القائد السابق لشرطة البوليساريو لـ"الصحيفة": قيادة الجبهة تبحث عن أي "إنجاز" لتسويقه بعد قرار مجلس الأمن 2797
تبنت جبهة "البوليساريو" الانفصالية، زوال أمس الثلاثاء 5 ماي 2026، هجوما انطلاقا من شرق الجدار الأمني استهدف محيط مدينة السمارة، عبر إطلاق ثلاث مقذوفات سقطت في مناطق متفرقة، من بينها نقاط قريبة من السجن المحلي، دون أن يخلف ذلك تأثيرا ملموسا على الوضع العام.
الهجوم، الذي أعلنت الجبهة تبنيه بشكل صريح بعد ساعات قليلة على تنفيذه، أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة هذه العمليات المتكررة، غير أن المعطيات الميدانية وسوابق مماثلة تؤكد أن الأمر لا يعدو كونه تحركات معزولة تندرج ضمن محاولات دعائية أكثر منها عمليات ذات أثر عسكري حقيقي، خاصة في ظل محدودية الوسائل المستعملة وغياب أي نتائج ملموسة على الأرض.
وتندرج هذه العملية ضمن سلسلة من الحوادث المشابهة التي استهدفت المدينة خلال السنوات الأخيرة، حيث سبق أن شهدت السمارة في يوليوز 2025 إطلاق أربعة مقذوفات سقط بعضها قرب منشآت مدنية وأخرى بمحاذاة مواقع تابعة لبعثة الأمم المتحدة "المينورسو"، دون تسجيل خسائر بشرية، باستثماء الخجمة التي نفذتها بتاريخ 29 أكتوبر 2023 و أسفرت عن مقتل شخص واحد مدني وإصابة 3 آخرين، في سياق تزامن آنذاك مع مناقشات مجلس الأمن حول تجديد مهمة البعثة الأممية.
ورغم تكرار هذه العمليات، فإنها لم تُحدث أي تحول في موازين القوى أو في طبيعة التعاطي الدولي مع النزاع، بل ظلت في حدودها الرمزية، وهو ما يعزز الطرح القائل بأنها تحركات ظرفية ذات طابع إعلامي، لا ترقى إلى مستوى التأثير الاستراتيجي، وهو ما اتضح جليا مع صدور قرارات أممية داعمة للمقترح المغربي وتناسل الموتقف الدولية المؤيدة للحكم الذاتي في الصحراء.
وفي هذا السياق، قدم مصطفى سلمة ولد سيدي مولود، القائد السابق لشرطة جبهة "البوليساريو" والمقيم حاليا في موريتانيا كلاجئ سياسي، قراءة للهجوم في تصريح خص به "الصحيفة"، اعتبر فيه أن الحدث عادي وسبق أن تكرر مرات في هذه الفترة من العام، موضحا أن توقيته يرتبط برمزية تاريخية داخل الجبهة، باعتبار أنها تأسست في 10 ماي وأطلقت أول رصاصة في 20 ماي 1973، ما يجعل مثل هذه العمليات أقرب إلى محاولات تخليد رمزي أكثر منها تحركات عسكرية نوعية.
وأوضح المتحدث أن قيادة الجبهة تجد نفسها "واقعة بين نارين"، يتمثل الأول في ضغط الشارع داخل المخيمات نتيجة ما وصفه بتواصل الانتكاسات على مختلف الصعد، وهو ما يدفعها إلى البحث عن أي "إنجاز" لتسويقه قبيل المؤتمر العام المرتقب نهاية السنة، مضيفا أنه ليس لديهم غير استمرار تسويق فكرة "الكفاح المسلح"، وأن مقذوفات السمارة توحي بأن القيادة تحاول الإيحاء باستمرار هذا الخيار.
أما "النار الثانية"، وفق المتحدث ذاته، فتتجسد في ضغط المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة التي تضطلع بدور الوساطة، ولا ترغب في رؤية "أفعال متطرفة كهذه في ظرفية وساطتها"، معتبرا أن هذه التصرفات تعطي انطباعا بعدم رغبة الجبهة في السلام، وقد تعرضها لعواقب أو ضغوط إضافية.
وسجل القيادي السابق أن هناك عاملا آخر يتمثل في التغييرات التي طالت القيادة العسكرية للجبهة مؤخرا، حيث تم تعيين حمة سلامة قائدا لما يسمى "أركان الحرب" قبل نحو شهرين، وهو شخص يطمح لخلافة غالي ويحتاج إلى تسويق إنجازات شخصية قبيل المؤتمر، ما قد يفسر، بحسبه، اللجوء إلى مثل هذه العمليات المحدودة.
وفي تقييمه لطبيعة الهجوم، شدد ولد سيدي مولود على أنه ليس استثنائيا ولا نوعيا، بل هو نسخة طبق الأصل لما حدث من قبل، من حيث نوعية الصاروخ الذي اعتبره من بقايا الحرب الأولى ودرجة التأثير، في إشارة واضحة إلى محدودية الوسائل المستخدمة وغياب أي تطور في القدرات العسكرية للجبهة.
كما أبرز أن استهداف السمارة يظل سهلا من الناحية الجغرافية، نظرا لقربها من الجدار الأمني، وصعوبة مراقبة المنطقة المقابلة شرق الحزام، إضافة إلى قربها من الحدود الموريتانية، ما يسهل انسحاب المنفذين، وهو ما يفسر تكرار هذه المحاولات دون أن يعني ذلك امتلاك قدرة حقيقية على إحداث تغيير ميداني.
وفي مؤشر اعتبره إيجابيا، أشار المتحدث إلى أن تكرار القصف بهذا الشكل يؤكد أن الجزائر ما زالت تمتنع عن تسليح الجبهة، معتبرا أن ذلك يخدم استقرار المنطقة ويحد من احتمالات التصعيد الواسع.
وعلى مستوى التأثير السياسي، رجح القيادي السابق في "البوليساريو" أن يظل أثر هذه العمليات محدودا، بالنظر إلى أن الهدف الرئيسي للوسطاء الدوليين يتمثل في الدفع نحو توافقات بين الأطراف، وهو ما يتطلب قدرا من سعة الصدر تجاه أحداث من هذا النوع، خاصة عندما تكون بلا تأثير فعلي على الأرض.
وتأتي هذه التطورات في سياق دينامية دولية متسارعة يشهدها ملف الصحراء، تتسم بتنامي الدعم للمقترح المغربي القاضي بمنح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية، باعتباره حلا واقعيا وذا مصداقية، حيث يعكس القرار الأممي 2797 هذا التوجه، من خلال تأكيده على أهمية الحلول السياسية الواقعية والتوافقية، في مقابل تراجع الطروحات الانفصالية التي لم تعد تحظى بنفس الزخم الدولي.




