د. محمد كرواوي
الجمعة 17 يوليوز 2026 - 22:19

الوضع القانوني والتاريخي للصحراء الشرقية المغربية

تأتي الزيارة الرسمية المرتقبة لرئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط، للمشاركة في أشغال الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المشتركة، لتدشن مرحلة جديدة وعملية في تفعيل ملفات الذاكرة بين البلدين.

إن هذه المحطة الحكومية رفيعة المستوى، والتي تأتي امتدادا للتفاهمات الاستراتيجية التاريخية التي أعقبت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمغرب في خريف 2024، تضعنا أمام تفعيل حقيقي لالتزام باريس بفتح ملف الأرشيفات والخرائط الاستعمارية المتعلقة بترسيم الحدود الشرقية للمملكة. وهو الحدث الجيوسياسي الراهن الذي يدعونا إلى قراءة ما وراء السطور وفحص تجليات هندسة الحدود في شمال إفريقيا بمنطق الدولة وحقائق الجغرافيا الصارمة.

وحين نلج ردهات القانون الدولي بحثا عن العدالة التاريخية، ونسلط الضوء على ملف الصحراء الشرقية المغربية التي تشمل مناطق تندوف، كولومب بشار، توات، والساورة، فإننا لا نتحدث بلغة العاطفة السياسية، بل نفتح خزانة الوثائق الدامغة والأدلة القانونية التي تثبت السيادة المغربية الثابتة، والتي تعرضت لعملية بتر جراحي تعسفي من قبل الآلة الاستعمارية الفرنسية. 

إن هذه المرافعة القانونية ترتكز على أعمدة رئيسية في القانون الدولي، تفكك الأطروحة الاستعمارية وتثبت شرعية الحق المغربي.

أولا: الدفعة الأولى للأرشيف ونزع السرية عن كواليس البتر الجغرافي وتأكيد السيادة الفعلية.

حين نقف اليوم أمام المشهد الدبلوماسي المعقد في شمال إفريقيا، نجد أننا لسنا أمام مجرد خلافات حدودية عادية، بل أمام ملفات استراتيجية كبرى جرى التخطيط لها في غرف باريس المغلقة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. إن المستندات والخرائط التي تسلمها المغرب مؤخرا من الأرشيف الفرنسي لا تمثل مجرد أوراق تاريخية، بل هي وثائق كاشفة لطبيعة صراع القوى، وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة بأكملها.

إن هذا الحدث، في التقدير الاستراتيجي السليم، يعيد فتح ملف الحدود الحقة على مصراعيه، ويضعنا مباشرة أمام حقيقة كيف صنعت القوى الاستعمارية الخرائط، وكيف تلاعبت بالامتدادات الترابية الطبيعية لحسابات ومصالح تخصها وحدها.

وعندما نقرأ هذه الوثائق قراءة بنيوية مستفيضة، يتضح لنا أن فرنسا الاستعمارية، وفي ذروة تمددها العسكري في شمال إفريقيا، كانت تدرك تماما الحدود القانونية والتاريخية للمملكة المغربية. التقارير العسكرية والمراسلات المتبادلة بين الحكام العسكريين في وهران والجزائر العاصمة من جهة، ووزارة الحرب في باريس من جهة أخرى، تشير بوضوح إلى أن مناطق واسعة من الصحراء الشرقية كانت تدور في فلك السيادة والشرعية المغربية قبل التوغل الفرنسي.

وفي فقه القانون الدولي، وتحديدا ما استقرت عليه محكمة العدل الدولية كما جاء في رأيها الاستشاري الشهير عام 1975، لا يشترط لوجود السيادة وجود إدارة ببيروقراطية على النمط الغربي، بل يكفي إثبات روابط سياسية وقانونية فعلية. وهنا تبرز مؤسسة البيعة كعقد قانوني وسياسي متكامل الأركان.

فالوثائق التاريخية والظهائر الشريفة المحفوظة تؤكد أن قبائل الصحراء الشرقية، مثل ذوي منيع، أولاد جرير، وقبائل تندوف وتوات، كانت ترتبط بسلاطين المغرب بروابط بيعة شرعية مستمرة. هذه الروابط لم تكن شعورا روحيا مجردا، بل ترجمت إداريا وقانونيا عبر مظاهر السيادة الكاملة المتمثلة في جباية الضرائب، حيث كان السلاطين يعينون أمناء وخداما لجمع الزكاة والضرائب باسم المخزن المغربي في هذه المناطق.

كما تجلت في التعيينات السلطانية عبر صدور ظهائر شريفة بتعيين القضاة، القياد، والولاة لإدارة شؤون السكان والفصل في النزاعات، وامتدت إلى الدفاع العسكري من خلال إرسال حركات عسكرية سلطانية لحماية هذه الثغور وتأمين طرق القوافل باعتبارها عمقا حيويا للمملكة.

وتأسيسا على هذه الرؤية، فإن الجانب الأكثر خطورة في وثائق الأرشيف الفرنسي يتبدى في رصده الدقيق لآليات السيادة المادية والمالية التي كان يمارسها المخزن المغربي فوق تلك الأقاليم المقتطعة. إن تقارير الاستخبارات العسكرية الفرنسية ومكاتب الشؤون الأصلية لم تكن تدون انطباعات نظرية، بل كانت ترصد واقعا إداريا وقانونيا حيا يجري تنفيذه على الأرض بانتظام.

هذه التقارير والخطابات السرية المتبادلة بين القادة الميدانيين تثبت أن النفوذ المغربي في تلك الواحات وصولا إلى بشار وتندوف، لم يكن مجرد نفوذ روحي أو رمزي، بل كان سلطة فعلية يعبر عنها النظام القضائي والإداري والمالي للمملكة بشكل يومي وصارم لا يقبل اللبس.

بناء على ذلك، عندما توغلت فرنسا في هذه المناطق، لم تجدها أرضا بلا صاحب، بل وجدت كيانا قانونيا مغربيا قائما يمارس سيادته الفعلية بنص القانون الدولي. ويوثق تقرير سري حرره أحد الحكام العسكريين الفرنسيين في أواخر القرن التاسع عشر اعترافه لوزارته في باريس بأن محاولات فرض السلطة الفرنسية في هذه الواحات تصطدم دائما بعقبة الشرعية القانونية المتمثلة في ارتباط السكان الوثيق بسلطان المغرب، وأنهم يرفضون أي إلحاق قسري بالمستعمرة الناشئة في الجزائر.

ثانيا: بطلان الحدود التعسفية والالتفاف على معاهدة للا مغنية لعام 1845

إن القيمة الاستراتيجية الأساسية لهذه الدفعة من الأرشيف تكمن في كونها صادرة عن الجهة التي قامت باقتطاع هذه الأراضي وضمها إلى المقاطعات الفرنسية في الجزائر، والتي كانت تعتبرها باريس آنذاك امتدادا مستداما لها وراء البحار. هذا الاعتراف الوثائقي الرسمي يمنح الدبلوماسية المغربية المعاصرة قاعدة بيانات قطعية وصلبة، فالوثائق تكشف كيف جرى قضم الجغرافيا المغربية بشكل تدريجي، وكيف تم الالتفاف على الاتفاقيات الرسمية.

وتعتبر معاهدة للا مغنية الموقعة عقب معركة إيسلي عام 1845 نموذجا صارخا للتعسف الاستعماري، حيث نصت المادة الرابعة منها على رسم الحدود من الساحل إلى ثنية الساسي، بينما تركت المناطق الجنوبية مبهمة بلا خطوط رسمية، بزعم أنها أرض قفار.

من الناحية القانونية، استغلت فرنسا هذا الغموض المتعمد لممارسة سياسة القضم التدريجي للأراضي المغربية، مستندة إلى تفوقها العسكري. وكلما اكتشفت باريس ثروات باطنية كالحديد في غارا جبيلات بتندوف، أو الفحم في بشار، كانت تنقل الخطوط الإدارية غربا على حساب المغرب لضم الواحات الغنية بمسالك التجارة الصحراوية والموارد الطبيعية.

إن هذا التوثيق الاستخباري الصارم يسقط بالكامل الأطروحات التبريرية التي حاولت رسم حدود مصطنعة بناء على حسابات استعمارية عابرة، ويعيد وضع القضية في سياقها الحقيقي كعملية اقتطاع ترابي منظم لخدمة مصالح الإمبراطورية الاستعمارية. 

والقانون الدولي المعاصر يعتبر الحدود الإدارية الاستعمارية التي وضعت من طرف واحد لترسيم حدود مقاطعتها على حساب دولة قائمة بذاتها كالمملكة المغربية، إجراء باطلا ولا يمكن أن يكتسب شرعية التقادم، لأن سلطة الاحتلال لا تملك حق نقل السيادة أو التصرف في أراضي الغير.

ثالثا: القيمة القانونية للأرشيف والاتفاقيات الملزمة: من التاريخ إلى الحجية الدولية

إن الانتقال بملف الصحراء الشرقية المغربية من حيز الذاكرة التاريخية إلى أفق التكييف القانوني يفرض بالضرورة اتخاذ الأرشيف والوثائق الرسمية مرجعية حاسمة لملء الفراغ الجيوسياسي الذي خلفه الاستعمار. في فقه القانون الدولي، لا تكتسب الحدود شرعيتها من الواقع المفروض بالأمر الواقع، بل بالبينة والوثوقية التي يقدمها الأرشيف لإثبات السيادة الفعلية للدولة قبل دخول القوى الأجنبية.

وتتجلى الحجية القانونية لهذا الأرشيف في كونه يوثق استمرارية الدولة المغربية عبر ظهائر التعيين السلطانية للقضاة والعمال، ووثائق استخلاص الجبايات والضرائب، ووثائق البيعة المكتوبة والمستمرة التي اعتبرتها محكمة العدل الدولية صكوك سيادة قانونية يعتد بها دوليا ترفض أطروحة الأرض الخلاء. وبناء على ذلك، يصبح الأرشيف المغربي والدبلوماسي وسيلة تفكيك قانونية تبطل شرعية الخطوط الإدارية الداخلية التي رسمتها فرنسا الاستعمارية، وتؤصل للحقوق الترابية المشروعة للمملكة.

وإلى جانب قوة الأرشيف، تعد اتفاقية 6 يوليو 1961 الموقعة في الرباط بين الملك الراحل الحسن الثاني وفرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وثيقة قانونية دولية حاسمة. ففي هذه الاتفاقية، اعترفت الثورة الجزائرية صراحة وبصفة رسمية بأن التحديد الجغرافي الذي فرضته فرنسا للحدود الجزائرية تم جائرا وعلى حساب الأراضي المغربية. ونصت المادة الثانية منها على إنشاء لجنة مغربية جزائرية لإعادة دراسة ملف الحدود واسترجاع المغرب لحقوقه فور نيل الجزائر استقلالها. 

ومن منظور القانون الدولي، ووفقا لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، فإن هذا الاتفاق يمثل إقرارا قانونيا بالحق من قبل الممثل الشرعي للشعب الجزائري آنذاك. وتنكر القيادة الجزائرية اللاحقة لهذا الاتفاق يمثل خرقا صريحا لمبدأ حسن النية في العلاقات الدولية، ولا يلغي الأثر القانوني للوثيقة التي تثبت اعتراف الطرف الآخر بمغربية الصحراء الشرقية.

إن هذا الانفتاح الفرنسي الجديد لا يعكس فقط رغبة في تصفية إرث الماضي، بل يؤشر على تحول جيوسياسي قائم على الوضوح، حيث أدركت النخبة السياسية الفرنسية أن بناء شراكة مستقبلية متينة مع المملكة يتطلب الاعتراف بالحقوق التاريخية دون مواربة.

رابعا: تفكيك مغالطة الحدود الموروثة عن الاستعمار ودبلوماسية الذاكرة الصلبة

تتحصن الأطروحة المضادة بمبدأ قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار، والذي تبنته منظمة الوحدة الإفريقية عام 1964. لكن تطبيق هذا المبدأ على حالة المغرب يحتوي على عوار قانوني وتاريخي كبير لسببين أساسيين. أولهما الاستثناء القانوني للدول العريقة، فهذا المبدأ وضع أساسا للقارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية لمنع الحروب بين كيانات مصطنعة خلقها الاستعمار ولم تكن موجودة قبله كدول.

أما المغرب، فهو دولة أمة قائمة بمؤسساتها وحدودها المعترف بها دوليا لقرون قبل دخول فرنسا وإسبانيا، ولا يمكن تطبيق قانون توزيع تركة الاستعمار على دولة كانت هي نفسها ضحية للاستعمار وبتر أراضيها.

ثانيهما التحفظ المغربي، حيث سجل المغرب تحفظا قانونيا رسميا على هذا المبدأ فور صدوره، متمسكا بحقه في استكمال وحدته الترابية بناء على شرعية المعاهدات التاريخية السابقة للاحتلال.

وفي التحليل الاستراتيجي، يصبح من المحتوم القول إن ملف الصحراء الشرقية، في ضوء الوثائق والخرائط المستعادة، يتجاوز كونه سجالا قانونيا حول مساحات ترابية، ليتحول إلى عنوان لمعركة كبرى حول إعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية في شمال إفريقيا بأكملها.

إن القرار الفرنسي القاضي بنزع السرية عن هذه المستندات وتسليمها إلى المؤسسات السيادية المغربية يمثل في جوهره اعترافا صريحا بمسؤولية باريس التاريخية عن إحداث هذا الخلل الجغرافي. وهذا التحول الاستراتيجي يكشف أن الدول العريقة كالمملكة المغربية تمتلك من عناصر الاستمرارية والشرعية التاريخية ما يتيح لها استعادة حقوقها وحماية أمنها القومي عبر تفعيل دبلوماسية الذاكرة الصلبة.

فالأوراق الرسمية التي حررها الجنرالات الفرنسيون أصبحت اليوم بمثابة الشهادة العكسية التي تفكك مشروع الاستعمار نفسه وتثبت تهافت الأطروحات المناوئة للوحدة الترابية للمملكة، وتجبر الشركاء الدوليين على اتخاذ مواقف واضحة تتماشى مع الحقائق القانونية التي أصبحت مشاعا في العلن بعد عقود من التعتيم المفروض.

خامسا: آفاق وأبعاد جيوسياسية وحتمية السيادة المستعادة

تتجاوز القيمة الاستراتيجية الكبرى للأرشيف المستعاد حدود التوثيق التاريخي المجرد، لتفتح آفاقا جيوسياسية جديدة تعيد رسم الخرائط الدبلوماسية في المنطقة بناء على حتمية السيادة المغربية الثابتة. إن البعد الجيوسياسي الأول لهذا الأرشيف يكمن في إسقاط شرعية الأمر الواقع الاستعماري الذي حاولت باريس تثبيته في حقبة زمنية مضت لحسابات توسعية.

 وبامتلاك المغرب لدفاتر الجباية، وظهائر التعيين الإداري، ووثائق البيعة الشرعية الموثقة من القوة الاستعمارية نفسها، ينتقل النقاش الإقليمي والدولي من دائرة السجال الأيديولوجي إلى دائرة اليقين القانوني الصارم، مما ينهي عقودا من التعتيم والابتزاز السياسي الذي مارسته أطراف إقليمية بناء على خرائط مقتطعة ومصطنعة.

وعلى صعيد الآفاق المستقبلية، فإن هذه الوثائق تحصن الأمن القومي المغربي وتمنح صانع القرار في الرباط تفوقا استراتيجيا حاسما في صياغة التحالفات الدولية، لتظل دبلوماسية الذاكرة الصلبة جدار صد قانوني يغلق الباب أمام أي محاولات مستقبلية للمساس بحقوقه التاريخية.

وحاصل هذه المرافعة أن الوضع القانوني للصحراء الشرقية المغربية يتلخص في مواجهة صريحة بين شرعية الحق التاريخي الموثق الذي يمتلكه المغرب بظهائره، بيعاته، والاتفاقيات الدولية الثنائية، وبين شرعية الأمر الواقع الاستعماري الذي يسعى لتأبيد حدود خطتها أقلام الجنرالات الفرنسيين لخدمة مصالح إمبراطورية بائدة.

إن أوراق الصحراء الشرقية المغربية لم تعد مجرد أرشيف حبيس الأدراج، بل تحولت إلى استراتيجية عمل حية تحصن السيادة المغربية وتصنع ملامح المستقبل الإقليمي.

إن منطق الحق التاريخي وعرى البيعة الشرعية التي وثقتها الإدارة الفرنسية قبل قرنين، يثبتان اليوم أنهما أبقى وأقوى من كل المناورات الجغرافية المؤقتة. وإن فتح ملف أوراق الصحراء الشرقية بالاستناد إلى القانون الدولي والوثائق الملكية، هو ممارسة مشروعة لسيادة الدولة في الدفاع عن ذاكرتها وحقوقها الجغرافية الواضحة التي لا تسقط بالتقادم.

كاتب وأكاديمي مغربي

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة
The comments are closed in this post

إسبانيا التي يبتلعها التطرف

ثمة شيء يتغير بعمق داخل إسبانيا، وليس من الحكمة اختزاله في صعود حزب "فوكس"، ولا في بعض المظاهرات التي يظهر فيها شبان يؤدون التحية الفاشية، ولا حتى في الشتائم التي ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...