المسيرة الخضراء.. قصّةُ خطة سرية استعاد بها الحسن الثاني الصحراء وقطع من خلالها خطط فرانكو لإجراء استفتاء

قبل 46 سنة، وتحديدا يوم 6 نونبر 1975، كان المغرب على موعد مع لحظة مفصلية في تاريخه ستمتد تأثيراتها عليه وعلى محيطه الإقليمي كله إلى اليوم، وذلك عندما اتجه 350 ألف شخص إلى عمق الصحراء في أكبر تحرك بشري سلمي في العصر الحديث من أجل إثبات انتماء تلك الأقاليم القاحلة حينها، التي كانت تمثل وجها من أوجه تقاسم القوى الاستعمارية لجغرافيا القارة الإفريقية، إلى المملكة الأم، لكن تلك اللحظة وكما أنها لم تكن النهاية، فهي أيضا لم تكن نقطة البداية.

أطماع إسبانية قديمة

الحال، أن الأطماع الإسبانية في الصحراء بدأت في القرن الثامن عشر، بسبب ازدهار تجارة العبيد القادمين من أوروبا في اتجاه شبه الجزيرة الإيبيرية أو مستعمرات إسبانيا في القارة الأمريكية، حيث كان الهدف هو إنشاء موانئ لنقلهم من هناك إلى مواطنهم الجديدة، لكن الأمر سيتغير بعد ذلك إثر اكتشاف الإسبان للإمكانيات الاقتصادية التي تزخر بها المنطقة ذات السواحل العذراء المليئة بالثروة السمكية والموارد الباطنية التي تغطيها الرمال.

ويفسر هذا الأمر إصرار إسبانيا في مؤتمر برلين سنة 1884 على نيل على الجزء من الأراضي الخاضعة للسيادة المغربية، مستغلة قلة عدد السكان وبُعد المنطقة عن مركز الحكم السلطاني لتروج إلى أنها ستضع يدها على منطقة قاحلة لا ناس فيها ولا يملكها أحد، وفي 1934 وبعد قيام الجمهورية الثانية، ستُقرر الحكومة منح المنطقة صفقة الإقليم الإسباني، لكن تطورات كثيرة ستعقب ذلك أبرزها اشتعال الحرب الأهلية سنة 1936 بين القوميين والجمهوريين.

بعض المستعمرين الإسبان بمدينة العيون التي كانت تحت سلطة مدريد منتصف القرن الماضي

وفي 1939، وبعد أن حُسم الحكم لفائدة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، المشغول حينها إعادة بناء البلاد وفرض سيطرته على جميع مفاصل الدولة تزامنا مع بداية الحرب العالمية الثانية، ستعود إسبانيا إلى المغرب من أجل إضفاء نوع من الشرعية على احتلالها للصحراء مستغلة مبايعة قبائل المنطقة للسلاطين المغاربة وارتباطهم بهم دينيا وسياسيا، حيث ستطلب مساعدة القصر في اختيار حكام الأقاليم وهي العملية التي شارك فيها أحمد بلبشير الحسكوري، الذي كان بمثابة رئيس للوزراء حينها، وكان هؤلاء الحكام، رغم كونهم إسبانًا يعلنون سنويا الولاء للسلطان.

بداية مطالب التحرر

لكن بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية سترتفع حدة المطالب التحررية في العالم، وكان الأمر في المغرب أكثر تعقيدا بالنظر لتقاسمه من طرف فرنسا وإسبانيا والنظام الدولي في طنجة، لينطلق الاستقلال التدريجي في 1956 ومباشرة بعدها، وتحديد عام 1957 سيصدر عن المملكة أو مطلب صريح بإنهاء استعمار الأقاليم الصحراوية وضرورة إعادتها للسيادة المغربية، سيتلوه في 1965 مطلب من الأمم المتحدة بإنهاء الاستعمار في الصحراء.

ومنذ ذلك التاريخ، دخل الملك الراحل الحسن الثاني في مفاوضات مع نظام فرانكو من أجل إيجاد حل للمسألة، وهو ما كان يُقابل بالرفض تارة وبشروط تُفقد الاستقلال مضمونة تارة أخرى، إذ كانت إسبانيا تريد الإبقاء سيطرتها الاقتصادية والعسكرية في العديد من المواقع، لكن هذا الأمر سيتغير تدريجيا مع تقدم الجنرال في السن، وانشغاله بمرحلة ما بعد رحيله. وفي 1974 ستعلن الحكومة الإسبانية عن قرار سيُحول وجه الصراع 180 درجة، وذلك حين أعلنت عن نيتها إجراء استفتاء لتقرير المصير في الصحراء.

الحسن الثاني رفقة الجنرال فرانكو

لم تكن هذه الخطوة بالنسبة للحسن الثانية تهديدا للسيادة المغربية المستقبلة على الأقاليم الجنوبية فحسب، بل كانت تعني أيضا حصارا كاملا على ما سيتبقى من التراب المغربي من طرف خصومه الإيديولوجيين، سواء الجزائر التي كانت حينها تحت حكم هواري بومدين، أو جبهة "البوليساريو" التي احتضنتها الجزائر وليبيا ودعمها الاتحاد السفياتي منذ تأسيسها في 1973، الأمر الذي جعله يعلن العداء الصريح لفكرة "تأسيس دولة" في المنطقة.

الانفصال المُحرَّم

ويبرز هذا التوجه في حديث في لقاء الحسن الثاني بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، في 15 أكتوبر 1974، والذي يوثقه تقرير نشره الأرشيف الرسمي الأمريكي، إذ يقول الملك الراحل إنه أخبر لوبيث برافو، وزير الخارجية الإسباني خلال الفترة ما بين 1969 و1973، بأنه يفضل رؤية الإسبان في الصحراء على أن يوافق على انفصالها، ثم وجه كلامه لكيسنجر قائلا: "وجود دولة في الصحراء بمثابة قبول الولايات المتحدة بوجود صواريخ سوفياتية في كوبا".

وجاء في الوثيقة أن الحسن الثاني قال للمسؤول الأمريكي "إذا تحركت إسبانيا لمنح الاستقلال للصحراء، فأنا أخبرك بصريح العبارة، أنه إذا أُعلن استقلال الصحراء في العاشرة صباحا، سأحرك قواتي لدخولها في الحادية عشرة"، وتابع "إذا منحت إسبانيا الاستقلال لتلك المنطقة فسيكون المكان مليئا بالثوار الروس والصينيين في غضون سنتين، الإسبان سيعودون إلى بلدهم أما المغرب فسيكون محاطا بالبحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي، وبالجزائر والجزائر ثم الجزائر من الجوانب الثلاثة الأخرى".

قرار "ملغوم" من لاهاي

لكن النقطة المفصلية التي دفعت الحسن الثاني إلى التحرك ميدانيا في الصحراء، لم تكن قرار إسبانيا وإنما خيبة الأمل التي خلفها قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي الهولندية، فالملك كان على ثقة من أن القضاء سيحسم الأمر للمغرب، هذا ما قاله لكيسنجر وهو يحدثه عن أن السجل الرسمي الفرنسي لسنة 1955 كان يشير إلى أن مدن الصحراء كانت تدار من طرف الإدارة المركزية المغربية، غير أن الأمر لم يكن بهذه البساطة.

وبعد جلسات طويلة امتدت ما بين 25 يونيو و30 يوليوز 1975، صدر الرأي الاستشاري للمحكمة في 16 أكتوبر 1975، والذي كان في جزء منه في صالح الطرح المغربي، حيث اعترف بوجود روابط بيعة من طرف شيوخ القبائل للسلاطين المغاربة، كما أكد ارتباط التجمعات السكانية هناك اقتصاديا وسياسيا بالمغرب، إلا أنه اعتبر أن ما تستند عليه الرباط من وثائق ودلائل لا تكفي لحسم سيادته على الصحراء ولا تتعارض ومبدأ تقرير المصير في المنطقة.

بداية الفكرة

أصبح هذا الموضوع يؤرق بال الحسن الثاني، الذي كان تأسيس دولة في الصحراء بالنسبة له أمرا مستحيلا، الذي كان يفكر في الحل البديل قبل صدور رأي المحكمة الدولية، وهو ما يؤكده في حواراته مع الصحافي الفرنسي "إيريك لوران" التي صدرت في كتاب "ذاكرة ملك"، ففي يوم 19 غشت 1975 كان العاهل المغربي يُعد خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، حين انتبه إلى أن العديد من المواطنين المغاربة يخرجون في الشوارع مطالبين باسترجاع الصحراء.

ويقول الملك الراحل "رأيت آلاف الأشخاص يتظاهرون في جميع المدن الكبرى مطالبين باستعادة الصحراء، فلماذا لا ننظم تجمهرا سلميا ضخما على شكل مسيرة؟"، لكنه لم يفاتح أحدا في هذه الفكرة، وطبعا لم يُشر إليها في خطابه، وفي مقابل ذلك، بدأ الإعداد الفعلي للعملية باستدعاء 3 قادة عسكريين فقط، وهم الجنرال أشهبار، الذي كان كاتبا عاما لإدارة الدفاع، والجنرال بناني المسؤول عن المكتب الثالث، والكولونيل ماجور الزياتي من المكتب الرابع.

من السر إلى العلن

وبدأ الإعداد للمسيرة الخضراء وسط كتمان تام، فالملك الراحل حين استدعى القادة العسكريين طلب منهم أداء اليمين بعدم إفشاء السر حتى لو لم يوافقوا على مقترحه، وحتى عندما أراد إعداد المؤونة اللازمة للمتطوعين لجأ إلى حيلة ليُبعد أعضاء الحكومة عن خطته، إذ استدعى وزيري التجارة والمالية وطلب منهما تغزين المواد الغذائية من باب الاحتياط بحجة أن "شهر رمضان قد يكون قاسيا لأن المحاصيل الزراعية كانت متوسطة".

وفي كتاب ذاكرة ملك، يتحدث الحسن الثاني عن سر اختياره لأن تكون المسيرة الخضراء مكونة من 350 ألف شخص، موردا "الأمر في غاية البساطة، هناك 350 ألف مغربي ومغربية يولدون كل سنة، وبالتالي، فإن هذا العدد ليس بالأهمية التي قد تؤثر على عدد السكان"، لتحظى الفكرة بدعم القادة العسكريين الثلاثة الذين استمروا في التخطيط للأمر في مكتب الملك إلى غاية بداية شهر أكتوبر حين حان وقت الشروع في التدابير اللوجيستية والاستعداد لفتح مكاتب تسجيل المتطوعين، ما كان يعني ضرورة إشراك أعضاء الحكومة وعمال الأقاليم.

وعلى الرغم من أن قرار محكمة العدل الدولية لم يحسم الأمر لصالح المغرب، إلا أن الحسن الثاني استطاع تحويل الأمر لصالحه، ففي اليوم نفسه وجه خطابا للمواطنين من مراكش قائلا "بقي لنا أن نتوجه إلى أرضنا، الصحراء فتحت لنا أبوابها قانونيا، واعترف لنا العالم بأسره بأن الصحراء كانت لنا منذ قديم الزمن، واعترف لنا العالم أيضا بأنه كانت بيننا وبين الصحراء روابط وتلك الروابط لم تقطع تلقائيا وإنما قطعها الاستعمار، إذن علينا أن نقوم بالتزاماتنا"، وأضاف "علينا أن نقوم بمسيرة خضراء من شمال المغرب إلى جنوبه ومن شرق المغرب إلى غربه، علينا شعبي العزيز أن نقوم كرجل واحد بنظام وانتظام لنلتحق بالصحراء لنصل الرحم مع إخواننا في الصحراء".

العالم يشارك في المسيرة

وكان على الحسن الثاني حينها أن يستعد لهذا الحدث ديبلوماسيا أيضا، وهو الأمر الذي يفسر فتح الباب أمام وفود أجنبية للمشاركة في المسيرة بأعلامها، ويؤكد الموقع الحكومي المغربي للصحراء أن الدول التي بعثت وفودا للمشاركة بشكل رسمي في هذا الحدث هي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وسلطنة عمان والأردن والسودان والسنغال والغابون، فيما تؤكد مصادر أخرى أن جنسيات عدة حضرت مثل المتطوعين العراقيين واللبنانيين وحتى الأمريكيين.

وشهدت المسيرة أيضا حضور شخصيات بارزة، أبرزها محمد بن زايد آل نهيان نجل رئيس دولة الإمارات زايد بن سلطان آل نهيان وولي عهد أبو ظبي حاليا، وحسن التهامي نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي وقتها، بل إن شيخ الأزهر حينها، عبد الحليم محمود، بعث رسالة إلى الملك الحسن الثاني يعلن فيها "التأييد الحار للمسيرة في طريق استرداد حق الشعب المغربي في أراضيه".

وفي يوم 5 نونبر 1975 ردد الحسن الثاني على مسامع المغاربة خطاب المسيرة الخضراء الشهير "غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطؤون أرضاً من أراضيكم وستلمسون رملاً من رمالكم وستقبلون أرضاً من وطنكم العزيز"، مشددا على أن الهدف ليس هو معاداة الإسبان بل استعادة الأراضي المغربية، حيث أورد "شعبي العزيز، إذا ما لقيت إسبانيا، كيفما كان ذلك الإسباني، عسكريا أو مدنيا، فصافحه وعانقه واقتسم معه مأكلك ومشربك وأدخله مخيمك، فليس بيننا وبين الإسبان غل ولا حقد، فلو أردنا أن نحارب الإسبان لما أرسلنا الناس عزلا بل لأرسلنا جيشا باسلا، ولكننا لا نريد أبدا أن نطغى ولا أن نقتل ولا أن نسفك الدماء بل نريد أن نسير على هدى وبركة من الله في مسيرة سلمية".

ولم تدم المسيرة بعد السادس من نونبر إلا 3 أيام، اجتاز خلالها المغاربةُ المحملون بالمصاحف والأعلام الحدودَ، وتوغلوا إلى بضع كيلومترات وسط الصحراء وسط تغطية إعلامية دولية ضخمة، قبل أن يصدر أمر الرجوع يوم 9 نونبر من طرف الحسن الثاني في خطاب قال فيه "علينا أن نرجع إلى مُنطلقنا لنعالج الأمور والمشاكل بكيفية أخرى وأساليب جديدة"، وكان حين قد تأكد من أن إسبانيا قد وافقت تسليم الصحراء للمغرب وموريتانيا.

الحسن الثاني يعطي انطلاق المسيرة الخضراء يوم 6 نونبر سنة 1975

وتحدث العاهل المغربي عن هذا القرار في كتاب "ذاكرة ملك" قائلا إنه قرر وقف المسيرة "في الوقت الذي أدركت فيه جميع الأطراف المعنية أنه يستحسن أن تحل الدبلوماسية محل الوجود بالصحراء"، ليبدأ منذ ذلك التاريخ مسار جديد وطويل لم ينته إلى اليوم، اختلطت فيه لغة الدبلوماسية بصوت الرصاص، لكنه جعل المغرب المتحكم الفعلي في جل أراضي صحراءٍ كان دائما مقتنعا بأنها أكبر بكثير من مجرد رمال.

السبت 9:00
مطر خفيف
C
°
10.82
الأحد
13.53
mostlycloudy
الأثنين
12.58
mostlycloudy
الثلاثاء
12.73
mostlycloudy
الأربعاء
12.04
mostlycloudy
الخميس
12.95
mostlycloudy