الملك والشعب فقدوا الثقة فيهم.. هل تشكل الوجوه السياسية القديمة "خطرا" على النموذج التنموي الجديد؟

من الأمور اللافتة التي حملتها خلاصات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، التي عُرضت أمام الملك محمد السادس بالقصر الملكي بفاس يوم 25 ماي 2021، التشديد على ضرورة إرساء جهاز إداري متجدد يكرس جهوده للصالح العام ويكون في خدمة المواطنين، وأوردت الوثيقة أن "التجديد الدوري للوظائف العليا في القطاعين العمومي على المستويين الوطني والترابي، وكذا لمسيري المقاولات والمؤسسات العمومية، يُعد تحديا ينبغي إيلاؤه أهمية قصوى".

لكن هذا النفس التجديدي، الذي يشكل روح المرحلة المقبلة التي يفترض أن تُحقق أهدافها كاملة بحلول سنة 2035، لا يبدو أنه يجد له موضعا لدى الطبقة السياسية المغربية التي أفرزت وجوها تحملت المسؤولية العمومية داخل الحكومات المتعاقبة أو على رأس المؤسسات الوطنية الكبرى طيلة العقود الماضية، وهي المسؤولة، بشكل مباشر، على جزء كبير من الفشل الذي حصده مسلسل التنمية، إلى درجة دفعت عاهل البلاد للاعتراف بذلك، إلا أن تلك الوجوه نفسها تستعد الآن لطلب المسؤوليات خلال الفترة المقبلة، من خلال تدافعها على المقاعد البرلمانية وداخل مختلف المجالس المنتخبة، ثم داخل الحكومة التي ستتلو استحقاقات 2021.

المسؤولون عن الفشل.. مستمرون!

وخلال عرضه لتقرير لجنة النموذج التنموي أمام الملك، وبحضور قادة أبرز الأحزاب السياسية، أوضح رئيس اللجنة، شكيب بن موسى، أن من بين أهم معيقات ضعف مردودية النموذج التنموي الحالي، "غياب الانسجام بين الرؤية الاستراتيجية والرؤية العمومية"، و"القدرات المحدودة للقطاع العام في ما يخص تفعيل السياسيات العمومية"، ثم "الإكراهات التي تحد من المبادرة"، وهي كلها يتحمل مسؤوليتها، بشكل تلقائي، الفاعل السياسي الذي تحمل مسؤوليات عمومية كبرى في مختلف المجالات التي راكمت نقائص خلال العقود الماضية، ما يجعله، نظريا على الأقل، جزءا من المشكلة وليس جزءا من الحل.

وسيحتاج حصر لائحة الأسماء التي تحملت المسؤوليات الكبرى على المستوى الحكومي أو الترابي خلال الأعوام الماضية والتي لا تزال تطمح للوصول مرة أخرى إلى مواقع المسؤولية خلال الفترة المقبلة، إلى العديد من الصفحات، لكن الاكتفاء بإلقاء إطلالة على قائمة الأمناء العامين للأحزاب السياسية، الذين سيقودونها خلال الانتخابات المقبلة، كفيل بطرح تساؤل حول مدى قدرتهم على التجاوب مع خلاصات تقرير لجنة النموذج التنموي التي نصت بصريح العبارة على أن الفترة المقبلة تتطلب "قيادة حازمة من أجل ضمان التعبئة الشاملة وقدرات عالية من حيث التنفيذ والتتبع".

وما يجعل هذا السؤال ملحا أكثر، هو أن العديد من أولئك "الزعماء" ومن معهم من قادة الصف الأول داخل الأحزاب، عجزوا عن خلق نموذج جديد للتنمية دون تدخل مباشر من الملك، كما لم ينتجوا أي فكر سياسي جديد أو رؤية اقتصادية طموحة وفعالة، بل منهم من كانوا مسؤولين مباشرة عن الواقع الصحي المتدهور والفشل الذي راكمه قطاع التعليم وعن الهشاشة الاجتماعية التي عاينها أعضاء اللجنة عن قرب وهم يقومون بجولاتهم، والتي فضحتها أكثر جائحة "كورونا"، وهي كلها ملامح فشل لم تدفع أيا من مسؤولي المرحلة التي يريد المغرب القطع معها للتقاعد السياسي.

سياسيون لا يريدون التقاعد

وتشمل اللائحة سياسيين جاوزت أعمارهم الستين، واعتادوا التنقل من مسؤولية إلى أخرى، في مقدمتهم محند العنصر ذي الـ78 عاما، الأمين العام للحركة الشعبية الذي عين وزيرا لأول مرة سنة 1981 كمسؤول عن قطاع البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، وظل يتنقل في المناصب الوزارية بما في ذلك وزارة الداخلية ما بين 2012 و2013، حتى أصبح وزيرا للشباب والرياضة وهو في السبعينات من عمره سنة 2015، ثم رفض التقاعد السياسي وأصبح في العام نفسه رئيسا لجهة فاس مكناس، ثم جدد ولايته على رأس حزبه سنة 2018.

أما أكثر الراغبين في الوصول إلى رئاسة الحكومة فهو الملياردير رقم واحد في المغرب، حسب تصنيف مجلة "فوربس" الأمريكية، عزيز أخنوش، الذي يقود حزب التجمع الوطني للأحرار وعمره 60 عاما والذي ولج عالم المسؤوليات السياسية سنة 2003 كرئيس لجهة سوس ماسة درعة، ثم في 2007 سيصبح وزيرا للفلاحة في حكومة عباس الفاسي، وسيظل جزءا من الحكومات المتتالية طيلة 14 عاما، ولم يمر في تاريخ المغرب مسؤول حكومي وسع نطاق وزارته مثله، حيث سيضيف إلى حقيبته تدريجيا طيلة قطاعات الصيد البحري ثم التنمية القروية ثم المياه والغابات.

وستكون "الوجوه القديمة" السمة المشتركة بين مختلف الأحزاب التي تريد المشاركة في تحمل مسؤوليات المرحلة المقبلة، فالاتحاد الدستوري يقوده محمد ساجد، عمدة الدار البيضاء السابق ووزير السياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي في النسخة الأولى من حكومة سعد العثماني، وعمره الآن 73 عاما، ويقود نبيل بن عبد الله، الذي سبق أن كان وزيرا للاتصال ثم للسكنى والتعمير، حزب التقدم والاشتراكية في عمر الـ62.

أما إدريس لشكر الذي سجل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في عهده أسوأ نتيجة في الانتخابات التشريعية لسنة 2016 بحصوله على 20 مقعدا فقط، وهو الحد الأدنى لتشكيل فريق برلماني، فسيستمر على رأس الحزب التاريخي وهو يقارب ربيعه الـ67، أما رئيس الحكومة الحالي، سعد الدين العثماني، الذي لم يسلم عمله من الانتقادات حتى من داخل حزبه لدرجته وصفه بـ"أضعف رئيس حكومة في تاريخ المملكة"، فسيستمر في قيادة حزب العدالة والتنمية وسنة 65 عاما.

الملك نفسه لا يثق فيكم

وبقائمة كهذه، والتي يخوض بعض الموجودين فيها حاليا معارك حتى مع شبيبات أحزابهم التي أعلنت عدم الثقة فيهم وفي من يحيطون بهم، يبدو التساؤل ملحا حول مصير "الميثاق الوطني للتنمية" الذي اقترحه تقرير اللجنة كآلية لتكريس التزام كافة القوى الحية للبلاد تجاه أفق تنموي جديد، والذي يفترض أن يشكل "التزاما سياسيا ومعنويا قويا أمام الملك وأمام الأمة برمتها"، و"أداة لتجديد علاقة الدولة بالفاعلين في مجال التنمية".

والحال أن الكثير من تلك الأسماء وغيرها، اتهمت بالاختباء وراء القصر للتهرب من مسؤوليتهما، على غرار المناقرة التي جرت سنة 2014 بين قائدين حزبيين يساريين هما نبيل بن عبد الله وإدريس لشكر، حين قال الأول إنه يمثل "حكومة صاحب الجلالة"، ليرد عليه الثاني خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني على القناة الثانية "ونحن معارضة صاحب الجلالة"، دون نسيان أن العديد من الوجوه الحزبية البارزة المُصرة على الاستمرار في طلب مواقع المسؤولية، جرى إعفاؤها من طرف الملك بعد إخلالها بالثقة الموكولة لها، حتى أن الرقم وصل في عهد حكومة العثماني وحدها إلى 27 تغييرا حكوميا ما بين إعفاء وتعديل.

والمثير أن الملك محمد السادس، الذي أطلق ورش النموذج التنموي الجديد سنة 2019، والذي قال في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب خلال العام نفسه، إنه يتطلع لأن يشكل النموذج التنموي "قاعدة صلبة لانبثاق عقد اجتماعي جديد، ينخرط فيه الجميع، الدولة ومؤسساتها، والقوى الحية للأمة، من قطاع خاص، وهيئات سياسية ونقابية، ومنظمات جمعوية، وعموم المواطنين"، كان قد أكد أنه بدوره لم يعد يثق في العديد من الفاعلين السياسيين.

فالعديد ممن يستعدون الآن للترشح في انتخابات 2021 والظفر بمناصب المسؤولية المختلفة مركزيا وجهويا ومحليا، يبدو أنه نسوا، أو تناسوا، ما قاله العاهل المغربي في خطاب العرش سنة 2017، حين أورد أنه "عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يجري الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه، وأضاف "إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟"، ليخلص إلى أن "بعض السياسيين انحرفوا بالسياسة، كما أن المواطن لم يعد يثق بهم"، وأن هؤلاء عيهم "إما أن يقوموا بمسؤولياتكم أو أن ينسحبوا".

السبت 0:00
غائم جزئي
C
°
16.63
السبت
18.12
mostlycloudy
الأحد
18.34
mostlycloudy
الأثنين
18.62
mostlycloudy
الثلاثاء
18.73
mostlycloudy
الأربعاء
19.23
mostlycloudy