طارق البوزيدي
الثلاثاء 5 ماي 2026 - 20:59

المغرب وصناعة السلام الأممي

في 4 ماي 2026، قدّم السفير عمر هلال إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إحاطة حول الرئاسة المغربية للجنة تعزيز السلام، بعد انتخاب المملكة في 29 يناير 2026 رئيسا للدورة العشرين لهذه الهيئة الأممية. وتُعنى اللجنة، التي أُحدثت سنة 2005 بقرارين من الجمعية العامة ومجلس الأمن، بمواكبة الدول الخارجة من النزاعات، عبر وصل متطلبات الأمن بإعادة بناء المؤسسات وتعبئة التمويل ودعم الاستقرار على المدى الطويل.

يحضر المغرب في هذا الموقع الأممي من سجل راكمته المملكة داخل ملفات السلم في إفريقيا ومحيطها. فالمعطيات الأممية الخاصة بعمليات السلام تظهر أن المغرب ظل من المساهمين المنتظمين بعناصر عسكرية وشرطية في عدد من البعثات، مع حضور بارز خاصة في جمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كما شملت التعهدات المغربية المعلنة في الاجتماعات الوزارية لحفظ السلام وحدات مشاة وهندسة، وقدرات إضافية من بينها الطائرات بدون طيار وفرق الكلاب المدربة وبرامج التكوين.

هذا الحضور الميداني تزامن خلال الرئاسة المغربية الحالية مع تحرك مباشر داخل إحدى ساحات الهشاشة الإفريقية. فمن أواخر مارس إلى مطلع أبريل 2026، قاد عمر هلال زيارة رسمية للجنة تعزيز السلام إلى جمهورية إفريقيا الوسطى، وشملت لقاءات مع السلطات الوطنية والأمم المتحدة وشركاء دوليين.

وفي 20 أبريل 2026، ترأس اجتماعا مع المديرين التنفيذيين للبنك الدولي لتعزيز التنسيق بين اللجنة ومؤسسات التمويل الدولي. في هذه التفاصيل يظهر أحد المعاني العملية للرئاسة المغربية الجارية، حيث يتقدم سؤال إعادة البناء والتمويل وتقوية المؤسسات على مجرد إدارة النقاش السياسي حول النزاع.

ويمتد هذا المسار إلى الخبرة المغربية في احتضان الحوارات السياسية المعقدة. فقد ظل الملف الليبي من أبرز الأمثلة على ذلك. اتفاق الصخيرات في دجنبر 2015 شكّل محطة مفصلية اعتمدها مجلس الأمن أساسا للمسار السياسي. وبعده بسنوات، عاد الحوار الليبي إلى المغرب عبر جولات بوزنيقة، حيث احتضنت المملكة لقاءات بين ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وانتهت تلك الجولات إلى تفاهمات حول معايير شغل المناصب السيادية، ثم عادت بوزنيقة لتستقبل اجتماعات جديدة في سياق البحث عن توافقات انتخابية ومؤسساتية. تعاقب هذه المحطات رسّخ صورة المغرب كأرض موثوقة للحوار حين تتعثر المسارات وتضيق المساحات المشتركة بين الأطراف.

والملف الليبي ليس المثال الوحيد. فالمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة حضورا متقدما في القضايا الإفريقية المرتبطة بالسلم والاستقرار، سواء من خلال مساهماته داخل بعثات الأمم المتحدة، أو عبر المبادرات التي تربط الأمن بالتنمية والتكامل الإقليمي. هنا يبرز بوضوح الدور الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس في توجيه السياسة الخارجية للمملكة نحو تصور أوسع للاستقرار، لا يحصره في المقاربة العسكرية أو الأمنية وحدها.

في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2023، شدد جلالة الملك على أن مشاكل منطقة الساحل لا يمكن حلها بالوسائل الأمنية والعسكرية وحدها، وأعلن المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي. هذا التوجه حمل معه تصورا واضحا يربط الاستقرار بفك العزلة، وتطوير البنيات التحتية، وربط الدول بشبكات النقل واللوجستيك، وخلق شروط اندماج اقتصادي يضيق مساحة الهشاشة التي تتغذى منها الأزمات.

وفي يونيو 2025، وجّه جلالة الملك رسالة إلى قمة “إفريقيا من أجل المحيط” بنيس، أعادت تثبيت البعد الأطلسي في العمل الإفريقي للمغرب، وربطت المحيط بقضايا الأمن الغذائي، والتكامل الاقتصادي، والصمود القاري. وقبل ذلك، كانت المبادرات الملكية الخاصة بالدول الإفريقية الأطلسية، وبأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، قد رسخت بدورها اتجاها دبلوماسيا يضع التنمية والترابط الاقتصادي داخل صلب معادلة الاستقرار.

هذا الامتداد لا يقف عند المجال الإفريقي. فجلالة الملك محمد السادس، بصفته رئيس لجنة القدس، يقود أيضا حضورا مغربيا متواصلا في واحد من أكثر الملفات التصاقا بالسلم الإقليمي. ففي الرسالة الملكية الموجهة في نونبر 2024 إلى اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، جدد جلالته التأكيد على حل الدولتين وعلى ضرورة الحفاظ على القدس فضاء للتعايش والسلام.

وإلى جانب هذا الموقف السياسي، تواصل وكالة بيت مال القدس الشريف تنفيذ مشاريع اجتماعية واقتصادية وتعليمية وصحية لفائدة سكان المدينة، بما يمنح الحضور المغربي في هذا الملف بعدا عمليا متصلا بحماية شروط الاستقرار داخل القدس نفسها.

كل ذلك يضع الرئاسة المغربية للجنة تعزيز السلام داخل سياق أوسع من مجرد تداول دوري على موقع أممي. فالمملكة تدخل هذا الفضاء من تراكم يجمع بين المساهمة في عمليات السلام، واستضافة الحوارات السياسية، والانخراط في مقاربات تربط الاستقرار بالتنمية، والتقدم برؤية ملكية حافظت على خط واضح في إفريقيا والقدس وفضاءات التوتر الإقليمي.

ولذلك تبدو الرئاسة المغربية الحالية معبرة عن موقع راكمته المملكة بالفعل داخل قضايا السلم، أكثر مما تبدو مجرد محطة شكلية في جدول الأمم المتحدة. فحين تجتمع الخبرة الميدانية، والقدرة على احتضان التسويات، والرؤية السياسية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، يصبح حضور المغرب في لجنة تعزيز السلام امتدادا طبيعيا لمسار طويل، عنوانه أن الاستقرار لا يُبنى فقط عند لحظة وقف النزاع، بل قبل ذلك وبعده، داخل المؤسسات، وفي الاقتصاد، وعلى الأرض.

باحث مغربي مهتم بالشؤون السياسية والأمنية

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة
The comments are closed in this post

لماذا يفضل أثرياء المغرب "المناطق الآمنة" لجمع الثروة؟

مع صفقة استحواذ مجموعة "هولماركوم" المملوكة لعائلة بنصالح على فرع البنك الفرنسي "BNP Paribas" في مصرف "BMCI" المغربي، يتعزز التوجه للعقيدة الاستثمارية لكبار الفاعلين الاقتصاديين في المملكة. فالصفقة ليست مجرد انتقال ملكية بين شريك أجنبي ...

استطلاع رأي

هل تتوقع أن تخسر إيران الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

Loading...