انفِصامٌ في السّياسة!

▪ أحزابٌ مُصابةٌ باضطرابٍ انفِصامي..
والحاجةُ إلى تَحليلٍ نفسِيّ وعقليّ وعَصَبي، لمُعالجَةِ الخَللِ الحاصِلِ لدى زعاماتٍ حزبيةٍ ذاتِ إصاباتٍ في الذّاكرةِ والسّلُوك..
اضطِرابٌ انفِصامي في شخصيّاتٍ حزبية..
هذا مَرَضٌ "سياسي" يجعلُ بعضَ "الزُّعماء" يقومُون بالفِعلِ وعَكسِه، في نفسِ اللحظة.. وكأنّهُم يمشُون في اتّجاه، وفي اتّجاهٍ مُعاكِس، في وقتٍ واحد..
ازدواجيةٌ في التفكيرِ والسلوك..
انفِصامٌ يجعلُ زعيمَ الحزبِ لا يَستَوعِبُ التّناقُضاتِ الاضطِرابيّة في تصريحاتِه وسُلوكاتِه.. ولا يعِي عرقلةً تمنعُه من استِحضار الذاكرة، بمعلوماتِها وما تقودِ إليه من تحليلات..
وإلى هذا لا يَنضَبطُ الزعيمُ الحزبي للقَواعدِ السياسية.. وأحيانًا يقفزُ على الدّستور، ويَشتغِلُ مع النُّخبِ السياسية، والمؤسّساتِ المسؤولة، وكأنهُ "الحزبُ الوحيد" في البَلد..
والإضطِرابُ الانفِصامِي عند هذه الفئة الحزبية، قد يأخذُ أبعادًا أخرى، وربّما يُؤثّر على مسؤولياتِ الزّعيم، دون أن تَنتَبِهَ الجهاتُ المعنيّةُ إلى أنّ فكرَهُ مَحكومٌ بأعراضٍ مُتناقِضة..
وجبَ الحِرصُ، في هذه الظاهرة، على التّباعُد الاجتماعي، حتى لا تنتشرَ "العَدوَى"، وبالتالي لا يُشكلُ أيُّ زعيمٍ تهديدًا لواجباتِه، ولا يُسرّبُ انفِصامَه "السياسي" إلى زُملائِه في أحزابٍ أخرَى هي أيضًا بدُون رؤيةٍ واضِحة..
إنّ الأحزابَ تُشكّلُ- من بَوّابتِها السياسيّة - أداةً قد تَضُرّ، في حالةِ ازدواجيةِ المَسار، بتوازُناتِ البلد..
وقد يَنتَقلُ الانفِصامُ إلى أحزابٍ أخرى، ويُشكّلُ عِلّةً على مُؤسّساتٍ وإدارات، ويُعرقلُ استراتيجيّاتٍ للدّولة، ومن خلالِها يُؤثّرُ على طمُوحِنا الوطني، وهو طمُوحٌ ثابِتٌ قويّ، إلى ديمُقراطيةٍ هادفةٍ لبناءِ دولةِ المُؤسّسات..
فهل تتَنبّه الأحزابُ إلى واجبِ إجراء تحليلٍ نفسي وعقلي وعَصبي، وبشكلٍ مُنتَظِم، وغيرِ مُنقطِع، على مَسؤوليها، للتأكّد من مَدى سلامةِ غيابِ الفِعلِ والفعلِ المُضادّ، وغيابِ التّناقُضاتِ بين الفِعلِ والعمَل، أثناء القيامِ بمسؤولياتِهم القانُونيةِ الاعتِباريّة؟

▪ وقد لا يَتوقفُ الاضطرابُ الانفِصامي عند هذا الحدّ..
ربّما يَتوغّلُ إلى الفِعلِ السياسي لبعض مسؤولينَا الحِزبيّين..
ومن أعراضِه كونُ هذا المَسؤول - أو ذاك - يُقدّم للناسِ الواقعَ بطريقةٍ أحيانًا مُخالفةٍ للعَقل، نظرٍا لِما يعِيشهُ الناس..
قد يكونُ الواقعُ في واد، والزعيمُ الانفِصامي في وادٍ آخر.. وعندها يُنتِجُ الزعيمُ الحِزبي هَلوسَاتٍ من شأنِها عَرقلةُ مَسؤولياتهِ الوظيفيّة..
وهذا الخللُ السّلوكي، بتفسِيراتِه اللاّمعقُولة، قد يُسرّبُ الاضطرابَ الانفِصامي إلى بعض المسؤولين المُقرّبين من زعيمِ الحزبِ الذي ما زالَ يُقدّم للناس، وفي التلفزيون، شُروحاتٍ لامعقُولةً لما يحدثُ في البلد، من شاكلةِ التّناقُضات التّعبيرية عمّا يجبُ الالتزامُ به - مثلاً - من إجراءاتٍ احترازية، لمُواجهة فيرُوس كُورُونا..
وفي هذا الصّدد، تُوجَدُ في "مَواقعَ اجتماعية" تصريحاتٌ بالصوت والصورة لرئيسِ حكومتِنا، وهو زعيمُ حزبٍ سياسي، ويقولُ فيه: "لا داعيّ لاستِعمالِ الكمّامات، لأنها لا تُفيد"..
وفي نفسِ الوقت، تقومُ حكومتُه بتجريمِ كل مَن لا يضعُ هذه الكمّامات..
ومن تناقُضاتِ زعماءَ مُصابين، أنّ اضطراباتٍ انفِصاميّةً قد تُسرَّبُ إلى أحزاب سياسيةٍ أخرى، وهذه ليست بعيدةً عن بوّاباتِ الحُكومة..
ومنها ينتقلُ الخللُ السلوكي الانفصامي إلى فئاتٍ من القاعِدة الحِزبيةِ "النّضالية"، ومنها إلى قواعدَ أخرى..
وبهذه الوتِيرة، تَتواصلُ تسرّباتُ الانفِصام، ولا تتَوقّف..

▪ أحزابُنا كثيرةُ التّناقُضات..
تنشُرُ في أوساطِها شُروحاتٍ مُخالِفةً للوَاقعِ المُعَاش..
أحزابُنا تُدخِلُ الفردَ في دوّامةٍ من الانقِساماتِ والتّعدُّدات الشّخصيّة، لدرجةِ أنّ الفردَ يَعزِلُ نفسَه عن الواقِع، ويُصابُ في أعماقهِ باضطرابٍ نفساني قِوامُه تعدّدُ الشّخصيّات..
اضطرابٌ يتَسبّب في تعطيلٍ للذّاكرة، وفي تطويرِ شخصٍ أو أكثر - حتى دون وعي - ويحسبُ الفردُ نفسَه ليس واحدًا، بل اثنين أو أكثَر…
وهذا خَللٌ يَحُولُ دون توازُنٍ في وظيفةِ الذّاكرةِ والوَعي..
ويُصبحُ الفردُ تحت تأثيرِ زعيمِ الحِزب..
وها قد صارَ المُواطنُ الواحِدُ مُنقسِمًا إلى "قِطَع" مُتفاوتةِ الأَحجامِ والألوَانِ والأهدَاف..
أحزابُنا تفعلُ هذا في مُواطِن لا يُريدُ نفسَه إلا شخصًا واحدا، مُنسجِمًا مع ذاتِه، في ذاتِه..
هي أحزابُنا قامَت وتَقُومُ بتفصِيلِنا إلى أجزاءٍ مُتفاوتةِ الأحجامِ والألوَانِ والأهدَاف، ومُتناقِضةِ السّلوكات، وناقلةٍ لأيةِ أخبارٍ نميميّة، وأخرى عشوائيةٌ بلا أساس..
ويَنقسمُ الناسُ إلى حَلَقات.. والحلَقاتُ إلى مجمُوعات..
والفردُ نفسُه يتحوّلُ إلى قِطَعٍ صغيرة..
ويُحَوّلون بلدَنا إلى "تجزِئاتٍ" تتَقاسَمُها أسماءُ ماليةٌ معرُوفة..
وها نحنُ أَعلَمُ أنّنا مَولُودُون مُجزَّؤون بين آل فُلانّ وآلِ فُلانة، وأنّ أصواتَنا لن تذهبَ إلاً لكبيرِهِم وكبيرتِهم، ومَن مَعَهُم..
نحنُ نكِدُّ ونعمَل، وهُم يقطِفُون، حتى دُون بذلِ أيِّ مَجهُود!

▪ ولا أحدَ في قبيلتِنا غيرُ مُجزّء..
التّجزئُ النّفسي والعَقلي والعَصَبي هو القاعِدة..
وفي بقيةِ الأحوال، لا شيءَ يتغيّر، لا في الناخبين.. ولا المُنتَخَبِين.. ولا البرلمان.. ولا الحكومة.. ولا الأسطُولِ الحزبي الذي ما زال يُفرّقُنا لكي يتسّلقَ بنا إلى الحُكومة، فيُشرّعَ ويَحكُم، ولو بتَفقيرِ الناسِ وتَجهيلِهم..
ويَفعلُ زُعماءُ الأحزابِ فينا وفي بلادِنا ما يشاؤون، ولا حسيبَ لهُم ولا رَقيب..
ونحنُ مُجزَّؤون، مُقسَّمون..
والأساسُ في حياتِنا الخاصّةِ والعامّة، هو ألاّ أحدَ فيها شخصٌ واحِد، مُستَقِلُّ القرار، مُنسجِمٌ مع نفسِه، مِلْكُ نفسِه، ولا مَن يتَحكّمُ فيه..

▪ ولا أحدَ مُستقلٌّ في قبيلتِنا..
نحنُ هُنا تابِعونَ إمّا لفُلانٍ أو عِلاّن..
والحُكومةُ - بنُخبتِها السياسيّة - لا تَرانا إلا قاصِرِين.. مُقَسَّمِين مُنقَسِمين.. ولَسنا فكرًا واحدًا.. ولا يَدًا واحِدة..
وتجدُ الحُكومةُ طريقَها إلى العالَم، وهي طليقةُ اليَديْن.. تفعلُ ما تشاء.. وتتَصرّفُ نيابةً عنّا في مُخاطبَةِ الداخِلِ والخارِج..
وهذه نفسُها لا تخلُو من هَشاشة..
وعندما تتكلم، فخِطابُها مََفرُوضٌ علينا..
مُوجّهٌ إلى "الأُسرةِ الدّولية"..

▪ وفي مَنطقِها التّراتُبِي: الإنسانيّةُ أوّلاً!
ثم يأتي الإنسان.. ثم المُواطِن..
وبدُون إنسانيّة، لا إنسان.. ولا مُواطِن..
وهذا المَنطقُ يُدخِلُ البشرَ في دوّامةِ مَوازين القِوَى العالَمية.. ومَنطقِ مَصالح الدّولِ الكُبرى.. وقوانينِ الكِبار، وهي أحيانًا من "قوانِينِ الغاب"..
وتُصبحُ للحياةِ العالميةِ قوانينُ مُتضارِبة، مُتصارِعة.. غيرَ مُتَجانِسة.. ولا تُفكّرُ إلاّ في المَصالح.. وفي تحرِيكِ آلياتِ النّزاعات.. والتّواطُؤات.. واستِغلالِ الإنسانِ للإنسان..
ويَترَبّصُ بالمَشهدِ المُتحرّك: انتِهازيّون من كل الفئات، ويُصبِحُ العالمُ غيرَ آمِن..
وهذا قانونٌ عالمِي، اسمُه "حقُوقُ الإنسان" 1948، قد فشَل في إقرارِ هذه الحقوق، على الصعيد الإنساني العالمي، لأن مَصالحَ الدول الكبرى والمتوسّطةِ والصّغرى، قد أفرغَت الإنسانَ من الإنسانية..
ولم يعُد حُكّامُ العالم يعبأون بجَوهرِ الإنسان، وهو الإنسانية..
وحوّلُوا الإنسانيةَ نفسَها إلى شعاراتٍ اجتِماعية، وكأنّها تَوسٌّلٌ لخدَماتٍ ومُساعَدَات..
وقام حُكّامُ العالَم بتَصنيعِ قوالبَ لتركيبِ مَفاهيمَ للإنسانيةِ على أساسِ المصالح..
وإلى الآن، يبحثُ العالمُ عن الإنسانية، ولا يجِدُ بعضَ فُتاتِها إلاّ في أماكنَ نائية، وأحياءٍ تسودُها الاحتياجاتُ القُصوَى..

▪ النّائيّاتُ قد تُنجبُ الإنسانَ الجديدَ المَفقُود..
أماكنُ قد تكونُ مشروعًا لتوليدِ الإنسانية..
وما زلنا بعيدينَ عن الإنسانيةِ المنشُودة.. إنسانيةٌ لا فرقَ فيها بين الأديَان، والإديُولوجيّات، والجُدرَان، والألوان، والعِبادات، والعيّادَات، وكلّ ما يُفرّق الناس..
والنتيجة: أصبحَ الإنسانُ على شَفَا اللاّإنسانية..
والدّليل: اختِفاءُ الحيواناتِ الألِيفَة.. وهي من عَلاماتِ العَيشِ المشترَك من غاباتٍ واحِدة، ومياهٍ واحدة، وهَواءٍ واحِد، وقِيّمٍ جذُورُها في الإنسانية، وعرُوشُها إنسانية، وثِمارُها رهنَ إشارةٍ إنسانيّة..
إنّ الحياةَ المُعاصِرة تَفقِدُ أكثرَ فأكثرَ الرّوحَ الإنسَانية، وصارَت تطغَى المَصالحُ على الجميع..
وتحوّلُ الاحتياجاتِ إلى أدواتٍ للابتزازِ السياسي والاقتِصادي..
وحتى الإنسانُ أفقَدُوه ما تبقّى فيه من إنسانية.. وصارَ - في حالاتٍ شتّى - شِبهَ إنسان، هو منقُوصُ الإنسان، ومقصُوصُ الأجنِحةِ الإنسانية..

▪ وبدونِ إنسانيّةٍ لا إنسان!
إلى أينَ نحنُ سائرُون؟
العالَمُ في خَطر..
والخَطرُ سَاكنٌ في هذا الإنسانِ نفسِه..
والأخطَرُ أنْ قد تمّت تَجزِئتُه إلى تقاليدَ وخُرافات وشَعوَذاتٍ سياسيةٍ ودينيّة…
ولم يتِمّ الاهتِمامُ بالرّوحِ الإنسانيّة التي تحتَضِن القيّمَ الإنسانيةَ التي لا تُفرّق بين إنسانٍ وآخر..
وفي العُمقِ لا فرقَ بين الناس..
العُمقُ الإنساني واحد، وقادِرٌ على إنتاجِ إنسانٍ جديد، بجُذورٍ إنسانيّةٍ مشترَكة..
المُشترَكاتُ بين الناس تَتراجَع..
وبدُونِ الإنسان، حُقُوقًا وواجِبات، يُبنَى بَشرٌ على قوالبَ غيرِ إنسانية، وفي خدمةِ إيديُولوجيا وأحزابٍ وحُكوماتٍ وغيبيّات..
ويَنحرِفُ الإنسانُ عن الإنسانيّة..
ويَستَغلّ سياسيّون الإنسانيّةَ بتَمزِيقِ وتشتِيتِ الإنسان، وتحوِيلِهِ إلى قِطَع، وبالتالي إلى أشباهِ إنسان…

  • بعيدًا عنِ الرّوحِ الإنسانية!

[email protected]

الأربعاء 15:00
مطر خفيف
C
°
19.79
الخميس
18.95
mostlycloudy
الجمعة
18.71
mostlycloudy
السبت
18.88
mostlycloudy
الأحد
21.77
mostlycloudy
الأثنين
19.79
mostlycloudy