بعدما نسفت وزارة الانتقال الطاقي مبرر توفير الكهرباء.. الحكومة تعلن تشبثها بالساعة الإضافية رغم اتساع جبهة الرفض الشعبي
عاد ملف الساعة الإضافية إلى واجهة النقاش العمومي والسياسي في المغرب من جديد، لكن هذه المرة من داخل الحكومة نفسها، بعدما كشفت تصريحات صادرة عن وزيرتين، في توقيتين مختلفين، عن مقاربتين متباينتين للتعاطي مع واحد من أكثر القرارات إثارة للجدل منذ اعتماده بشكل دائم سنة 2018.
ففي الوقت الذي أقرت فيه وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، قبل أسابيع، من تحت قبة البرلمان، بأن الساعة الإضافية لم تعد تحقق مكاسب طاقية ملموسة خلال فصل الشتاء، خرجت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، لتؤكد تمسك الحكومة بالإبقاء على GMT+1، معتبرة أن الأمر يتعلق بخيار استراتيجي يستند إلى اعتبارات اقتصادية وإدارية ومؤسساتية تتجاوز مسألة الاقتصاد في الطاقة.
هذا التطور أعاد طرح أسئلة جديدة حول الأسس الحقيقية التي تدفع الحكومة إلى التشبث بالساعة الإضافية، خاصة أن المبرر الطاقي كان يشكل، منذ البداية، أحد أبرز الحجج التي قُدمت للرأي العام عند اتخاذ قرار اعتماد التوقيت الصيفي بشكل دائم قبل ثماني سنوات.
وكانت ليلى بنعلي قد فجرت نقاشا واسعا داخل البرلمان عندما أقرت بأن الدراسات والمعطيات المتوفرة حاليا لا تسمح بالحديث عن وفورات طاقية مهمة خلال فصل الشتاء نتيجة اعتماد الساعة الإضافية، كما أوضحت أن أنماط استهلاك الكهرباء بالمغرب تغيرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، بفعل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وتغير العادات الاستهلاكية للأسر والمقاولات، وهو ما جعل الأثر الذي كان يُفترض أن تحققه الساعة الإضافية على مستوى تقليص استهلاك الطاقة أقل وضوحا مما كان عليه في السابق.
ولم تتوقف الوزيرة عند هذا الحد، بل أعلنت أن وزارتها شرعت، بتنسيق مع القطاعات الحكومية المعنية، في تحيين الدراسات المرتبطة بأثر الساعة القانونية على الاستهلاك الطاقي، في اعتراف ضمني بأن المعطيات التي استند إليها القرار سنة 2018 لم تعد كافية لتقييم الوضع الحالي.
هذه التصريحات بدت لافتة، بالنظر إلى أن الاقتصاد في الطاقة كان من أبرز المبررات الرسمية التي رافقت اعتماد الساعة الإضافية بشكل دائم. ففي أكتوبر 2018، بررت الحكومة القرار بكونه سيمكن من ترشيد استهلاك الكهرباء، وتقليص الفاتورة الطاقية الوطنية، وتحسين مردودية الاقتصاد الوطني، إضافة إلى تعزيز التوافق الزمني مع الشركاء الاقتصاديين الدوليين.
لكن بعد أشهر من تصريحات بنعلي، عادت الحكومة لتبعث برسالة مختلفة تماما عبر أمل الفلاح السغروشني، التي أكدت، في جواب على أسئلة كتابية بمجلس المستشارين، أن الحكومة متمسكة بخيار GMT+1، وأن هذا القرار يندرج ضمن توجه استراتيجي قائم على رؤية شاملة لتدبير الزمن الإداري والاقتصادي للمملكة.
وشددت السغروشني على أن اعتماد الساعة الإضافية لا يرتبط بقرار ظرفي أو مؤقت، بل يستند إلى إطار قانوني ومؤسساتي واضح، يبدأ من الظهير المتعلق بالتوقيت القانوني الصادر سنة 1967، وصولا إلى المرسوم الحكومي لسنة 2018، الذي يمنح السلطة التنفيذية صلاحية إضافة أو حذف ستين دقيقة بحسب الحاجيات الوطنية.
كما أكدت أن الحكومة تأخذ بعين الاعتبار مجموعة واسعة من المعايير عند تدبير هذا الملف، من بينها استمرارية المرافق العمومية، والتنظيم الإداري، وتنسيق الأنشطة الاقتصادية، والعلاقات مع الشركاء الدوليين، معتبرة أن تقييم الساعة القانونية لا يمكن أن يتم فقط من زاوية قطاعية أو تقنية ضيقة.
ورغم أن تصريحات الوزيرتين لا تكشف عن خلاف حكومي مباشر، فإنها تعكس انتقالا واضحا في طبيعة الخطاب الرسمي حول الساعة الإضافية. فخلال السنوات الأولى بعد اعتماد القرار، كان الحديث الحكومي يركز بشكل أساسي على ترشيد استهلاك الكهرباء، وتقليص الفاتورة الطاقية، وتحقيق مكاسب اقتصادية مرتبطة بالطاقة.
أما اليوم، وبعد اعتراف وزارة الطاقة بأن هذه المكاسب لم تعد مؤكدة خلال فصل الشتاء، فيبدو أن الحكومة بدأت تنقل مركز ثقل دفاعها عن القرار إلى اعتبارات أخرى مرتبطة بالتنظيم الإداري، والاندماج الاقتصادي، والتنافسية الدولية.
ومنذ اعتماد GMT+1 بشكل دائم، لم يتوقف الجدل المجتمعي حول تأثيراته على الحياة اليومية، خاصة خلال فصل الشتاء، عندما يضطر ملايين التلاميذ والموظفين إلى مغادرة منازلهم قبل شروق الشمس. كما ارتبطت الانتقادات بتداعيات القرار على النوم والإيقاع البيولوجي للأطفال والأسر والتنقلات اليومية، وهي معطيات ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي، وفي العرائض والمطالبات المتكررة بإلغاء الساعة الإضافية.
وقد تعزز هذا النقاش خلال الأشهر الأخيرة بعد صدور دراسات واستطلاعات رأي أظهرت استمرار الرفض الشعبي للساعة الإضافية، كما خلصت بعض الدراسات الحديثة إلى أن المكاسب المرتبطة بتقليص استهلاك الكهرباء أصبحت أقل وضوحا مقارنة بما كان متوقعا عند اعتماد القرار لأول مرة.
وفي هذا السياق، حملت تصريحات ليلى بنعلي أهمية خاصة، لأنها صادرة عن القطاع الحكومي الأكثر ارتباطا بالهدف الأصلي للقرار، أي تدبير الطاقة. وعندما تعترف وزارة الطاقة نفسها بأن وفورات الكهرباء لم تعد مؤكدة أو ملموسة خلال الشتاء، فإن ذلك يطرح تلقائيا سؤالا حول ما إذا كانت الحكومة بصدد إعادة صياغة فلسفة القرار ومبرراته دون الإعلان رسميا عن ذلك.
فإذا كانت الساعة الإضافية لم تعد تُبرر اليوم أساسا باعتبارات الاقتصاد في الطاقة، كما توحي تصريحات وزارة الطاقة، وإذا كانت الحكومة أصبحت تدافع عنها أساسا باعتبارها أداة لتنظيم الزمن الإداري والاقتصادي، كما تؤكد وزارة إصلاح الإدارة، فإن النقاش تحول إلى مستوى أعمق يتعلق بمنطق تبرير أحد أكثر القرارات العمومية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة.
غير أن ما يثير الانتباه في الجدل المتجدد حول الساعة الإضافية هو التحول الذي طرأ على طبيعة الرفض الشعبي نفسه. فبعد سنوات من التركيز على صعوبة الاستيقاظ في الظلام أو اضطراب مواعيد الدراسة والعمل، أصبح النقاش اليوم أكثر ارتباطا بسؤال الجدوى، إذ لم يعد جزء من الرأي العام يكتفي بالاعتراض على الآثار اليومية للقرار، بل بات يطالب بمعرفة العائد الفعلي الذي يبرر الإبقاء عليه، خاصة بعدما بدأت مؤسسات رسمية وخبراء ودراسات متخصصة تطرح بدورها تساؤلات حول بعض المبررات التي رافقت اعتماده سنة 2018.
وخلال الأشهر الأخيرة، عادت العرائض الإلكترونية وحملات التوقيع لتحتل واجهة النقاش العمومي، مستفيدة من حالة التململ التي رافقت العودة إلى الساعة الإضافية بعد رمضان. ولم يعد خطاب هذه المبادرات يقتصر على المطالبة بإلغاء GMT+1، بل تطور نحو الدعوة إلى فتح نقاش وطني جديد حول التوقيت القانوني للمملكة على ضوء المعطيات الاقتصادية والاجتماعية المستجدة، معتبرا أن قرارا بهذا الحجم، يمس الحياة اليومية لملايين المغاربة، يحتاج إلى تقييم دوري ومعلن للرأي العام يوضح كلفته ومكاسبه الحقيقية.
ويبدو أن هذا النقاش يتغذى أيضا من مفارقة سياسية لافتة، فبينما تتحدث الحكومة اليوم عن الاستقرار المؤسساتي، والنجاعة الاقتصادية، والتنسيق مع الشركاء الدوليين لتبرير الإبقاء على الساعة الإضافية، يتذكر كثيرون أن الخطاب الرسمي الذي رافق اعتماد القرار قبل ثماني سنوات كان يضع مسألة الاقتصاد في الطاقة في صدارة المبررات. وبين الخطابين، تتسع مساحة التساؤل المجتمعي حول ما إذا كانت مبررات القرار قد تغيرت مع مرور الوقت، أم أن الحكومة انتقلت من تبرير إلى آخر دون أن تعلن بشكل صريح مراجعة فلسفة القرار وأهدافه الأصلية.




