المغرب.. جغرافيا لا تحميها إلا القوة
ثمة أزمات لا تكشف فقط عن خلاف عابر، بل تضع الدول أمام حقيقتها الجغرافية والتاريخية، وتفرض عليها أن تعيد التفكير في مصادر قوتها وشروط بقائها.
وما أظهرته أزمة سبتة الأخيرة، وما رافقها من تصاعد لافت لخطاب اليمين المتطرف في إسبانيا، ومن تصريحات صدرت عن سياسيين وإعلاميين وشخصيات عسكرية استدعت أحيانا لغة مثقلة بإرث تاريخي من الصدام والارتياب تجاه المغرب، يعيد طرح سؤال يتجاوز الأزمة نفسها: كيف ينبغي للمملكة أن تبني مستقبلها وأمنها القومي؟
هنا تكتسب إحدى أفكار عبد الله العروي راهنية خاصة، فالعروي ليس مجرد مؤرخ مغربي، بل أحد أبرز المفكرين العرب المعاصرين، وصاحب مشروع فكري امتد لعقود في دراسة الدولة والحداثة والتاريخ والوعي السياسي.
وعندما قدم المغرب، في أحد توصيفاته، باعتباره أشبه بـ"جزيرة"، لم يكن يدعو إلى الانغلاق على العالم، بقدر ما كان يلفت إلى خصوصية بلد يحتاج إلى بناء شروط قوته واستقلال قراره من داخله، بالنظر إلى جغرافيا معقدة ومحيط لم يكن دائما مصدر استقرار.
والتعامل مع المغرب باعتباره "جزيرة" بهذا المعنى لا يعني اعتزال العالم، وإنما التعامل معه بواقعية التعاون مع الجميع دون الارتهان إلى أحد، وبناء الدولة انطلاقا من فرضية أن التحالفات تتغير، والمصالح تتبدل، وأن خطاب "الشريك الاستراتيجي" قد يتحول عند أول تضارب جدي في المصالح إلى لغة ضغط وتهديد.
المغرب يوجد، في النهاية، داخل محيط بالغ التعقيد، شرقا، خصومة جزائرية استمرت لنصف قرن وجعلت من قضية الصحراء محور مواجهة دائمة، وجنوبا، موقع موريتاني تحكمه توازنات دقيقة تجاه النزاع، وشمالا، أظهرت الأحداث الأخيرة أن عمق التعاون مع إسبانيا لا يلغي وجود تيارات سياسية وإعلامية يمكن أن تستحضر، في لحظات الأزمة، تصورات قديمة تجاه المغرب.
لهذا يحتاج المغرب خلال العقود المقبلة إلى بناء قوته على أربعة أعمدة.
أولها، تعميق الديمقراطية وتقوية المؤسسات، فلا قوة خارجية حقيقية لدولة ضعيفة من الداخل، والديمقراطية هنا ليست ترفا سياسيا، بل إحدى أدوات الأمن القومي من مؤسسات تحظى بالثقة، أحزاب تنتج النخب بدل إعادة تدويرها، برلمان له معنى، وإدارة يشعر المواطن بأنها تخدمه وتمثله.
ثانيها، ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم، عبر قضاء مستقل وفعّال، وتنفيذ أحكامه دون انتقائية، ومساءلة كل من يتولى تدبير المال أو السلطة العمومية، فالفساد لا يمثل مشكلة أخلاقية فقط، بل ثغرة استراتيجية تستهلك موارد الدولة وتضعف ثقة المجتمع فيها.
وثالثها، إعادة بناء منظومة التعليم جذريا، فالمغرب لا يستطيع حماية مستقبله بمدرسة تنتج الهشاشة المعرفية، والمطلوب تعليم قادر على صناعة المهندس والباحث والطبيب والتقني والمواطن الواعي، وربط الجامعة بالصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي.
وتقدم تركيا مثالا مهما في هذا الباب، فقد بنت خلال العقود الأخيرة قاعدة صناعية واقتصادية وبحثية سمحت لها بتطوير صناعات دفاعية متقدمة، من الطائرات المسيّرة إلى السفن والمدرعات والصواريخ والإلكترونيات العسكرية، ولم يصبح حضور أنقرة اليوم رقما يصعب تجاهله في معادلات البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط وإفريقيا بالشعارات، بل بتراكم الاقتصاد والمعرفة والصناعة والقوة العسكرية.
أما الركيزة الرابعة فهي تقوية الجيش وتسريع بناء صناعة دفاعية وطنية. وإيران، رغم الاختلاف الجذري في النظام السياسي والخيارات الخارجية، تقدم درسا آخر في قيمة الردع من خلال عقود من العقوبات دفعتها إلى تطوير قدرات صاروخية ومسيرات ومنظومات عسكرية ذاتية، جعلت كلفة استهدافها أو تجاهلها في الحسابات الإقليمية مرتفعة.
وهنا، بالذات، لا يحتاج المغرب إلى استنساخ نموذج تركيا أو إيران، بل إلى فهم الدرس الذي يجمع تجارب الدول الصاعدة، لأن الاستقلال السياسي الحقيقي يحتاج إلى اقتصاد قوي، وتعليم منتج، ومؤسسات متماسكة، وقوة عسكرية تردع قبل أن تضطر إلى القتال.
وتاريخ المغرب خلال خمسة قرون مليء بتحديات وجودية تؤكد هذه الحقيقة، لذلك فإن الاستثمار في الجيش، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والاستخبارات، والتكنولوجيا، والأمن الغذائي والطاقي، لم يعد مجالا ثانويا، بل جزء من استراتيجية بقاء.
أن يكون المغرب "جزيرة" لا يعني أن يغلق أبوابه، بل أن يمتلك السفينة التي تحميه عندما تعلو الأمواج، وفي عالم تتحكم فيه موازين القوة، لا يكفي أن يكون المغرب محقا، عليه أن يكون قويا بما يكفي لحماية حقه.




