المغرب والسياسة العربية.. ابتعاد عن المحور الخليجي وتقديم للمصلحة الوطنية

لم يكن الرد القاسي من الخارجية المغربية على صلاح الدين مزوار، الذي حمل حقيبتها سابقا، عند حديثه على الشأن الداخلي الجزائري، وقبله التحفظ الضمني على مخرجات الاجتماع الوزاري العربي حول العملية العسكرية التركية في سوريا، سوى دليل جديد على التغير الواضح في تعامل المغرب مع القضايا السياسية العربية خلال العشرية الأخيرة.

فقبل هاتين الحالتين، بدأت المملكة تتحرر من العديد من المواقف السابقة، سواء تجاه القضايا الخليجية، مثل ما حدث عقب الأزمة بين قطر والسعودية والإمارات، أو تجاه قضايا أقرب جغرافيا مثلما كان الحال مع سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس والأزمة الليبية، إذ باتت الرباط تبدو أكثر إيمانا بشعار "المصلحة الوطنية أولا".

تحديات المغرب الكبير

على الرغم من أن الانتماء الإقليمي للمغرب كجزء من الخارطة المغاربية يجعل تأثره بما يجري في باقي دول المنطقة أمرا واردا جدا، بما في ذلك وصول رياح الاحتجاجات والتوترات إلى داخل حدوده، إلا أن المملكة المغربية اختارت أن تكون أقل تحفظا من ممالك الخليج في التطبيع مع النظام السياسي التونسي الجديد، وأكثر حرصا على الابتعاد عن إحماء لهيب الصراع في ليبيا والجزائر.

وأظهر المغرب موقفا مرحبا بمخرجات الثورة التونسية، اتضح بجلاء من خلال تهنئة الملك محمد السادس للرئيس المنتخب مؤخرا قيس سعيد، التي أشاد فيها بـ"التزام الشعب التونسي الراسخ بمواصلة مساره الموفق نحو إرساء دولة الحق والقانون والمؤسسات"، لكنه عبر عنها بشكل أكثر وضوحا وجرأة عندما زار تونس في 2014، في عهد المنصف المرزوقي، الذي كان أول رئيس منتخب ديموقراطيا للجمهورية، حيث قرر العاهل المغربي التجول في شوارع البلاد دعما لسياحتها.

أما في ليبيا، فأبدى المغرب معارضته عمليا لمشروع تقسيم البلاد الذي تشير أصابع الاتهام إلى تورط دولة الإمارات العربية المتحدة فيه من خلال تمويل وتسليح ميليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، إذ رعت المملكة اتفاق الصخيرات في 2015، الذي لا زالت بنوده إلى اليوم هي الوحيدة المعترف بشرعيتها دوليا.

وفي الجزائر التي تتوفر للرباط الكثير من المبررات السياسية لدعم استمرار الأزمة فيها، اختار المغرب منذ بداية الاحتجاجات التي أطاحت بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، النأي بنفسه عن الميلان لأي طرف من طراف الصراع، حتى إن وزارة الخارجية ردت على حديث صلاح الدين مزوار عن ضرورة "تقاسم السلطة بين الجيش والإسلاميين"، بوصفه بـ"غير المسؤول والأرعن والمتهور"، وبتذكيره بأن "الاتحاد العام لمقاولات المغرب لا يمكنه الحلول محل حكومة الملك في اتخاذ مواقف حول القضايا الدولية ولاسيما التطورات في هذا البلد الجار".

القضية الفلسطينية

أضحى التباين واضحا حول القضية الفلسطينية في موقف المغرب من جهة ومصر ودول الخليج من جهة أخرى، بعد بروز فكرة "صفقة القرن"، إذ في الوقت الذي حظي فيه مقترح جاريد كوشنير، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدعم من الرياض وأبو ظبي والمنامة والقاهرة، وقفت الرباط وعمان ضده.

وكان جاريد كوشنير قد زار المغرب أواخر شهر ماي الماضي، بصفته مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، حيث التقى الملك محمد السادس في محاولة لإقناعه بدعم صفقة القرن وضمان مشاركة رسمية في المحادثات الممهدة لها، كما سبق أن تلقت المملكة دعوة رسمية من الولايات المتحدة والبحرين للمشاركة في "الورشة المنامة" لمناقشة الجوانب الاقتصادية للصفقة، غير أن المغرب اختار تخفيض تمثيليته الرسمية لأدنى مستوى واكتفى ببعث إطار في وزارة الاقتصاد والمالية للمشاركة في أشغالها.

ووفق المغرب والأردن في صف واحد لإعلان رفضهما الضمني لخطة ترامب، وذلك في لقاء جمع الملك محمد السادس بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بالقصر الملكي بالدار البيضاء في مارس الماضي، انتهى بإصدار بيان مشترك يجدد دعم المملكتين لإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.

وجاء في البيان أن العاهلين يجددان "دعمهما الكامل للشعب الفلسطيني، من أجل استرجاع جميع حقوقه المشروعة، وتمكينه من إقامة دولته الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، على أساس القرارات الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية ومبدأ حل الدولتين".

وفي رد ضمني على مشروع "صفقة القرن"، شدد الملكان على "رفض جميع الخطوات والإجراءات الأحادية التي تتخذها إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، لتغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم والوضع الديموغرافي، والطابع الروحي والتاريخي في القدس الشرقية، وخصوصا في المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة".

العلاقات مع الخليج

كان قرار السعودية والإمارات والبحرين بمقاطعة قطر في 2017، والذي تصفه الدوحة بـ"الحصار"، بداية لمنعطف حاسم في علاقة المغرب بالثلاثي الخليجي، خاصة الرياض وأبو ظبي، وذلك بعدما قرر ترك حبل الود قائما مع بلد تجمعه بالمغرب العديد من المصالح السياسية والاقتصادية، وتربط أميره علاقات شخصية قوية بالعاهل المغربي.

ورغم أن الموقف الرسمي للمملكة كان هو الوقوف على الحياد والدفع في اتجاه المصالحة، إلا أن الملك محمد السادس أبان عن عدم رضاه عن "حصار قطر" المتزامن مع شهر رمضان، ليبعث مساعدات غذائية إلى الدوحة، قبل أن يكون أول حاكم عربي يكسر الطوق المفروض على هذا البلد الخليجي بزيارته في نونبر 2017، حيث استقبله أمير قطر تميم بن حمد بحفاوة كبيرة.

ورغم أن هذا الموقف أغضب محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، الحاكمين الفعليين للسعودية والإمارات، لدرجة ضربهما مصالح الرباط من خلال التصويت ضد ملف المغرب المونديالي العام الماضي أو التشكيك في مغربية الصحراء، إلا المملكة أبدت هذه المرة إصرارا كبيرا على ضمان استقلالية قرارها عن "نزوات" أمراء النفط، وهو ما تأكد بعد إعلانها إعادة النظر في طبيعة مشاركتها في التحالف العربي الذي يقاتل الحوثيين في اليمن.

وكان وزير الخارجية ناصر بوريطة قد أعلن أن المغرب "غير مشاركته انطلاقا من التطورات التي وقعت على الأرض، وخاصة التطورات الإنسانية"، كاشفا عن توقف القوات المسلحة الملكية عن المشاركة في المناورات العسكرية باليمن، وفي خطوة تحمل عدة دلالات تجاه السعودية والإمارات، اختار الوزير المغربي أن يكون هذا الإعلان عبر شاشة "الجزيرة". 

نفور من الجامعة العربية

ورغم أن موقف المغرب المتغير من دول الخليج أمر جديد نسبيا، إلا أن موقفه من الجامعة العربية ليس كذلك، فالملك محمد السادس اعتاد منذ بداية حكمه الغياب عن أشغال منظمة أضحت محط سخرية كبيرة في أوساط الشعوب العربية، ولم تعد قراراتها مقنعة حتى للدول الأعضاء فيها.

لكن في 2016، سيقوم المغرب بأكثر خطوة دالة على فقدان الثقة في هذه المؤسسة، حين اعتذر عن تنظيم القمة العربية بمدينة مراكش في رسالة موجهة للأمين العام لجامعة الدول العربية، وكشفت حينها وزارة الخارجية أن هذه الخطوة استندت لـ"توجيهات ملكية"، موردة أن "القمة العربية لا يمكن أن تشكل غاية في حد ذاتها، أو أن تتحول إلى مجرد اجتماع مناسباتي"، قبل أن تضيف أن "الظروف الموضوعية لا تتوفر لعقد قمة عربية ناجحة وقادرة على اتخاذ قرارات في مستوى ما يقتضيه الوضع العربي".

وتأكدَ هذا الأمر مرة أخرى قبل أيام، حينما دبج الاجتماع الوزاري العاجل الذي تلا بدأ تركيا عملية "نبع السلام" العسكرية ضد المسلحين الأكراد في شمال سوريا، والذي قرر باسم الدول العربية "خفض العلاقات الدبلوماسية مع أنقرة ووقف التعاون العسكري ومراجعة مستوى العلاقات الاقتصادية والسياحية معها"، قبل أن يتضح أن الإجماع الذي تحدثت عنه القمة لم يكن سوى "سراب".

وفي خطوة حملت نقدا ضمنيا لما يسمى "الإجماع العربي"، قال بوريطة لـ"الصحيفة" إن سبب عدم تحفظ المغرب في حينه عن مضامين البيان راجع إلى "عدم رغبة المملكة في الخروج عن الجو العام للاجتماع"، قبل أن يضيف أن "القرارات الصادرة عن مثل هذه الاجتماعات لا تعبر بالضرورة دائما عن الموقف الرسمي للمملكة، موردا أن "المغرب عندما يرى أن قضية ما تهمه بشكل مباشر فإنه يصدر موقفه الوطني عبر قنواته الرسمية الوطنية".

الأربعاء 3:00
سماء صافية
C
°
13.6
الخميس
14.74
mostlycloudy
الجمعة
16.23
mostlycloudy
السبت
15.53
mostlycloudy
الأحد
14.44
mostlycloudy
الأثنين
12.23
mostlycloudy