الملك محمد السادس يعيد تموضع ملف الصحراء المغربية في أفريقيا
خلال أقل من أسبوع واحد، صدرت من القاهرة ونيروبي وباماكو ثلاث إشارات سياسية ثقيلة أعادت وضع ملف الصحراء المغربية في قلب التحول الأفريقي الجاري. ففي السادس من أبريل 2026 جددت مصر دعمها للوحدة الترابية للمملكة المغربية وأيدت قرار مجلس الأمن 2797.
وفي التاسع من أبريل دعمت كينيا الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وأعلنت استعدادها للعمل مع الدول التي تتبنى هذا التوجه. وفي العاشر من أبريل أعلنت مالي أنها لم تعد تعترف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” وتبنت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الأساس الجاد وذي المصداقية للحل.
توالي هذه المواقف في ظرف زمني قصير لا يمكن النظر إليه كمجرد تزامن دبلوماسي، لأنه يكشف أن الملف دخل مرحلة أفريقية جديدة تتغير فيها المواقف بوتيرة أسرع، ويتراجع فيها هامش الغموض الذي كان يطبع كثيرا من التموضعات السابقة.
هذه المستجدات لم تأت من فراغ. فهي تتحرك داخل الإطار الذي ثبّته قرار مجلس الأمن 2797 المعتمد في 31 أكتوبر 2025، حين دعا إلى استئناف النقاشات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت سيادة المملكة المغربية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النقاش يدور حول مبادرة مغربية تحتاج إلى من يروج لها، بل حول أرضية سياسية وقانونية جديدة صار كثير من الفاعلين مضطرين إلى تحديد موقفهم منها بوضوح أكبر.
هنا بالضبط يظهر دور الملك محمد السادس. فالمغرب لم يصل إلى هذه اللحظة فقط عبر الدفاع المستمر عن موقفه داخل الأمم المتحدة أو عبر تدبير يومي للنزاع. الذي حدث على مدى سنوات هو بناء مقاربة مختلفة، نقلت الملف من منطق الاحتواء والتدبير إلى منطق التغيير وإعادة التشكيل. لم يعد المطلوب فقط الحفاظ على المكتسبات ومنع الاختراقات المعاكسة، بل تغيير البيئة السياسية التي يتحرك فيها الملف، بحيث تصبح المبادرة المغربية هي نقطة الارتكاز، لا مجرد طرف في جدل مفتوح.
هذا التحول لم يكن نظريا. فقد ربط الملك محمد السادس قضية الصحراء، منذ سنوات، بأسئلة أوسع من مجرد النزاع في حد ذاته. ربطها بوحدة الدول في أفريقيا، وبالاستقرار الإقليمي، وبالانفتاح الأطلسي، وبالشراكات جنوب-جنوب، وبفكرة أن السيادة ليست مسألة قانونية مجردة، بل أساس لبناء مشاريع وممرات ومصالح مشتركة. ومن هذا المنطلق خرج الملف من دائرته التقليدية، وأصبح أكثر التصاقا بمفهوم الدولة القادرة على إنتاج الحلول، لا فقط الدفاع عن مواقفها.
هكذا صار دعم المغرب في هذا الملف متصلا بمنطق المصلحة بقدر اتصاله بمنطق الشرعية. فالمبادرة الأطلسية تجاه دول الساحل، ودبلوماسية القنصليات، والعودة إلى الاتحاد الأفريقي، وتوسيع شبكة الشراكات جنوب-جنوب، كلها عناصر لم تكن تتحرك في اتجاهات منفصلة. كانت جزءاً من رؤية واحدة، قوامها إخراج ملف الصحراء من منطق النزاع المجمّد إلى منطق المشروع الإقليمي. وهذا ما منح المقاربة الملكية قوة إضافية. لقد جعلت من الصحراء ليس فقط عنوانا للسيادة وللحق التاريخي، بل مدخلا لإعادة تعريف موقع المغرب داخل أفريقيا.
من هذا المنظور، تكتسب مواقف القاهرة ونيروبي وباماكو معناها الحقيقي. مصر لم تكتفِ بتجديد دعمها للوحدة الترابية للمملكة، بل أيّدت القرار 2797 بصيغته الجديدة. وكينيا دعمت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وأعلنت استعدادها للعمل مع الدول التي تتبنى هذا التوجه.
أما مالي، فقد ذهبت أبعد من ذلك حين أعلنت أنها لم تعد تعترف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وتبنت الحكم الذاتي باعتباره الأساس الجاد وذي المصداقية للحل. المعنى هنا لا يكمن فقط في أن هذه الدول دعمت المغرب، بل في أن هذا الدعم جاء من عواصم تمثل شمال القارة وشرقها وعمقها الساحلي، أي من فضاءات مختلفة في الوزن والحسابات والامتدادات. وهذا ما يعطي للحظة الحالية كثافتها السياسية.
الأهم أن هذه المواقف لم تعد تُقرأ بوصفها مساندة لمبادرة تحتاج إلى دعاية، بل بوصفها انخراطا في الإطار الذي بات يفرض نفسه على الجميع. وهذا هو جوهر التحول. فحين يصبح النقاش الأممي نفسه مؤطرا على أساس الحكم الذاتي المغربي، فإن الدول التي تعيد تموقعها لا تنتقل فقط من موقف إلى آخر، بل تدخل إلى فضاء سياسي جديد صار أكثر وضوحا وانضباطا. بعبارة أخرى، لم تعد الرباط تكتفي بكسب التأييد، بل أصبحت تعيد تشكيل أرضية النقاش نفسها.
ولهذا أيضا لا يكفي فهم المستجدات الأخيرة من خلال بعدها الدبلوماسي الظاهر. ما يجري يكشف أن أفريقيا بدأت تعيد النظر في هذا النزاع على ضوء معيارين شديدي الأهمية. الأول هو قابلية الحل للتطبيق. والثاني هو أثره في استقرار الدول ووحدة فضائها السيادي. هذه الزاوية بالذات تمنح المقاربة المغربية قوة إضافية في مرحلة أفريقية تتصاعد فيها حساسية القارة تجاه الانفصال والهشاشة والفراغات السيادية. دعم الحكم الذاتي هنا لا يظهر كخيار قانوني فحسب، بل كخيار سياسي منسجم مع المزاج القاري الجديد.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بين الصحراء والمبادرة الأطلسية التي طرحها الملك لفائدة دول الساحل. فبالنسبة إلى باماكو أو نيامي أو واغادوغو، لا يتعلق الأمر بملف قانوني منفصل عن الخرائط الاقتصادية الجديدة. الأمر يرتبط بالوصول إلى المحيط، بالممرات التجارية، وبإعادة تعريف التموقع داخل القارة. وعندما ينجح المغرب في ربط السيادة بالمشروع، فإنه ينقل الملف من مستوى التضامن إلى مستوى المصلحة. وهذه نقطة مفصلية، لأنها تجعل المواقف الجديدة أكثر رسوخاً وأقل قابلية للارتداد.
في الوقت نفسه، يكشف القرار 2797 عن شيء آخر شديد الأهمية. فخصوصيته لا تكمن فقط في أنه أعطى دفعة جديدة للمبادرة المغربية، بل في أنه حدد بوضوح أكبر الأرضية التي ينبغي أن يتحرك داخلها النقاش. وهذه نقطة فارقة، لأنها تقلص المسافة بين الشرعية الدولية وبين المقاربة المغربية، وتجعل أي نقاش خارج هذا الإطار أقل اتصالا بالواقع وأقل قدرة على الاستمرار. ولعل هذا ما يفسر أن عددا من العواصم بات يفضل الانتقال من صياغات رمادية إلى مواقف أوضح، لأنها تدرك أن النقاش لم يعد مفتوحاعلى كل شيء كما كان يُراد له سابقا.
المستقبل القريب مرشح لأن يحمل ترجمة إضافية لهذا التحول. أول ما يُنتظر هو اتساع دائرة العواصم الأفريقية التي ستعيد صياغة مواقفها بلغة أكثر انسجاما مع القرار الأممي ومع منطق الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وثاني ما يُنتظر هو أن تتعمق الصلة بين قضية الصحراء وبين مشاريع الواجهة الأطلسية والربط الإقليمي، بما يجعل المقاربة المغربية أكثر حضوراداخل حسابات دول الساحل وغرب أفريقيا. أما ثالث ما يلوح في الأفق، فهو أن تنتقل القضية من مرحلة ترسيخ الإطار إلى مرحلة تنزيل مفاعيله السياسية والاقتصادية والقارية على نحو أوضح.
إن المغرب لم يعد يتحرك داخل الملف بصفته طرفا يشرح موقفه باستمرار، بل بصفته دولة نجحت، بقيادة محمد السادس، في أن تجعل رؤيتها هي الأرضية الأكثر تماسا مع الشرعية الدولية، والأكثر قابلية للتحول إلى واقع إقليمي جديد. وعندما يصل الملف إلى هذه النقطة، فإن السؤال يتغير تلقائيا. لم يعد السؤال من يدعم المغرب، بل إلى أي حد سيواصل هذا الإطار الجديد دفع المواقف الأفريقية والدولية إلى مزيد من الوضوح والاصطفاف حول حل باتت ملامحه أكثر تحديدا من أي وقت مضى.
باحث مغربي مهتم بالشؤون السياسية والأمنية



