الفرص المُتاحة لحل ملف الصحراء
تعد التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، لا سيما مع الحرب في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لحظة فارقة تضع ملف الصحراء أمام فرصة تاريخية للحل النهائي وفق التغيرات الجيوسياسية التي تحدث في المنطقة ورؤية القوى الدولية للمناطق الساخنة التي بدأت تشكل تهديدا للاستقرار العالمي.
الأحداث المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، أو حتى في شرق أوروبا بعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لم تعد تسمح بوجود مناطق نزاع هشة قد تتحول إلى "ثغرات أمنية" تستغلها القوى المزعزعة للاستقرار العالمي، وهو ما بدأت تستوعبه الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أكثر عمقا، في حين يرى الاتحاد الأوروبي أن حل ملف الصحراء هو "ضرورة ملحة"، مما جعل واشنطن وبروكسل تنتقلان من مرحلة "تدبير النزاع" إلى مرحلة "الحسم فيه"، وذلك لضرورة تحصين الجبهة الأطلسية والمتوسطية من أي اختراق جيوسياسي معاد، أو فوضى في شمال إفريقيا غير مرغوبة.
وشكل القرار الأممي لجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، نقطة تحول مفصلية في المسار الدبلوماسي، حيث أنهى عمليا "سردية الاستفتاء" التي تجاوزها الزمن، معتمدا مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأرضية وحيدة وجادة لأي تفاوض مستقبلي.
هذا التدقيق الأممي الجديد في مفاهيم الحل لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان إعادة صياغة شاملة للملف حظيت بدعم لافت وحاسم من واشنطن حاملة القلم في قرارات مجلس الأمن المتعلقة بملف الصحراء.
في ذات السياق، دعّمت العواصم الأوروبية المبادرة المغربية التي ترى فيها الخيار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، والضامن الوحيد لاستقرار الضفة الجنوبية للمتوسط. هذا الموقف الأوروبي الجماعي عكس إدراكا عميقا بأن استمرار نزاع الصحراء يعيق بناء شراكة أورو-مغاربية قوية، ويترك المنطقة عرضة لتدفقات الهجرة غير النظامية وتغلغل الجماعات المتطرفة، ويجعل منطقة المتوسط مفتوحة على خيارات غير متوقعة بفعل هشاشتها الأمنية وخلافاتها السياسية.
ويبدو أن حرب الشرق الأوسط عززت القناعة لدى القوى الكبرى بضرورة تقليص بؤر التوتر وطي الملفات العالقة التي كانت لعدة عقود بمثابة خزان استراتيجي تستفيد منه بعض القوى الدولية لابتزاز المجتمع الدولي أو مد نفوذها.
في هذا السياق، برز التوجس الغربي، والأمريكي على وجه الخصوص، من محاولات التوغل الإيراني الممنهج في منطقة شمال إفريقيا عبر التحالف مع النظام الجزائري، وهو التحالف الذي بدأ يمتد ليشمل تونس في ظل حكم قيس سعيد، مهددا بإنشاء "هلال عدم استقرار" جديد في منطقة شمال إفريقيا.
هذا المحور غير المعلن، الذي يسعى لنقل نماذج "الحروب بالوكالة" إلى مشارف أوروبا، جعل واشنطن وبروكسل تدركان أن ترك منطقة شمال إفريقيا رهينة لملف الصحراء هو بمثابة الجلوس على "قنبلة جيوسياسية" قد تنفجر في أي لحظة لتشكل تهديدا كاسحا للأمن القومي الغربي.
في إطار هذا الإدراك، تنتهج الولايات المتحدة حاليا "خريطة طريق" واضحة تعتمد استراتيجية "العصا والجزرة" بصرامة غير مسبوقة، فهي من جهة تدعو إلى مفاوضات مباشرة بين المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو لحل الملف على أساس الحكم الذاتي، ومن جهة أخرى، وضعت أمام النظام الجزائري خيارات صعبة في حال استمرار التعنت.
وتتجلى "العصا" الأمريكية في التلويح الجدي بورقة تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، بالنظر إلى ارتباطاتها المشبوهة مع أذرع إيرانية وجماعات تنشط في الساحل والصحراء، وما يترتب على ذلك من عقوبات دولية قاسية ستطال بالضرورة الكيانات الداعمة والجهة الحاضنة لها، مما يضع الجزائر في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي.
بالمقابل، وضعت واشنطن أمام الجزائر "جزرة" سياسية واقتصادية مغرية للخروج من "مأزق البوليساريو" التاريخي، ويشمل هذا العرض فتح آفاق واسعة للتعاون العسكري والتكنولوجي، وتقديم صفقات تسليح أمريكية متطورة تنهي الارتباط العضوي بالترسانة الروسية التي أثبتت محدوديتها في النزاعات الحديثة.
هدف واشنطن من هذا العرض هو دمج الجزائر في المنظومة الغربية الحديثة عوض بقائها حبيسة تحالفات "الدومينو" المتهالكة مع أنظمة مثل فنزويلا وكوبا، وإيران، وكوريا الشمالية.. وهي تحالفات باتت مرفوضة ومنبوذة دوليا ولا تقدم للشعوب سوى العزلة والفقر والاستنزاف.
في مقابل ذلك، يبدو أن الجزائر بدأت تدرك أن القوى الكبرى التقليدية الدعامة لها، ونعني هنا روسيا والصين، غير مستعدتين إطلاقا للدخول في مواجهة سياسية أو دبلوماسية صدامية مع واشنطن، أو حتى التضحية بعلاقاتهما الاستراتيجية والاقتصادية المتنامية مع الرباط، من أجل ملف بات يُصنف في أدبيات سياستهما الخارجية كقضية "هامشية" لا تخدم مصالحهما الحيوية في المدى البعيد.
فروسيا، المستنزفة في جبهات قريبة من أمنها القومي، والصين، الطامحة لتوسيع نفوذها الاقتصادي عبر بوابة "الحزام والطريق" التي يشكل المغرب فيها حلقة وصل ذهبية، تدركان أن زمن الاصطفافات الإيديولوجية المجانية قد ولى.
هذا الفتور في الدعم "الاستراتيجي" بدأ ينعكس بوضوح على قراءات صانع القرار في الجزائر، الذي بدأ يدرك أن المراهنة على الفيتو الروسي أو الدعم الصيني المطلق في ملف الصحراء بات رهانا خاسرا ومكلفا.
ومع استيعاب النظام العسكري الحاكم في الجزائر أن عزلته تتزايد مع التطورات الدولية، وحلفاء النظام التقليديين يتبنون لغة "الحياد الإيجابي" أو يكتفون ببيانات فضفاضة، بدأت الجزائر من خلال "إدراك متأخر" إعادة ترتيب خياراتها وتأمل العروض الدولية المطروحة أمامها مخافة أن تجد نفسها وحيدة في مواجهة تداعيات دولية قد تعصف باستقرارها الداخلي في حال استمرار التمسك بجبهة "البوليساريو" كحجر عثرة أمام أي تسوية محتملة.
فواشنطن والاتحاد الأوروبي أصبحا على اقتناع تام بأن كلفة استمرار النزاع باتت أكبر بكثير من كلفة إنهائه، والعالم اليوم يعاد تشكيله وفق تكتلات اقتصادية وأمنية كبرى، ولا مكان فيه للكيانات الوهمية أو النزاعات الحدودية المفتعلة، والفرصة اليوم سانحة لإنهاء هذا الملف بـ "منطق رابح- رابح" بدون أي "خاسر"، والحل سيمكن دول المنطقة من الاستثمار في مستقبل مشترك، بعد نصف قرن الاستنزاف.



