الغاز مقابل المعارضين.. إسبانيا تعتقل معارضا جزائريا وتستعد لتسليمه رغم مخاطر التعذيب وأحكام الإعدام

 الغاز مقابل المعارضين.. إسبانيا تعتقل معارضا جزائريا وتستعد لتسليمه رغم مخاطر التعذيب وأحكام الإعدام
الصحيفة | بديع الحمداني
الجمعة 14 غشت 2026 - 14:41

أعاد اعتقال رجل الأعمال والإعلامي الجزائري المعارض أيوب عيسيو في إسبانيا إلى الواجهة ملفا حساسا يتعلق بطريقة تعامل مدريد مع طلبات الجزائر لتسليم معارضين يقيمون أو يطلبون الحماية في أوروبا، خصوصا في ظل سوابق شهدت ترحيل معارضين جزائريين رغم تحذيرات حقوقية من تعرضهم للتعذيب أو انتهاكات خطيرة بعد إعادتهم إلى بلادهم.

ووفق ما نشرته صحيفة "The Objective" الإسبانية، اليوم، الجمعة، فإن عيسيو، المالك السابق لقناة "Djazaïria One" والمعروف بمواقفه المعارضة للسلطات الجزائرية، اعتُقل يوم 25 يوليوز الماضي في مطار برشلونة "إل برات"، بناء على طلب صادر عن الجزائر، ووضع رهن الاعتقال في انتظار بت المحكمة الوطنية الإسبانية في مسطرة تسليمه.

وتطلب الجزائر استرداده في إطار اتهامات تتعلق بجرائم مالية، بينما يعتبر دفاعه أن القضية ذات خلفية سياسية مرتبطة بنشاطه الإعلامي وانتقاداته للسلطة الجزائرية.

وتزداد حساسية القضية لكون عيسيو غادر الجزائر إلى فرنسا سنة 2019، حيث تقدم بطلب للحصول على الحماية الدولية، قبل أن يجد نفسه معتقلا خلال وجوده في إسبانيا، الأمر الذي يطرح مجددا السؤال حول مدى أخذ السلطات الإسبانية بعين الاعتبار المخاطر التي قد يتعرض لها المعارضون للنظام العسكري الحاكم في حال إعادتهم إلى الجزائر.

ويرى معارضون جزائريون أن تكرار حالات تسليم وترحيل مطلوبين جزائريين من إسبانيا لا يمكن فصله عن شبكة المصالح الاقتصادية والطاقية التي تربط مدريد بالجزائر، ويذهب بعضهم إلى الحديث عن "مقايضة غير معلنة" تقوم على مراعاة إسبانيا للمطالب الجزائرية المتعلقة بمعارضيها مقابل الحفاظ على المصالح المشتركة، وفي مقدمتها إمدادات الغاز.

وتظهر بيانات شركة "إيناغاس" الرسمية أن الجزائر كانت سنة 2025 المورد الأول للغاز إلى السوق الإسبانية، بعدما وفرت نحو 35 في المائة من إجمالي الإمدادات، أي ما يعادل حوالي 128.5 تيراواط ساعة، وتؤكد هذه الأرقام حجم الترابط الطاقي بين البلدين وهو ما ينعكس على مصير المعارضين في الأراضي الإسبانية حيث أصبحت "مقايضتهم" أمرا معمولا به منذ سنة 2020.

هذا، وتزامن عدد من عمليات الترحيل المثيرة للجدل مع الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للجزائر في أمن الطاقة الإسباني، ومن إقدام مدريد في حالات موثقة على إعادة معارضين رغم التحذيرات الحقوقية من المخاطر التي قد تواجههم بعد وصولهم إلى الجزائر.

وفي غشت 2021، رحلت السلطات الإسبانية العسكري السابق والمعارض محمد عبد الله إلى الجزائر، بعدما كان قد لجأ إلى إسبانيا سنة 2018، وتؤكد صحيفة "The Objective"، التي تابعت القضية لاحقا، أن عبد الله كان واحدا من المعارضين الجزائريين الذين أعادتهم مدريد إلى بلادهم قبل قضية محمد بن حليمة.

أما الحالة الأكثر توثيقا حقوقيا فتتعلق بمحمد بن حليمة، وهو عسكري سابق وناشط شارك في حراك 2019 قبل أن يغادر الجزائر خشية الملاحقة، وقد رفضت إسبانيا طلب لجوئه، ثم رحلته إلى الجزائر مساء 24 مارس 2022، رغم التحذيرات التي صدرت بشأن المخاطر التي كان يواجهها.

ووصفت منظمة العفو الدولية، إلى جانب منظمات حقوقية أخرى، قرار إبعاده بأنه انتهاك لمبدأ "عدم الإعادة القسرية"، مؤكدة أن السلطات الإسبانية أقدمت على ترحيله رغم خطر تعرضه للتعذيب وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في الجزائر.

وتؤكد "هيومن رايتس ووتش" بدورها أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كانت قد حذرت من وجود خطر حقيقي وموثوق لتعرض بن حليمة للتعذيب إذا أُعيد إلى الجزائر.

وبعد ترحيله، أودع السجن وحوكم على خلفية نشاطه، قبل أن يُبلغ في ماي 2022 بأنه كان قد صدر في حقه حكم بالإعدام غيابيا من محكمة عسكرية عندما كان لا يزال في إسبانيا، وفي يونيو من السنة نفسها، صرح أمام المحكمة بأنه تعرض للتعذيب.

وبذلك، يمكن توثيق حالتين واضحتين على الأقل منذ سنة 2020 لمعارضين جزائريين بارزين رحلتهما إسبانيا إلى الجزائر، هما محمد عبد الله ومحمد بن حليمة، فيما تحدثت تقارير صحافية إسبانية عن حالات إضافية، دون توفر المستوى نفسه من التوثيق الحقوقي بشأن ظروف كل حالة وصفة أصحابها السياسية.

وقضية أيوب عيسيو مختلفة حتى الآن من الناحية الإجرائية، إذ لم يُسلّم بعد إلى الجزائر، والمسألة ما تزال أمام القضاء الإسباني، غير أن السابقة التي يمثلها ملفا محمد عبد الله ومحمد بن حليمة تجعل القرار المنتظر محط اهتمام، خاصة إذا أثبت دفاعه أن عودته قد تعرضه لخطر الاضطهاد أو المعاملة غير الإنسانية.

والسؤال الذي تطرحه القضية يتجاوز شخص عيسيو نفسه إلى طبيعة التوازن الذي تقيمه إسبانيا بين مصالحها الاستراتيجية مع الجزائر والتزاماتها الأوروبية والدولية في مجال حقوق الإنسان.

فالعلاقات بين البلدين تقوم على مصالح اقتصادية وطاقية كبيرة، والجزائر شكلت سنة 2025 المصدر الأول للغاز بالنسبة إلى إسبانيا، لكن هذه المصالح لا تعفي مدريد، قانونيا، من الالتزام بمبدأ عدم إعادة أي شخص إلى بلد يواجه فيه خطرا حقيقيا بالتعذيب أو الاضطهاد.

The comments are closed in this post

البوليساريو تحت التاج الإسباني

ليس أكثر إثارة للمفارقة من أن يحتفي أنصار حَركة تُقدم نفسها منذ نصف قرن باعتبارها "حركة تحرر" بقانون يمنح أبناءها جنسية الدولة التي كانت القوة الاستعمارية في إقليم الصحراء، كما ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...