المغرب وجواره "الصعب".. الجزائر تُريد الحرب وإسبانيا تطعن في الظهر وموريتانيا تلعب على الحبلين

في واحد من خرجاته النادرة عبر الإعلام العمومي، قال المفكر المغربي عبد الله العروي، في حوار بثته القناة الأولى قبل سنوات أن "قدرنا (كمغاربة) هو أننا جزيرة، ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة"، ثم أضاف إمعانا في التأكيد "جزيرة مطوقة"، وقبل ذلك أعطى تلميحا لما يقصده حين أورد "المغرب جزيرة، لا ترى، ولكن انظروا إلى الخارطة".

في هذا الحوار الذي جرى سنة 2005، كان الرجل الذي يُعد من الفلاسفة العرب القلائل الباقين على قيد الحياة، يستشرف مستقبلا أصعب قادما للمملكة في علاقتها بمحيطها الجغرافي والسياسي، فالعروي كان يلمح إلى أن الدول المحيطة بالمغرب ليست، بالضرورة، تريد له الخير، لذلك توجب عليه أن يتعامل مع قضاياه وكأنه وحيد ومعزول وبعيد عن أي مساندة.

قد يكون العروي توفر حينها على مجموعة من المعطيات التاريخية والسياسية التي دعمت استنتاجه، خاصة وأن تاريخ الحوار لا يبعد عن قضية جزيرة ليلى التي كادت أن تتحول إلى حرب بين المغرب وإسبانيا، سوى بـ3 سنوات، لكن المؤكد الآن، وبعد أكثر من عقد ونصف من الزمن، أن قراءة العروي للأمور ليس فيها مبالغة، وأن التحدي الأكبر الذي يواجه المغرب هو ذاك القادم من جيرانه شرقا وشمالا وجنوبا.

الجزائر.. جار يريد الحرب

فمن الناحية الشرقية، لا يبدو أن النظام الحاكم في الجزائر، الذي تصفه مسيرات الحراك التي تعرفها البلاد كل أسبوع بـ"العسكري"، ينوي طي صفحة الصراع التاريخي مع جاره الغربي الذي يعود إلى سنة 1963 حين بَنَت صرخة الرئيس الأسبق، أحمد بنبلة، عقب الهزيمة في حرب الرمال "حكرونا المغاربة"، عقيدةً عدائية تعتبر الدخول في حرب من المملكة "قدرا لا بد منه"، وبينما كان بعض المتتبعين يعتقدون أن طي صفحة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة قد تُنهي، أو تخفف على الأقل، من هذا الهاجس، اتضح أن الأمر عاد إلى الواجهة بشكل أكبر.

ويُصر المعارضون الجزائريون والمحتجون المستمرون في الحراك إلى غاية الآن، على أن النظام الجزائري لم يسقط، وأن وصول عبد المجيد تبون إلى الرئاسة ثم الفريق السعيد شنقريحة إلى قيادة أركان الجيش، ليس سوى إعادة إنتاج للنظام العسكري، وهو ما يفسر اللهجة العدائية لهذين الإسمين تجاه المغرب خاصة بعد نجاح الرباط في إنهاء وجود جبهة "البوليساريو" في منطقة "الكركارات"، وبالتالي إنهاء أي احتمال لوصول حلفاء الجزائر الانفصاليين إلى المحيط الأطلسي.

وفي ظل وجود قراءات تربط بين تصريحات المسؤولين الجزائريين ضد المغرب وبين محاولات الجمهورية تصدير أزمتها الداخلية إلى الجوار، كان ما ورد على لسان الرئيس الجزائري في حوار مع مجلة "لوبوان" الفرنسية نُشر بتاريخ 3 ماي 2021، أقصى تأكيد على المسار العدائي الذي اختارته السلطات هناك، فالرجل أعلن صراحة أن بلاده على صراع مع "النظام الملكي" بالمغرب، راسما سيناريو جديدا لاستفتاء تقرير المصير في الصحراء حين زعم أن "المغاربة" الذين يشكلون الآن الأغلبية أمام "الصحراويين"، حسب كلامه، سيصوتون لصالح الانفصال لأنهم "لا يريدون أن يبقوا رعايا للملك".

ويبرز ميل الجزائر إلى "الحرب" مع المغرب بشكل واضح من خلال هذا الحوار، فتبون استخدم عبارة "الانتقام" في الحديث عن هذا الموضوع، موردا "سننتقم إذا تعرضنا لأي هجوم"، وهو ما يتماشى وتصريحات صادرة عن شنقريحة بثها التلفزيون الرسمي الجزائري يوم 15 نونبر 2020 بعد يومين من تدخل القوات المغربية في الكركارات، حين خاطب الجنود الجزائريين قائلا "لديكم مهمة شريفة، هي الدفاع عن حدودنا ضد الإرهاب وضد المهربين، وحتى ضد العدو الكلاسيكي، لأن الجزائر هي أقوى دولة في المنطقة".

إسبانيا.. جار يطعن في الظهر

ولا يبدو أن الوضع أفضل حالا بالنسبة لعلاقة المغرب بجارتها الشمالية إسبانيا، فإن كان رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق خوسي لويس رودريغيز ثاباتيرو قد نجح نسبيا في محو مخلفات السياسة العدائية لسلفه اليميني خوسي ماريا أثنار، المستندةِ إلى قراءات تاريخية أشبه بالعقيدة لدى بعض اليمينيين مفادها أن "المورو هو الشر"، وإذا كان خلفه ماريانو راخوي قد أحسن بناء علاقات براغماتية هادئة تحولت فيها مدريد إلى الشريك الاقتصادي الأول للرباط وتعزز خلالها التعاون الأمني، فإن حكومة بيدرو سانشيز أعادت الوضع إلى نقطة الصفر.

ومنذ بداية ولايته، دخل سانشيز في صدام مع جاره الجنوبي بدأ بإلغاء تقليد القيام بالزيارة الخارجية الأولى إلى المملكة، لكنه بعد توالي الشهور عرف أن ما يمكن كسبه من الصراع مع الرباط أقل بكثير مما يُنتظر الظفر به في حال الصداقة، لذلك بدا وكأنه يراجع تدريجيا مواقفه، لدرجة أن الصحافة الإسبانية أكدت دوره الحاسم في إلغاء زيارة عاهل إسبانيا، فيليبي السادس، إلى سبتة ومليلية في يوليوز من سنة 2020، لكن مشكلة سانشيز كانت في أعضاء حكومته.

ومع دخول ملف الصحراء معتركات حاسمة أظهر المسؤولون الحكوميون الإسبان نفَسا صداميا ضد الرباط، بدأ عقب تدخل القوات المسلحة الملكية في الكركارات يوم 13 نونبر 2020، إذ عقب ذلك بأيام أعلن زعيم حزب "بوديموس" الراديكالي المشارك في الحكومة، بابلو إغليسياس، والذي كان يحمل صفة النائب الثاني لرئيس الحكومة، دعمه لـ"استفتاء تقرير المصير في المنطقة"، ثم بعد الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء من طرف الرئيس السابق دونالد ترامب، لم تتوانَ وزيرة الخارجية أرانتشا غونزاليس لايا في الإعلان عن نيتها حث إدارة الرئيس الجديد، جو بايدن، على التراجع عن ذلك.

لكن الضربة الكبرى لـ"حُسن الجوار" كانت هي دخول زعيم جبهة "البوليساريو" إبراهيم غالي إلى إسبانيا للعلاج بواسطة جواز سفر جزائري يحمل هوية مزورة، كثمرة اتفاق كان يفترض أن يكون "سريا" بين وزيرة الخارجية الإسبانية ونظيرها الجزائري صبري بوقادوم، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لأزمة هي الأسوأ من نوعها بين البلدين منذ 2002 بعدما اعتبر المغرب أن ما جرى "طعنة في الظهر" من طرف جار ظل المغرب داعما له في العديد من القضايا وفي مقدمتها ذات الطابع الأمني.

موريتانيا.. جار يلعب على الحبلين

أما جنوبا، ورغم أن العلاقات بين الرباط ونواكشوط تحسنت بشكل واضح منذ وصول الرئيس الحالي، محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى سدة الرئاسة سنة 2019 خلفا لمحمد ولد عبد العزيز، إلا أن "الحذر" و"المد والجزر" تظلان السمتان الأساسيتان للعلاقة بين البلدين، خاصة في ظل عدم قدرة موريتانيا إلى الآن في اتخاذ موقف صارم ضد جبهة "البوليساريو" واستمرار اعترافها بما يسمى "الجمهورية الصحراوية"، الذي كان نتيجةَ خسارتها الحرب ضد الجبهة في السبعينات والذي أدخلها في مسلسل طويل من الانقلابات.

وكان المغرب قد قدم خدمة لموريتانيا في نونبر 2020 حين تدخل في "الكركارات" وأعاد فتح المغرب البري الوحيد الرابط بين أقاليمه الجنوبية وبين أراضي بلاد شنقيط، وذلك بعدما ظل موالون لـ"البوليساريو" طيلة 6 أسابيع يمنعون وصول البضائع إلى هذا البلد بما في ذلك المواد الغذائية التي تعد الرباط المزود الأساسي لجارتها الجنوبية بها، ما أدى إلى أزمة تموين غير مسبوقة وأدى إلى تغيير نظرة الرأي العام بموريتانيا، نسبيا، إلى شكل الصراع في الصحراء، لكن السلطات هناك ظلت حذرة في اتخاذها أي خطوة ضد الجبهة.

وكان الملك محمد السادس والرئيس الموريتاني قد تبادلا اتصالا هاتفيا بعد أيام من تدخل الجيش المغربي، أعلنا فيه استعدادهما لتبادل الزيارة، في خطوة بدت وكأنها تمهيد لمرحلة جديدة من العلاقات، لكن الأجواء ما لبثت أن سُممت مجددا بسبب استقبال الرئيس ولد الغزواني للقيادي في الجبهة الانفصالية، البشير مصطفى السيد، الذي وجه له رسالة من إبراهيم غالي، ثم عندما قررت الحكومة الموريتانيا الحد من صادرات المواد الفلاحية المغربية قبل أن تتراجع عن ذلك.

ويبدو أن المغرب اختار عدم الاعتماد على موريتانيا مستقبلا خاصة في الشق الاقتصادي، وذلك بإعلان إطلاق ورش ميناء الداخلة الأطلسي الذي سيكون منطلقا لـ70 في المائة من بضائعه نحو السوق الإفريقية، ثم إدراج مشروع ميناء الكويرة ضمن الثالوث المينائي لأقصى الجنوب، وهو ما يعني فرض الرباط سيطرتها عمليا على المدينة المجاورة لنواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا، ومنافسة مينائها المستقبلي، الأمر الذي أيقظ دعوات موريتانية تدعي السيادة على هذه المدينة بعدما أخرجها الجيش المغربي من المنطقة العازلة.

الأثنين 21:00
غيوم متناثرة
C
°
20.2
الثلاثاء
20.35
mostlycloudy
الأربعاء
21.2
mostlycloudy
الخميس
22.87
mostlycloudy
الجمعة
22.74
mostlycloudy
السبت
22.81
mostlycloudy