن تجد الأطراف نفسها داخل مسار تصعيدي لم تكن ترغب فيه ابتداء. وفي هذه الحالات، قد تختار الدولة عدم الرد الفوري، حفاظاً على قنوات الاتصال، أو إفساحاً للمجال أمام الوساطة، أو تجنباً لإحراج الطرف المقابل أمام رأيه العام، أو رغبةً في اختبار نياته قبل تحديد الموقف النهائي.
ولا يعني ذلك أن الصمت ينجح بمجرد اعتماده، إذ ترتبط فعاليته بوضوح أهدافه ومدته والنتيجة التي يُراد الوصول إليها، فالصمت الذي يندرج ضمن خطة تواصلية واضحة، وترافقه عملية جمع للمعلومات واتصالات دبلوماسية وتدابير ميدانية، يختلف عن الصمت الناتج عن الارتباك أو ضعف التنسيق أو غياب القرار، فالأول يمثل اختياراً تواصلياً محسوباً بينما يتحول الثاني إلى فراغ تواصلي يسمح للفاعلين الآخرين بتعريف الأزمة وتوجيه معناها وصناعة السردية.
وتكمن خطورة هذا الفراغ التواصلي في أن الأزمات لا تنتظر صدور البلاغ الرسمي، كما أن المجال الرقمي لا يعترف بغياب المعلومة، فعندما تتأخر المؤسسة في تقديم روايتها تتقدم روايات وسائل الإعلام والشهود والفاعلين السياسيين والمنصات الرقمية، وتختلط الوقائع بالتحليلات والانطباعات والمعلومات غير المتحققة. ولا يؤدي الصمت في هذه الحالة، إلى وقف الحديث عن الأزمة، بل إلى انتقال سلطة تفسيرها من المؤسسة المعنية إلى أطراف قد لا تتقاسم معها المعطيات نفسها أو المصالح نفسها.
من هنا يبرز التمييز الضروري بين "الصمت التواصلي" و"شلل التواصل"، فالصمت التواصلي قرار واعٍ تعرف المؤسسة خلاله لماذا تصمت وما الذي تقوم به أثناء صمتها، ومتى ستتدخل، وبأي رسالة ستنهي فترة التريث. أما شلل التواصل، فيعكس غياب الاستعداد أو تعدد الجهات المتدخلة، أو الخوف من تحمل المسؤولية، ويترك الرأي العام أمام حالة من الغموض المتزايد.
كما ينبغي التمييز بين الصمت والسرية؛ فالاعتبارات الأمنية والدبلوماسية قد تبرر حجب بعض التفاصيل، لكنها لا تفرض الغياب الكامل عن المجال العمومي، إذ يمكن تقديم حد أدنى من المعلومات يؤكد متابعة الحدث ويحد من الإشاعة من دون الإضرار بالمصلحة العامة.
وتقدم أزمة الهجرة نحو سبتة مثالاً واضحاً على دقة هذا التوازن، فقد تجاوزت الأحداث بعدها الحدودي المباشر، وتحولت إلى قضية إنسانية وأمنية وإعلامية ذات امتدادات دبلوماسية ودولية، ويمكن النظر إلى الأيام الأربعة التي سبقت صدور بلاغ وزارة الداخلية المغربية باعتبارها فترة احتاجت خلالها المؤسسات إلى جمع المعطيات وتدقيق الأرقام وتنسيق تدخلاتها، في ظل حدث سريع ومركب تتداخل فيه خصوصية المدينة المحتلة، وشبكات الهجرة غير النظامية، والأمن، والعلاقات المغربية الإسبانية.
غير أن هذه الفترة سمحت في المقابل للإعلام الإسباني والدولي ولعدد من الفاعلين السياسيين بطرح رواياتهم الخاصة عن الحدث، وتحديد أسبابه ومسؤولياته قبل ظهور الرواية الرسمية المغربية. وفي تواصل الأزمات، تتمتع الرواية الأولى بقدرة كبيرة على تشكيل الانطباع العام، لأنها تضع الإطار الذي تُقرأ داخله الوقائع اللاحقة، لذلك لا يتعلق التحدي فقط بدقة البلاغ الرسمي، بل أيضاً بقدرته على استعادة المبادرة وتصحيح الصور والانطباعات والهواجس التي تكونت خلال فترة الصمت.
ولا يمكن مع ذلك تقييم الصمت المؤسسي استناداً إلى مدته وحدها، فالأهم هو معرفة ما تحقق خلال تلك المدة، وما إذا كان التريث قد أتاح الوصول إلى معطيات أدق، وأسهم في تنسيق القرار ومنع تصعيد سياسي أو دبلوماسي، ثم ما إذا استطاع البلاغ اللاحق تفسير ما حدث وتحديد الإجراءات المتخذة وتقديم رواية متماسكة للرأي العام الداخلي والخارجي.
فالبلاغ الذي يأتي بعد الصمت لا يؤدي وظيفة إخبارية فقط، بل يمثل محاولة لإعادة تأطير الأزمة وتحديد معناها ومخاطبة جمهور متعدد، يشمل المواطنين ووسائل الإعلام والطرف المقابل والشركاء الدوليين.
وترتبط هذه المسألة مباشرة بالأمن والاستقرار والتنمية، فالأمن لا يتحقق بالضبط الميداني وحده بل يحتاج إلى تواصل يحد من الخوف ويواجه التضليل ويحافظ على الثقة في مؤسسات الدولة، كما أن الاستقرار لا يعني فقط غياب الاضطرابات بل يشمل قدرة المؤسسات على إدارة عدم اليقين وتقديم تفسير مقنع لقراراتها، أما التنمية فتتأثر بدورها بصورة الدولة ومصداقية مؤسساتها، لأن المستثمرين والشركاء والمواطنين يراقبون مدى قدرتها على التدخل والتنسيق والتواصل في اللحظات الصعبة.
لذلك لا ينبغي التعامل مع التواصل بوصفه وظيفة لاحقة للقرار الأمني أو الدبلوماسي، بل باعتباره جزءاً من صناعته، فاختيار توقيت الرسالة، وتحديد المتحدث، وضبط مضمون البلاغ، والتوفيق بين حق الجمهور في المعرفة ومقتضيات السرية، كلها عناصر تدخل في صميم تدبير الأزمة.
كما أن التواصل الفعال لا يعني كثرة التصريحات؛ فقد تكون الرسالة المقتضبة والواضحة أكثر فاعلية من سلسلة بيانات متسرعة أو متناقضة.
وخلاصة القول، لا تُقاس قوة المؤسسة بكثرة ما تصدره من تصريحات ولا بقدرتها على التزام الصمت، وإنما بحسن تقديرها للحظة التواصل، فإدارة الأزمات بعالية تقتضي التمييز بين ما يجب قوله فوراً وما يحتاج إلى التريث، وما ينبغي أن يظل محمياً بحكم المصلحة العامة.
وعندما يكون الصمت مقصوداً ومحدوداً زمنياً، ومسنوداً بالفعل، فإنه يؤدي وظيفة تواصلية واستراتيجية. أما إذا طال من دون هدف واضح أو خطة لإنهائه، فإنه يتحول إلى فراغ تواصلي يضعف حضور المؤسسة، ويفتح المجال أمام الآخرين لتفسير الأزمة وصياغة معناها وبناء سردية بالنيابة عنها.



