النازيون الجدد.. وأسطول الرجل الأبيض إلى سبتة المحتلة

 النازيون الجدد.. وأسطول الرجل الأبيض إلى سبتة المحتلة
الصحيفة | افتتاحية
الأحد 30 غشت 2026 - 17:34

ليست الصورة التي وصلت هذا الأحد إلى سواحل سبتة مجرد استعراض بحري عابر. عشرات القوارب القادمة من موانئ أندلسية، محمّلة بالأعلام الإسبانية وشعارات من قبيل "سبتة لا تُباع، سبتة تُدافع" و"الغزاة.. الطرد"، بدت وكأنها تستدعي مشهداً أقدم بكثير من أزمة هجرة طارئة، مشهدا من زمن كانت فيه السفن الأوروبية تخرج من الموانئ الإيبيرية وهي تحمل معها يقينا أخلاقيا زائفا بأن البحر يمنحها حق امتلاك الضفة الأخرى.

ثمة مفارقة جارحة في المشهد، فعلى الضفة الشمالية من المضيق، وعلى مرمى حجر من الأندلس، يوجد "جبل طارق"، وهو امتداد جغرافي مباشر للأرض الإسبانية، لكنه خاضع للسيادة البريطانية منذ أكثر من ثلاثة قرون، ومع ذلك، لم تتجه تلك "الأرمادا" إليه لاستعادة قطعة من "الوطن"، بل أبحرت جنوبا، نحو سبتة، المدينة المغربية التي احتلها البرتغاليون سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني ويُكرس بقاؤها في حوزته بمعاهدة لشبونة سنة 1668، أي إن المشهد يأتي بعد 611 عاما من بداية السيطرة الأوروبية على المدينة.

التاريخ هنا ليس زينة، بل مفتاحا لفهم الصورة، ففي أواخر العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، خرجت من شبه الجزيرة الإيبيرية سفن البرتغال وقشتالة نحو إفريقيا والأطلسي والأمريكيتين، واختلط الاكتشاف بالتجارة بالسيف وبفكرة التفوق الديني والحضاري.

تغير العالم، وسقطت الإمبراطوريات، لكن بعض الرموز تبقى كامنة في الذاكرة، ثم تعود فجأة في لحظة خوف، مثل الصور التي وصلت اليوم إلى شواطىء سبتة المحتلة، سفن، علم، وخطاب عن "الغزاة"، وشاطئ إفريقي يُقدَّم باعتباره خط الدفاع الأول عن أوروبا.

هذه ليست إدانة لكل إسباني رفع علما، ولا اتهاما جماعياً بالنازية لكل من ركب قاربه نحو سبتة، لكنها إدانة للصورة حين تتجاور فيها مفردات "الغزو" و"الطرد" و"الدفاع عن الأرض" مع شباب مهاجرين عزل، وبينهم قاصرون، هربوا من الفقر وانعدام الأفق بحثا عن حياة يعتقدون أنها ممكنة على الضفة الأخرى.

حينها يصبح السؤال مشروعا حول ما الذي يدافع عنه هؤلاء بالضبط؟ الحدود، أم ذاكرة الرجل الأبيض الذي لا يزال يرى نفسه صاحب "الحديقة" ويرى الآخرين قادمين من "الغابة"؟

وكان جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، قد صاغ هذه الاستعارة المثيرة للجدل حين وصف أوروبا بـ"الحديقة" ومعظم بقية العالم بـ"الغابة"، وقد شرح لاحقا أنه كان يقصد صراع النظام والقانون مع منطق القوة، لكن الاستعارة بقيت تحمل، رغم توضيحاته، أثرا ثقيلا من المركزية الأوروبية، واليوم تبدو قوارب سبتة وكأنها تمنحها صورة مادية، أُناس يبحرون من "الحديقة" نحو الشاطئ الإفريقي لكي يعلنوا أن القادمين من الجنوب "غزاة".

والأشد قسوة أن إسبانيا نفسها بلد يعرف معنى الهجرة، ملايين الإسبان غادروا تاريخيا إلى فرنسا وألمانيا وسويسرا وأمريكا اللاتينية طلبا للعمل والأمان والفرصة، لم يكونوا جيوشاً محتلة، بل بشرا ضاقت بهم شروط الحياة، لذلك يبدو مؤلما أن تتحول ذاكرة بلد عرف حقائب المهاجرين إلى خوف من شبان لا يملكون، في كثير من الحالات، سوى ثيابهم وأجسادهم المنهكة.

للدول حق حماية أمنها وحدودها "الحقة" وللمجتمعات حق العيش في أمان، لكن حالة سبتة لا يمكن، من المنظور المغربي، اختزالها في خطاب عن "حماية الحدود الإسبانية"، لأن الأمر يتعلق بمدينة محتلة وجزءا من تراب المملكة المغربية التاريخي والجغرافي.

وحتى بعيدا عن النزاع حول السيادة، لا يمنح ضبط الهجرة أي سلطة حق تجريد الإنسان من كرامته، فالقانون الدولي يحمي حق طلب اللجوء، ويحظر المعاملة اللاإنسانية، ويُلزم بحماية القاصرين واحترام الحقوق الأساسية للمهاجرين.

وهنا تحديدا ينكشف الخطاب المتطرف، حين يحوّل شابا أعزل إلى "غازٍ"، والجوع إلى وسيلة ردع، والخوف إلى مشروع سياسي، ثم يستدعي مفردات الحرب للدفاع عن وضع استعماري موروث من قرون مضت.

إن أخطر ما في "أسطول سبتة" ليس عدد قواربه، بل الرمز الذي صنعه، قوارب أوروبية تتجه جنوبا، لا لاكتشاف عالم جديد هذه المرة، بل للدفاع عن آخر بقايا عالم قديم، ومن يريد حماية إسبانيا في القرن الحادي والعشرين، عليه أولا أن يحميها من أشباحها، من الحنين إلى الإمبراطورية، ومن وهم التفوق، ومن نازية جديدة لا تحتاج دائما إلى الزي العسكري كي تُعرَف، يكفي أحيانا أن تسمي الجائع "غازيا"، ثم تبحر نحوه.

The comments are closed in this post

حين تخاف إسبانيا من التاريخ

في ملعب "لا كارتوخا" بإشبيلية، لم تكن كرة القدم وحدها حاضرة، وُضع العلم الإسباني إلى جانب علم سبتة المحتلة أمام عشرات الآلاف من الجماهير في مباراة ريال مدريد ضد ريال ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...