بعد تلميحات ترامب بشأن غرينلاند.. الدنمارك تدفع بـ1600 مجند جديد وترفع جاهزيتها العسكرية تحسبا لتصاعد التوتر في القطب الشمالي
في خطوة تعكس تصاعد المخاوف الدنماركية من التطورات المرتبطة بجزيرة غرينلاند، شرعت كوبنهاغن في تعزيز قدراتها العسكرية عبر استدعاء نحو 1600 مجند جديد للانضمام إلى القوات المسلحة، وذلك بعد أيام من تلميحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية انتقال الجزيرة إلى السيطرة الأمريكية قبل انتهاء ولايته الحالية، وهي التصريحات التي أعادت إلى الواجهة أحد أكثر الملفات الجيوسياسية حساسية في منطقة القطب الشمالي.
وذكرت تقارير إعلامية، نقلا عن وكالة "رويترز"، أن المجندين باشروا بالفعل خدمتهم العسكرية ضمن نظام جديد يمتد إلى أحد عشر شهرا، في إطار إصلاحات دفاعية أطلقتها الحكومة الدنماركية لتعزيز جاهزية الجيش ورفع قدرته على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة، حيث سيجري إرسال عدد من هؤلاء المجندين مباشرة إلى غرينلاند، حيث سيتمركز نحو مائة جندي لمدة شهر، في وقت تخطط فيه الدنمارك لرفع عدد المجندين تدريجيا إلى 7500 بحلول سنة 2033.
ويأتي هذا التحرك العسكري في سياق تصاعد التوتر عقب تصريحات ترامب خلال مقابلة مع برنامج "Real America's Voice"، عندما أيد توقعات مقدم البرنامج بشأن إمكانية خضوع غرينلاند للسيطرة الأمريكية قبل نهاية ولايته، مكتفيا بالقول: "أنصحك بالمراهنة على ذلك"، حيث اعتبرت هذه التصريحات مؤشرا جديدا على استمرار تمسك الرئيس الأمريكي بفكرة توسيع النفوذ الأمريكي على الجزيرة، بعدما سبق أن طرح مسألة شرائها خلال ولايته الأولى.
ولم تكن المخاوف الدنماركية وليدة هذه التصريحات فقط، إذ سبق لهيئة الإذاعة والتلفزيون الدنماركية "DR" أن كشفت، في مارس الماضي، أن الجيش الدنماركي استعد مطلع العام الجاري لسيناريوهات مرتبطة باحتمال تعرض غرينلاند لهجوم أمريكي، من خلال تدريبات حملت اسم "الصمود القطبي". ووفقا للتقرير، نقلت القوات الدنماركية إلى الجزيرة تجهيزات عسكرية شملت متفجرات وإمدادات طبية واحتياطيات من الدم، تحسبا لأي مواجهة محتملة، في خطوة عكست مستوى القلق الذي بات يحيط بالملف.
وأضاف التقرير أن كوبنهاغن أجرت، في بداية سنة 2025، مشاورات سرية مع فرنسا وألمانيا ودول الشمال الأوروبي، بهدف تأمين دعم سياسي في مواجهة الضغوط الأمريكية، كما بحثت إمكانية حصولها على دعم عسكري أوروبي، بما في ذلك احتمال إرسال فرنسا مئات الجنود إذا استدعت الظروف ذلك.
وحاولت بعض العواصم الغربية التقليل من احتمالات تطور الأزمة، إذ أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، أن المبادئ المؤسسة للحلف تستبعد أي اعتداء من دولة عضو على دولة عضو أخرى، معتبرا أن فرضية استيلاء الولايات المتحدة على غرينلاند لا تبدو واقعية في ظل التزامات الحلف الأطلسي.
وفي تطور زاد من تعقيد الملف، كشفت وسائل إعلام دنماركية، في وقت سابق، عن تحقيق تناول تحركات ثلاثة أمريكيين مقربين من دونالد ترامب، قيل إنهم سعوا إلى التواصل مع سكان غرينلاند وتشجيعهم على الانفصال عن مملكة الدنمارك والانضمام إلى الولايات المتحدة. وأثار التحقيق جدلا واسعا داخل الدنمارك، ودفع السلطات إلى التعامل مع القضية باعتبارها مسألة تمس الأمن القومي.
وعلى إثر ذلك، أعلن وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن استدعاء القائم بالأعمال الأمريكي في كوبنهاغن لعقد اجتماع رسمي، مؤكدا أن بلاده تنظر بقلق إلى أي محاولات للتدخل في شؤونها الداخلية أو التأثير في مستقبل غرينلاند، مع استمرار متابعة نتائج التحقيق دون الإعلان عن وجود أدلة تثبت تنسيقا مباشرا بين تلك التحركات والإدارة الأمريكية.
وتكتسي غرينلاند أهمية استراتيجية استثنائية، فهي أكبر جزيرة في العالم، وتتبع سياسيا لمملكة الدنمارك مع تمتعها بحكم ذاتي واسع منذ سنة 1979، بينما تقع جغرافيا ضمن قارة أمريكا الشمالية ولا تبعد سوى نحو ستة عشر كيلومترا عن السواحل الكندية. كما تغطي الكتل الجليدية أكثر من 80 في المائة من مساحتها، وتضم موارد طبيعية هائلة، فضلا عن موقعها الحيوي الذي يجعلها إحدى أهم نقاط الارتكاز العسكرية في القطب الشمالي.
وتعود الأطماع الأمريكية في الجزيرة إلى عقود مضت، إذ عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان سنة 1946 شراءها مقابل مائة مليون دولار، غير أن الدنمارك رفضت المقترح بشكل قاطع. ورغم ذلك، حافظت واشنطن على وجود عسكري دائم في الجزيرة من خلال قاعدة ثول الجوية، التي تحولت لاحقا إلى إحدى أهم محطات الرادار والإنذار المبكر في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية، وهو ما يجعل غرينلاند اليوم في قلب التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في المنطقة القطبية، وسط مؤشرات على أن التوتر حول مستقبلها مرشح للتصاعد خلال المرحلة المقبلة.




