المسؤولية التاريخية للمغرب في بناء الاستقرار بـ"منطقة الساحل الإفريقي"

أغلب دول الساحل الإفريقي لم تستطع بَعدُ بسط سلطتها على كامل ترابها، أمام توسع توظيف تمويلات بعض الدول الخليجية، إضافة إلى التدخل الجزائري والإيراني في العديد من الدول ضمن أساليب الصراع والتنافس على بسط النفوذ على القارة الفقيرة في بِنية دولها، والغنية بثرواتها الطبيعية، والاستراتيجية.

والملاحظ أن أغلب الدول الإفريقية، جنوب الصحراء، تقابل هذا التدخل بـ"الترحاب" بفعل هشاشة بنيتة المؤسسات، وثقافة مجتمعات دول الساحل الفقيرة والمهشمة، الأمر الذي يُضع المغرب في تحدٍ كبير لترتيب أوراقه وبسط نفوذه في عمقه الإفريقي ضمن صراع أصبح يُفرض عليه من طرف دول نفطية غنية تضع ميزانيات ضخمة لتنفيذ استراتيجياتها الخارجية.

وبالرغم من المَجهود الكبير الذي بذله المغرب خلال السنوات الماضية لخلق جسور تعاون جنوب/جنوب في القارة وفق منطق رابح/رابح، فإن التحديات مازالت كبيرة لتضمن المملكة أمنها القومي في العمق الإفريقي، ومصالحها الجيوسياسية، فضلا عن الرفع من درجة حماية حدود المغرب الجنوبية، والجنوبية الشرقية، وتوفير الوسائل الضرورية من أجل تعمير مناطقه المتاخمة لموريتانيا، وتشجيع السكان على الإقامة فيها خاصة منها  المحادية لمنطقة لكويرة.

ويُواجه المغرب مَخاطر كبيرة التصدي للسياسات العدائية التي تستهدف عزله عن عمقه الصحراوي وقطع شريانه مع إفريقيا، وهو ما يتطلب القيام بعدة إجراءات ثقافية، واقتصادية، وسياسية، لعلّ أهمها، إعادة ربط شعوب المنطقة بالإرث الحضاري المشترك، والعمل على استحضار الدور المركزي والريادي الذي لعبه المغرب في تاريخ منطقة غرب إفريقيا وفي سَاحل القارة خصوصا، وكيف تحمل طيلة قرون نقل مكتسبات الحضارات المتوسطية إلى هذا الجزء من إفريقيا.

عوامل من بين أخرى يمكن أن تدعم حضور المغرب في هذه الدول، وهو ما يدعو يَدعو الفاعلين في المجتمع المدني المغربي، ومؤسسات الدولة المختصة، للقيام بتفسير التاريخ والجغرافيا وفق وعي ذاتي، يوضح على المستوى النفسي تميّز العنصر المغربي عبر القرون الماضية، والبحث عن كيفية تطوير وتوظيف الموروث التاريخي والثقافي والديني (خاصة الزوايا) في الدفاع عن القضايا الوطنية، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية، للوصول إلى مكانة "مركز" متميزة ، على مسافة واحدة من الجميع.

شواهد من التاريخ المشترك 

في الوقت الذي تُرسَم تحديات كبيرة على المملكة التي تفرضها المتغيرات الدولية، يمكن استحضار شواهد التاريخ المشترك، لبناء المستقبل مع العديد من الدول الإفريقية. فقد كان المؤرخون القدماء يَعتبرون منطقة السودان الغربي منطقة مغربية، أو مجالا مغربيا ولو في حالة ضعف سلطة الدولة، ليس فقط بحكم الهجرة الصنهاجية والعربية القادمة من المغرب، ولكن أيضا بحكم العادات والتاريخ المشترك وغيره، فصاحب كتاب "تاريخ السودان" عبد الرحمن السعدي الذي عاش في تنبكتو في القرن السابع عشر الميلادي يقول: "ملي (مالي) إقليم كبير واسع جدا في المغرب الأقصى إلى جهة  البحر المحيط"، ويقول أيضا: "وتلك عادة السودان أهل المغرب لا يدفنون أمواتهم إلا في رحاب مساجدهم وجوانبها".

وبَعد فتح تلك المنطقة من جديد في عهد دولة السعديين، أصبح اللسان المغربي الدارج مع بعض التعابير الاسبانية أو الزنجية أو الأمازيغية شائعا في التخاطب، ودخلت تقاليد الحكم والإدارة للمجتمع الإفريقي الغربي وأساليب البناء والزراعة والطبخ، وفراش البيوت وهندسة العمران، كما أن نزوح الصناع والعلماء والتجار والدعاة المغاربة إلى المنطقة، ساهم في نشر الأسلوب المغربي الأندلسي في مختلف المناحي، وأثر في تبديل أغلب الأسس التي قامت عليها حضارات غانا ومالي والسنغاي من قبل.

كما توجه إلى المنطقة أنذاك، آلاف المغاربة من عمال وفلاحين وفقهاء ومهندسي البناء، والغالبية بقيت في المنطقة وتناسلت، وكان هناك مائة وثمانون حاكما لمنطقة السودان الغربي خلال التواجد المغربي سموا بالبشاوات والكواهي، ويطلق عليهم أيضا إسم الرمى، حيث يَنتسبون كلهم تقريبا لعائلات مغربية معروفة في مراكش ودرعة وفاس وسلا، حكموا بإسم سلاطين المغرب أو بإسم الجيش المغربي، مع الاستمرار في الدعاء للسلطان في المساجد.

وعندما وصل العلويون إلى السلطة عادت البيعة لهم، ولقّب كل ملك نفسه في مراسلاته مع الأوروبيين، بلقب "عاهل جاو وغينيا"، بل كان المشايخ والزعماء المحليون يخاطبوهم  بِتلك الصفة، كما هو الأمر مع شيخو أحمدو، زعيم قومية الفولان (زعيم شعب الفولان، أسس دولة  في منطقة ماسينا، في مطلع القرن التاسع عشر، وجعل مركزها في وادي نهر النيجر، وكانت عاصمتها مدينة "حمد الله" وقد بلغ امتداد مملكته من مدينة تمبكتو إلى مدينة جني في شمال مالي وتوفي سنة  1844م)، الذي كان يُراسل السلطان المغربي بـ "سلطان الغرب ومراكش والبلاد التابعة له في تمبكتو وأروان وبوجبيهه وتاوديني وسوس القريبة والبعيدة وتوات".

وقد ذكر الباحث محمد الغربي في كتابه "بداية الحكم المغربي في السودان الغربي"، أنه وجد في تنبكتو في خزانة خاصة سبع رسائل مختومة بطابع السلطان مولاي عبد الرحمان العلوي تخص الفترة 1849- 1860م، موجهة لعامله على الصحراء والسودان، كما وجد رسائل من السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان أرسلها سنة 1860م إلى عامل هذه المناطق، يُخبره بتسلمه الهدية التي أرسلت إليه، وأخرى سنة 1869م إلى عامله حول خلاف بين أفراد قبيلة في بلاد شنقيط، حيث تأخر وصول الرسول لفك النزاع، مما يؤكد استمرار وجود عامل السلطان على تلك النواحي إلى منتصف القرن التاسع عشر.

وطيلة هذه العهود، ومنذ دولة السعديين، كان نظام البريد يُغطي مجموع المجال الجنوبي، حيث يصل إلى تنبكتو وغيرها، وقد جدد العلويين هذا النظام بإقامة مراكز في الواحات وعبر المسالك التي تعبرها القوافل، كما أن النظام النقدي ومكيال الوزن، كان هو نفسه في جميع المناطق، حيث كانت العمليات التجارية تتم بالعملة المخزنية من طنجة إلى السنغال جنوبا، باستعمال نفس وحدات القياس المستعملة في كل مدن المغرب، وهي المثقال والأوقية التي لازالت مستعملة إلى الآن في موريتانيا، والفلس والريال ووحداته والدرهم، فقد كان التجار يرفضون أي عملة غير العملة المخزنية في جميع هذه الربوع، كما كانت تستعمل كوحدات للقياس والميزان القلة والذراع والمد والقامة والخروبة والرطل…الخ. ولم تعرف هذه المناطق استعمال الكيلو غرام والمتر وغيره بشكل واسع، إلا مع دخول الاستعمار الغربي.

وبعد وصول الفرنسيين إلى المنطقة،التحق مبعوث باشا تنبكتو بفاس في نهاية القرن التاسع عشر، ليطلب من المولى الحسن الأول إرسال الجيش المغربي لإنقاد جزء من مملكته، وقد أرسل السلطان رسائل يخبر فيها أهل الحل والعقد بتنبكتو، بأنه يُفاوض الفرنسيين ليرفعوا أيديهم عن رعاياه". 

وقد ظلت المنطقة  تابعة للباشوات المغاربة حتى تكونت دولة شيخو أحمدو التكرورية حول باماكو، تلك التي استمرت تحكمها إلى أن هاجمت فرنسا عاصمتها سيجو سنة 1890م، وانكسر آخر حاكم مغربي بمنطقة أزواد، ويدعى الكاهية محمد الرامي. أمام الجيش الفرنسي وقدم مفتاح تمبكتو سنة 1894م، وبقيت المناطق الشمالية في مالي بعيدة عن حكم الفرنسيين حتى سنة 1899م، ولم تتم السيطرة عليها بشكل نهائي إلاّ في سنة 1902م حيث أعطت فرنسا للمنطقة إسم "السودان الفرنسي"، الذي ظل تابعا لها حتى سنة 1959م، حيث حل "اتحاد مالي" محله، إلى أن برزت بإسم "جمهورية مالي" سنة 1961م.

وعندما قرر الاستعمار الفرنسي الخروج من المنطقة في مطلع ستينيات القرن الماضي، كانت هناك رسالة موقعة من طرف 377 شخصية أزوادية، تطالب الرئيس الفرنسي آنذاك الجنرال ديجول، بأن لا يلحق إقليم أزواد بدولة مالي، نظرا للخلافات والاختلافات الجغرافية والعرقية والثقافية، وقد طالبت الرسالة باستقلال ذاتي، وفي حالة تعذر ذلك طالبت بإلحاق إقليم ازواد بالمملكة المغربية، لأن نفوذ العرش العلوي كان يمتد لتلك المناطق في تلك الفترة، غير أن الفرنسيين تجاهلوا الطلب وألحقوا إقليم أزواد بجمهورية مالي.

 طبيعة الدور المركزي  للمغرب في المنطقة 

إن الحكم المغربي في منطقة الساحل الإفريقي امتد لثلاثة قرون كاملة، وأوجد حضارة مغربية زنجية متميزة، بفضلها تطور زهاء سبع مساحة إفريقيا وعشر سكانها أنذاك.  ولازالت العديد من القبائل التارقية، والعربية تعتز بأصولها المغربية، بل إن الطوارق في الصحراء الكبرى يعتبرون  أن "الملكة  تينهنان" الأم الروحية  لشعبهم تنحدر من منطقة  تافيلالت المغربية، ومنهم من لا يزال متمسكا ببيعته للعرش العلوي. 

كما أن ارتباط المغرب التاريخي والديني والاجتماعي والمجالي بمنطقة الساحل الإفريقي عميق جدا، الأمر الذي يتطلب منه عدم التعامل مع المخاطر القائمة في المنطقة من زوايا الجريمة المنظمة والإرهاب القادم من بعض دول الساحل، أو من خلال منطلق مقاربة أمنية صرفة كغيره من الدول الأخرى، بل وفق إستراتيجية تعي مخاطر إضعاف وقطع روابطه بمجاله الطبيعي والحيوي، وتستحضر دوره التاريخي، والروابط الاجتماعية والثقافية والدينية التي تجمعه مع منطقة الساحل الافريقي، ودول غرب إفريقيا عموما، والتي لا يمكن أن تمنعها الحدود التي وضعها الاستعمار الغربي، أو تعرقلها سياسات بعض دول الجوار التي تعي جيدا عمق مكانة المغرب الحضارية في المنطقة.

*باحث في العلاقات الدولية

الخميس 0:00
غيوم متفرقة
C
°
17.33
الخميس
20.94
mostlycloudy
الجمعة
21.19
mostlycloudy
السبت
20.38
mostlycloudy
الأحد
20.14
mostlycloudy
الأثنين
19.03
mostlycloudy