المغرب كـ"علامة رقمية".. الفقر والهشاشة يدفعان صفحات في مصر والجزائر وتونس لصناعة محتوى مضلل عن المملكة لضمان مورد للعيش
تحول المغرب، خلال السنوات الأخيرة، إلى مادة ثابتة لدى عدد متزايد من الصفحات والقنوات الرقمية التي يديرها أشخاص من مصر وتونس والجزائر ودول عربية أخرى، بعدما اكتشف أصحابها أن كل منشور سلبي أو عنوان مستفز يتعلق بالمملكة يحقق أرقااً مرتفعة من المشاهدات والتعليقات والمشاركات، مقارنة بالمحتوى العادي الذي يتناول قضايا بلدانهم الداخلية.
ولا يتعلق الأمر دائما بموقف سياسي حقيقي أو بعمل إعلامي يروم النقد والتحليل، بل بنموذج ربحي قائم على تحويل المغرب إلى "موضوع مضمون التفاعل".
وكلما كان العنوان أكثر قدحا، والصورة المصغرة أكثر استفزازا، والمعلومات أكثر تضخيما، ارتفعت فرص وصول المحتوى إلى جمهور واسع، يتوزع بين متابعين يصدقون الرواية، ومغاربة يدخلون للدفاع عن بلدهم، وآخرين يشاركون المنشور بدافع الغضب أو السخرية.
هكذا أصبح التفاعل المغربي نفسه جزءا من مصدر الدخل. فصاحب الصفحة لا يفرق، من الناحية الربحية، بين تعليق مؤيد وآخر غاضب، لأن كليهما يرفعان مستوى التفاعل ويساعدان على إبقاء المنشور حاضرا داخل خوارزميات الاقتراح، حيث تتحول محاولة الرد على معلومة زائفة أو إهانة مباشرة إلى خدمة مجانية لصاحب المحتوى، تمنحه مزيدا من المشاهدات والانتشار والعائدات.
المغرب باعتباره "منتجا رقميا"
تعتمد الكثير من الصفحات على وصفة شبه موحدة، مضمونها أخذ خبر مغربي حقيقي، ثم اقتطاعه من سياقه، أو تضخيم دلالته، أو دمجه بمعلومات قديمة وصور لا علاقة لها بالموضوع، وبعد ذلك يُقدَّم في عنوان يوحي بانهيار اقتصادي أو أزمة اجتماعية أو فضيحة سياسية أو فشل رياضي، حتى عندما تكون الوقائع أقل أهمية بكثير مما يقترحه العنوان.
وتظهر هذه الممارسة بكثرة خلال المناسبات الرياضية، والمهرجانات، والأزمات الدبلوماسية، والكوارث الطبيعية، والنقاشات المرتبطة بالسياحة والهجرة والأسعار.
كما تتحول تصريحات فردية، أو مقاطع مصورة في حي واحد، إلى أحكام عامة على دولة كاملة، بينما تُستخدم ألفاظ مثل "صدمة"، و"فضيحة"، و"انهيار"، و"كارثة" لاستدراج المشاهد قبل أن يكتشف أن المضمون لا يطابق العنوان.
ويستفيد أصحاب هذا المحتوى من قابلية المغرب للحضور في النقاش العربي، نتيجة نجاحاته الرياضية، ونشاطه السياحي، ومشاريعه الاقتصادية، وتحركاته الدبلوماسية، إضافة إلى الجدل الذي تثيره علاقاته مع دول الجوار.
وهذه وجدت فيها الكثير من الصفحات في مصر والجزائر وتونس العناصر التي توفر مادة متجددة يمكن استغلالها يوميا، من دون حاجة إلى إنتاج تحقيقات أو محتوى أصلي أو البحث في ملفات محلية أكثر تعقيدا.
الأرباح خلف الإثارة
يوفر "يوتيوب" إمكانية الانضمام إلى برنامج الشراكة وتحقيق الدخل في الجزائر ومصر وتونس، إلى جانب المغرب ودول أخرى، بعد استيفاء الشروط المتعلقة بعدد المشتركين والمشاهدات واحترام سياسات المنصة، ولذلك تصبح المشاهدات الطويلة والمتكررة، وعدد مرات ظهور الإعلانات، عناصر أساسية في ربح القنوات.
أما "فيسبوك"، فقد جمع عددا من أدوات الربح داخل برنامج موحد يسمح للمحتوى المؤهل بتحقيق عائدات من مقاطع الفيديو و"الريلز" والصور والمنشورات النصية، بناءً على أدائه.
ولا يزال الولوج إلى البرنامج مرتبطا بالدعوة والأهلية، لكن المنصة توضح أن قيمة الأرباح ترتبط بالمشاهدات المؤهلة والأداء، وهو ما يدفع بعض الصفحات إلى مطاردة المواضيع القادرة على إثارة أكبر قدر من التفاعل.
ويشترط برنامج المكافآت في "تيك توك" بدوره حدا أدنى من المتابعين والمشاهدات والإقامة في بلد تتوفر فيه الخدمة، غير أن غياب البرنامج عن سوق معينة لا يعني غياب الربح، إذ يمكن تحقيق مداخيل بوسائل أخرى مثل الهدايا خلال البث المباشر، والإعلانات المباشرة، والرعاية التجارية، وتسويق الحسابات أو توجيه الجمهور إلى منصات أخرى.
ولا توجد تعريفة ثابتة تسمح بتحديد ما يربحه كل منشور مسيء للمغرب، لأن العائد يختلف بحسب المنصة وبلد الجمهور ومدة المشاهدة ونوعية الإعلانات، لكن المؤكد أن الصفحة التي تنجح في تحويل الجدل إلى آلاف أو ملايين المشاهدات تصبح أكثر قدرة على تحقيق الدخل واستقطاب المعلنين وبيع مساحات دعائية.
المستوى الاجتماعي لأصحاب بعض الصفحات يعكس المحتوى الذي يقدمونه
أدركت صفحات ومنصات وأشخاص في عدد من الدول العربية أن المغرب أصبح "علامة رقمية" قادرة على جلب المشاهدات، بسبب اتساع الجمهور المغربي على شبكات التواصل الاجتماعي وسرعة تفاعله مع كل ما يمس بلده أو رموزه أو إنجازاته.
ومن هنا، تحول الحديث السلبي عن المغرب لدى بعض صناع المحتوى إلى مصدر دخل شبه ثابت، بل إلى وسيلة للعيش بالنسبة إلى أشخاص وجدوا في استفزاز المغاربة طريقا أسرع من إنتاج محتوى جاد أو بناء جمهور على أساس المعرفة أو التخصص.
وتكشف طبيعة كثير من هذه المقاطع عن ضعف واضح في الإمكانات المهنية والثقافية لأصحابها، سواء من خلال أسلوب التقديم، أو فقر المعلومات، أو غياب التحقق، أو محدودية اللغة والحجج المستعملة.
كما تعكس بعض التسجيلات أوضاعا اجتماعية واقتصادية صعبة يعيشها أصحابها، وهو ما دفع بعضهم إلى البحث عن دخل سريع عبر المنصات، قبل أن يكتشفوا أن مهاجمة المغرب أو السخرية منه ترفع عدد المشاهدات والتعليقات، فتتحول الصفحة تدريجيا إلى مشروع متخصص في الإثارة والعداء.
ويصل الأمر أحيانا إلى إعادة نشر مقاطع قديمة على أنها أحداث جديدة، أو تركيب صور ومشاهد لا علاقة لها بالمغرب، أو فبركة تصريحات وعناوين ونصوص، أو استعمال كلام قدحي مباشر فقط لدفع المغاربة إلى الرد.
وكلما ارتفع الغضب، زادت التعليقات والمشاركات، وارتفعت معها فرص تحقيق عائدات أكبر من "فيسبوك" و"يوتيوب" و"تيك توك"، أو جذب إعلانات ورعايات غير مباشرة.
وتكمن المفارقة في أن المتابع المغربي الذي يدخل للدفاع عن بلده، ويكتب عشرات التعليقات الغاضبة، قد يتحول من دون أن يدري إلى ممول للمحتوى الذي يستفزه.
فالخوارزميات لا تميز بين تعليق مؤيد وآخر رافض، بل تقيس حجم التفاعل ومدة المشاهدة وعدد المشاركات، وهي المؤشرات نفسها التي تحدد انتشار المنشور وقيمته الإعلانية.
التضليل لا يحتاج إلى الإقناع
المفارقة أن أصحاب هذا المحتوى لا يحتاجون دائما إلى إقناع الجمهور بصحة روايتهم، بل يكفيهم دفعه إلى التفاعل، وقد وجدت أبحاث حديثة أن منح الخوارزميات وزنا كبيرا لمؤشرات الشعبية والتفاعل قد يزيد الاستقطاب ويمنح المعلومات المضللة قدرة أكبر على الانتشار، لأن المحتوى المثير للغضب والخوف يتحرك أسرع من التصحيحات الهادئة.
وحذرت منظمة "اليونسكو" من تصاعد خطاب الكراهية والمعلومات المضللة عبر المنصات الرقمية وتأثير ذلك في الاستقرار والتماسك الاجتماعي، كما أظهرت دراسة للمنظمة شملت مئات من صناع المحتوى أن نسبة كبيرة منهم لا تتحقق بصورة منهجية من المعلومات قبل نشرها، وأن بعضهم يعتبر شعبية المصدر وعدد الإعجابات مؤشرا على مصداقيته.
وفي الحالة المغربية، يختلط التضليل التجاري أحيانا بالحسابات السياسية والدعاية الرسمية أو شبه الرسمية، خصوصا لدى صفحات تتبنى بصورة دائمة روايات عدائية مرتبطة بقضية الصحراء أو العلاقات المغربية الجزائرية، لكن صفحات أخرى لا تحركها خلفية أيديولوجية واضحة، بل تنتقل بسهولة بين مهاجمة المغرب ومدحه، وفق الموضوع الذي يضمن لها أكبر عدد من المشاهدات.




