المملكة المتحدة: زلزال انتخابي يعيد رسم الخريطة السياسية البريطانية
كما توقعت استطلاعات الرأي، أسفرت الانتخابات المحلية والجهوية التي جرت، يوم الخميس، بالمملكة المتحدة، عن انتكاسة قوية لحزب العمال الحاكم، ما وضع رئيس الوزراء، كير ستارمر تحت ضغوط متزايدة.
ولم يتمكن حزب العمال من حصد أكثر من 1001 مقعد، محتلا المرتبة الثانية خلف حزب "ريفورم يو كاي" المناهض للهجرة، الذي فاز بـ1444 مقعدا.
ووفق آخر نتائج الانتخابات المحلية في إنجلترا المعلن عنها، حل الديمقراطيون الأحرار في المرتبة الثالثة بـ837 مقعدا، متقدمين على حزب المحافظين، أبرز أحزاب المعارضة في برلمان وستمنستر، الذي حصل على 773 مقعدا.
كما سجل حزب الخضر تقدما ملحوظا بحصوله على 523 مقعدا، إلى جانب مكاسب مهمة في المدن الجامعية الكبرى، بحسب النتائج الأخيرة.
وفي ويلز، شكل الاقتراع قطيعة تاريخية، بعدما أصبح حزب "بلايد كامرو" القوة الأولى داخل برلمان ويلز بحصوله على 43 مقعدا، منهيا بذلك أكثر من قرن من هيمنة حزب العمال. كما فاجأ حزب "ريفورم يو كاي" المتابعين بحصوله على 34 مقعدا، فيما تراجع حزب العمال إلى تسعة منتخبين فقط.
أما في اسكتلندا، فقد حافظ الحزب الوطني الاسكتلندي كما كان متوقعا، على السلطة بعد فوزه بـ58 من أصل 73 مقعدا في البرلمان الاسكتلندي، رغم تراجع طفيف في نفوذه.
وأحدثت هذه النتائج صدمة سياسية في إنجلترا واسكتلندا وويلز، كاشفة، بحسب محللين، عن اتساع الهوة بين الناخبين والأحزاب التقليدية.
ويظل الفائز الأكبر في هذا الاستحقاق، دون منازع، حزب "ريفورم يو كاي". فقد حقق الحزب الشعبوي، بقيادة نايجل فاراج اختراقا تاريخيا داخل المجالس المحلية الإنجليزية، مسجلا تقدما لافتا مقارنة بالانتخابات السابقة.
وبعدما كان ينظر إليه لفترة طويلة كحركة احتجاجية منبثقة عن تيار "بريكست"، بات الحزب يعتبر اليوم قوة سياسية وطنية قادرة على منافسة العمال والمحافظين، وفق تقديرات عدد من المحللين.
وفي عدة مدن صناعية شمال إنجلترا، تمكن الحزب من انتزاع معاقل ظل حزب العمال يحتفظ بها لعقود.
ووصف نايجل فاراج النتائج بأنها "منعطف تاريخي"، معتبرا أن "النظام السياسي البريطاني القديم بدأ ينهار". ويبدو أن خطابه المناهض للهجرة بات يلقى صدى لدى شريحة من الناخبين المتضررين من الأزمة الاقتصادية وتراجع الخدمات العمومية.
وبالنسبة لرئيس الوزراء ستارمر، يمثل هذا الاقتراع انتكاسة سياسية قوية، بعدما خسر حزب العمال نحو 1400 منتخب مقارنة بالانتخابات المحلية السابقة.
وتجلت هذه الهزيمة أيضا في عدد من المدن الرمزية، من بينها بيرمينغهام ثاني أكبر مدن البلاد، حيث فقد حزب العمال السيطرة على المجلس البلدي بعد 14 عاما من الهيمنة.
ويرى مراقبون أن المملكة المتحدة تدخل مرحلة سياسية جديدة، تتسم بتراجع الهيمنة التقليدية للحزبين الكبيرين، العمال والمحافظين.
كما أن صعود حزب "ريفورم يو كاي"، والخضر، و"بلايد كامرو"، والديمقراطيون الأحرار، ينذر بمشهد سياسي أكثر تشتتا مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة.
ووصف الأستاذ الجامعي جون كيرتيس هذه النتائج بأنها دليل على وجود هيئة ناخبة منقسمة بعمق ومشهد سياسي يشهد تحولات متسارعة.
واعترف ستارمر بأن النتائج كانت "صعبة للغاية" بالنسبة لحزب العمال، مؤكدا أن الحزب مطالب ب"التفكير والتفاعل". كما تحمل مسؤولية هذه الخسارة، مع رفضه القاطع للدعوات المطالبة باستقالته.
وقال في تصريح للصحافة "لن أستسلم"، مضيفا أنه لا يريد "إغراق البلاد في الفوضى" من خلال الاستقالة، ومشددا على عزمه قيادة حزب العمال خلال الانتخابات التشريعية المقبلة.
وفي تصريح آخر عقب هذه النكسات الانتخابية، أكد ستارمر أن حكومته ستواصل العمل من أجل "إحداث التغيير"، رغم غضب الناخبين والهزائم المسجلة في إنجلترا وويلز واسكتلندا.
وردا على هذه النتائج، استعان رئيس الوزراء بشخصيتين بارزتين داخل حزب العمال للانضمام إلى الجهاز التنفيذي، هما رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون والبارونة هارييت هارمان نائبة رئيس الوزراء السابقة، وهما من الشخصيات ذات النفوذ داخل الحزب.
وسيتولى غوردون براون، الذي شغل أيضا منصب وزير المالية في حكومة طوني بلير بين 1997 و2007، منصب مبعوث خاص مكلف بالمالية العالمية.
وبعيدا عن الأرقام، تعكس انتخابات 7 ماي، بحسب محللين، إعادة تشكيل عميقة للمشهد السياسي البريطاني. فالثنائية الحزبية التقليدية، التي هيمنت لعقود عبر المحافظين والعمال، تبدو اليوم في حالة اهتزاز تحت ضغط صعود الأحزاب الشعبوية والبيئية والجهوية.
وبالنسبة لكثير من المراقبين، قد تشكل هذه الانتخابات محطة مفصلية في التاريخ السياسي المعاصر للمملكة المتحدة. غير أن أمرا واحدا يبدو مؤكدا منذ الآن وهو أن غضب الناخبين أعاد خلط أوراق المشهد السياسي البريطاني بشكل عميق.




