ترامب يؤكد تمسكه بغرينلاند ويلمح إلى انتقالها للسيادة الأمريكية قبل نهاية ولايته

 ترامب يؤكد تمسكه بغرينلاند ويلمح إلى انتقالها للسيادة الأمريكية قبل نهاية ولايته
الصحيفة - إسماعيل بوبعقوبي
السبت 1 غشت 2026 - 15:13

عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إثارة الجدل بشأن مستقبل جزيرة غرينلاند، بعدما لمح إلى احتمال انتقالها إلى السيطرة الأمريكية قبل انتهاء ولايته الرئاسية الحالية، في تصريحات أعادت إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات الجيوسياسية حساسية في العالم، حيث من المنتظر أن تثير تصريحات ترامب ردود فعل دانماراكية قوية.

وخلال مقابلة أجراها مع برنامج "Real America's Voice"، علق ترامب على حديث مقدم البرنامج الذي أعرب عن اعتقاده بأن غرينلاند ستكون تحت السيطرة الميدانية للولايات المتحدة قبل مغادرته البيت الأبيض، ليجيب الرئيس الأمريكي بعبارة مقتضبة لكنها لافتة: "أنصحك بالمراهنة على ذلك"، في رد اعتبره متابعون مؤشرا جديدا على تمسكه بفكرة ضم الجزيرة أو تعزيز النفوذ الأمريكي عليها، بعدما سبق أن طرح هذا الملف خلال ولايته الرائسية.

ولا تزال مواقف الحلفاء الغربيين متباينة إزاء هذا الطرح، إذ كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أكد، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" المنعقدة في أنقرة، أنه لا يرى أي احتمال لإقدام الولايات المتحدة على الاستيلاء على غرينلاند، مشددا على أن المبادئ المؤسسة للحلف تقوم على عدم اعتداء أي دولة عضو على دولة عضو أخرى، وهو ما اعتبر رسالة واضحة لاستبعاد أي سيناريو من هذا النوع داخل الفضاء الأطلسي.

وكان تحقيق دنماركي سابق قد أثارت جدلا واسعا بعدما كشف عن تحركات غير معلنة قادها ثلاثة أمريكيين مقربين من دونالد ترامب، قيل إنها هدفت إلى استمالة سكان غرينلاند وتشجيعهم على الانفصال عن مملكة الدنمارك والالتحاق بالولايات المتحدة، وهو ما دفع السلطات الدنماركية إلى التعامل مع الملف بحذر شديد، في ظل مخاوف من وجود محاولات للتأثير في مستقبل الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي.

وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، في تصريحات سابقة، أن بلاده تتابع بقلق ما وصفه بتزايد الاهتمام الأجنبي بغرينلاند، مشددا على أن أي تدخل في الشؤون الداخلية للمملكة الدنماركية أمر غير مقبول. كما أوضح أنه استدعى القائم بالأعمال الأمريكي في كوبنهاغن لعقد اجتماع رسمي من أجل مناقشة المعطيات التي تضمنها التحقيق، في خطوة عكست حساسية القضية بالنسبة للعلاقات بين البلدين.

ووفقا لما أورده التحقيق، فإن الأشخاص الثلاثة اعتمدوا، خلال تحركاتهم، على استحضار ملفات تاريخية مثيرة للجدل بهدف كسب تعاطف جزء من المجتمع الغرينلاندي، وفي مقدمتها قضية الأطفال الذين تم فصلهم عن أسرهم ضمن تجارب اجتماعية أثارت انتقادات واسعة في الماضي. واعتبر التقرير أن استغلال هذه القضية جاء في إطار محاولة لإضعاف صورة الدنمارك داخل الجزيرة وتعزيز خطاب يصب في مصلحة توسيع النفوذ الأمريكي.

كما أشار التقرير إلى أن الأمريكيين الثلاثة شوهدوا في أكثر من مناسبة إلى جانب الرئيس دونالد ترامب، وأن أحدهم يشغل حاليا منصبا يمنحه تأثيرا مباشرا في ملفات السياسة الأمنية الأمريكية، غير أن السلطات الدنماركية أوضحت، في المقابل، أنها لم تتوصل حتى الآن إلى أدلة تثبت وجود تنسيق مباشر بين تلك التحركات والبيت الأبيض، رغم استمرار متابعتها الدقيقة لتطورات الملف.

وتخضع غرينلاند، من الناحية السياسية، لسيادة مملكة الدنمارك، غير أنها تقع جغرافيا ضمن قارة أمريكا الشمالية، ولا يفصلها عن السواحل الكندية سوى نحو ستة عشر كيلومترا. وتعد أكبر جزيرة في العالم، إذ تتجاوز مساحتها مليوني كيلومتر مربع، بينما لا يتجاوز عدد سكانها حوالي ستة وخمسين ألف نسمة، ما يجعلها من أقل مناطق العالم كثافة سكانية رغم امتدادها الجغرافي الهائل.

وتفوق مساحة غرينلاند مساحة الدنمارك بنحو خمسين مرة، في حين يتجاوز عدد سكان الدنمارك سكان الجزيرة بما يزيد على خمسة وتسعين ضعفا، كما يرتبط تاريخ الجزيرة بعدد من المحطات الغامضة، أبرزها اختفاء سكانها خلال القرن الخامس عشر، وهي الواقعة التي تعددت التفسيرات بشأنها بين من أرجعها إلى هجمات الإسكيمو، ومن رأى أن الظروف المناخية القاسية والانخفاض الشديد في درجات الحرارة كانا السبب الرئيسي وراء ذلك.

وتزايدت الأهمية العسكرية لغرينلاند بشكل لافت خلال الحرب العالمية الثانية، عندما تولت الولايات المتحدة مسؤولية الدفاع عنها، قبل أن تنتقل هذه المهمة، بعد انتهاء الحرب، إلى إطار حلف شمال الأطلسي.

وكانت واشنطن قد تقدمت سنة 1946، في عهد الرئيس هاري ترومان، بعرض لشراء الجزيرة مقابل مائة مليون دولار، غير أن الحكومة الدنماركية رفضت المقترح بشكل قاطع، قبل أن يعيد دونالد ترامب إحياء الفكرة سنة 2019، الأمر الذي أثار آنذاك ردود فعل واسعة داخل الدنمارك.

ورغم عدم نجاح محاولات شراء الجزيرة، حافظت الولايات المتحدة على حضورها العسكري الدائم في غرينلاند، إذ أنشأت سنة 1943 قاعدة ثول الجوية التابعة لسلاح الجو الأمريكي، قبل أن تتحول عام 1961 إلى مقر لأكبر محطة رادار في العالم، وهو ما جعل الجزيرة إحدى الركائز الأساسية للاستراتيجية الدفاعية الأمريكية في منطقة القطب الشمالي.

وعلى المستوى الداخلي، حصلت غرينلاند على نظام الحكم الذاتي سنة 1979، وأصبحت تتمتع بحكومة وبرلمان محليين، مع استمرار تمثيلها داخل البرلمان الدنماركي.

و تظل البيئة الطبيعية من أبرز سمات الجزيرة، حيث تغطي الكتل الجليدية أكثر من ثمانين في المائة من مساحتها، وهو ما يمنحها مكانة استثنائية على المستويين البيئي والاستراتيجي، ويجعلها في قلب التنافس الدولي المتزايد على مناطق القطب الشمالي.

The comments are closed in this post

إسبانيا التي يبتلعها التطرف

ثمة شيء يتغير بعمق داخل إسبانيا، وليس من الحكمة اختزاله في صعود حزب "فوكس"، ولا في بعض المظاهرات التي يظهر فيها شبان يؤدون التحية الفاشية، ولا حتى في الشتائم التي ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...