الصمت الذي لا يليق بحجم الفاجعة
لم تكن أحداث سبتة مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية، ولا حادثا حدوديا عابرا يمكن احتواؤه ببلاغ مقتضب أو بتجاهل محسوب، نحن أمام واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية والاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث.
عشرات الآلاف من الأشخاص اندفعوا خلال أيام قليلة نحو المدينة المحتلة، فيما ارتفعت الحصيلة الرسمية الإسبانية إلى حدود صباح الأحد، إلى 72 وفاة.
وبين تقديرات الحكومة الإسبانية التي تحدثت عن نحو 50 ألف داخل، وتقديرات سلطات سبتة التي رفعت الرقم إلى قرابة 60 ألفا، تظل الحقيقة الأثقل أن هذا العدد الهائل غادر بلده بحثا عن منفذ إلى مستقبل لم يعد يراه في وطنه.
قد تكون الشائعات التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي قد عجّلت بالاندفاع، وقد تكون حسابات سياسية أو أمنية قد فتحت الطريق أمامه، لكن الشائعة وحدها لا تدفع عشرات الآلاف إلى البحر، ولا تجعل شبابا وقاصرين يخاطرون بالغرق أو الدهس من أجل الوصول إلى مدينة يعرفون أنها محاصرة جغرافيا ولا تفتح تلقائيا أبواب أوروبا.
ما حرّك هؤلاء هو، في العمق، مخزون متراكم من اليأس وفقدان الثقة وانسداد الأفق، شعور بأن البلاد لم تعد تتسع لأحلامهم، وأن التعليم لا يضمن الارتقاء، والعمل لا يحفظ الكرامة، والسياسة لا تصغي، والمؤسسات لا تراهم إلا أرقاما موسمية.
الأقسى من الفاجعة هو الصمت. إلى حدود صباح الأحد، لم يصدر عن الحكومة المغربية موقف علني يشرح للمواطنين ما حدث، ولا حصيلة وطنية للضحايا والمفقودين، ولا كلمة مواساة للأسر، ولا إعلان عن تحقيق، ولا حتى اعتراف بأن ما وقع يرقى إلى كارثة وطنية، وظلت واجهة البوابة الرسمية للمغرب منشغلة بأخبار بروتوكولية واعتيادية، من دون إبراز الحدث الذي شغل العالم وتعلّق مباشرة بحياة آلاف المغاربة.
في المقابل، تحدث رئيس الحكومة الإسبانية، وتحركت المعارضة، وأعلن الملك فيليبي السادس قلقه واستياءه، واستدعت مدريد الجيش والأجهزة الأمنية، كما دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيلون ماسك ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ومسؤولون أوروبيون على خط النقاش، وتحولت سبتة إلى قضية دولية استدعت تحركات أوروبية طارئة. وحدها الرباط، صاحبة المواطنين والأسر والحدود، بدت وكأن الأمر لا يعنيها.
ولا يكفي القول إن أغلب الذين دخلوا سبتة عادوا إلى المغرب، لأن العودة لا تلغي السؤال الذي دفعهم إلى الرحيل، ولا تمحو صور الجثث والآباء الباحثين عن أبنائهم، كما لا يجوز اختزال الواقعة في ملف أمني أو مناورة دبلوماسية، مهما كانت الخلفيات المحيطة بها، فحين يصبح المواطن مادة ضغط أو رقما في نزاع سياسي، تكون الدولة قد خسرت قبل أن تربح أي نقطة تفاوضية، والأولوية كان ينبغي أن تكون لحماية الأرواح، ثم كشف الحقيقة، ثم مخاطبة المجتمع بوضوح ومسؤولية.
هذا الصمت ليس مجرد فشل في التواصل، بل امتداد للفشل الذي صنع المأساة، فالدولة التي لا تستمع إلى شبابها وهم أحياء، لا تجد ما تقوله حين يغامرون جماعيا بالموت، والحكومة التي لم تنجح في بناء الثقة، أو توفير فرص عادلة، أو إقناع المواطنين بأن المستقبل ممكن داخل البلاد، لا تستطيع معالجة الكارثة بالصمت، لأن الصمت هنا ليس حيادا، بل إلغاء للضحايا وإنكار للأسباب.
وفي لحظة سياسية تغرقها الحسابات الانتخابية، تبدو الخطب والوعود والبرامج بلا معنى إن لم تهز هذه الصور ضمير الدولة، فما قيمة الانتخابات حين يغادر عشرات الآلاف بلادهم دفعة واحدة؟ وما قيمة المؤسسات إذا لم تتحدث في لحظة الموت الجماعي؟
مهما تكن الخلفيات السياسية لما جرى، فإن الكلفة التي دفعها المغرب باهظة جدا، أرواح مَهدرة، وأسر مَكلومة، وصورة وطن بدا عاجزا عن احتضان أبنائه، ثم عاجزا حتى عن مخاطبتهم.
المواطن ليس تفصيلا في السياسة، رحمكم الله، بل هو غاية هذه السياسية ومعيار نجاحها الأول، وما حدث ويحدث، وبكل المقاييس، صمت لا يشرف الدولة ولا يليق بالمغاربة.




