بعد لقاء الملك وابن زايد.. هل تجاوزت العلاقات المغربية الخليجية "حقل الألغام"؟

في ظرفية أخرى غير الظرفية الحالية، كان يمكن أن تعتبر الصورة التي جمعت الملك محمد السادس بولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، صور عادية تبدي ملمحا من ملامح الود والمجاملة بين العاهل المغربي والحاكم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي غالبا ما كان يبديها الطرفان خلال تبادلهما الزيارات الرسمية منها والشخصية، لكن الأمر الآن مختلف تماما، إذ يتعلق برسالة قد تعني طي صفحة طويلة من الخلافات استمرت لسنوات على غير العادة.

فمنذ سنة 2017، وتحديدا بعدما رفض المغرب أن يكون جزءا من التحالف المناوئ لدولة قطر، والذي يضم السعودية والبحرين ومصر إلى جانب الإمارات، أصاب الجمود علاقات الرباط بالرياض وأبو ظبي وبلغت القطيعة بين المملكة وحليفيها الخليجيين التقليديين درجة غير مسبوقة من السوء بلغ حد سحب السفراء بشكل غير معلن وإنهاء بعض التحالفات، خاصة التحالف العسكري الذي قادته السعودية في اليمن.

أزمة غير مسبوقة

وكان قرار الملك محمد السادس عدم التخلي عن دولة قطر إثر قرار مفاجئ من الإمارات والسعودية والبحرين بإغلاق الحدود البرية والجوية والبحرية ووقف المبادلات التجاري معها، في يونيو من سنة 2017، نقطة انطلاق إحدى أعقد أزمات العلاقات المغربية الخليجية، خاصة بعد إرسال المغرب لدعم غذائي للدوحة لتزامن "القطيعة" مع شهر رمضان، ثم زيارة الملك لأمير قطر في نونبر من العام نفسه.

واتخذت السعودية التي كان محمد بن سلمان، المتقلدُ حديثا لولاية العهد بها في ظل تقدم والده في السن، مواقف خصومة علنية من المغرب، مدعومة في ذلك بمحمد بن زايد نفسه ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للدولة الإمارات نتيجة مرض شقيقه خليفة بن زايد، والتي اتضحت معالمها بشكل كبير في يونيو سنة 2018، حين صوت البلدان لصالح الملف المونديالي الأمريكي الشمالي ضد الملف المغربي.

لكن الأمور ستتطور بشكل أكبر العام الماضي، وذلك بعدما اختار المغرب الإعلان إعادة النظر في مشاركته في التحالف العسكري العربي في اليمن عن طريق قناة "الجزيرة"، الأمر الذي ردت عليه السعودية إعلاميا من خلال قناة "العربية" الموجود مقرها في دبي، بتقرير يقتطع الصحراء من الخارطة المغربية، لينطلق بعدها مسلسل غير معلن من استدعاء السفراء، بل إن التشنج بين البلدين امتد إلى العلاقات الخاصة، والتي كان من أبرز ملامحها إلغاء العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز عطلته الصيفية السنوية بالمغرب.

بداية الانفراج

لكن قاعدة "لا عداوة دائمة في السياسة" عادت لتحكم العلاقات بين المغرب والخليج، خاصة في ظل التقارب بين قطر والسعودية إثر دخولهما في محادثات مباشرة لحل الأزمة، والتي أكدها شهر دجنبر الماضي وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.

وبدأت العلاقات تعود تدريجيا إلى سابق عهدها بين المغرب والسعودية خلال الشهور الأخيرة من العام الماضي، إذ إثر الهجوم على منشآت "آرامكو" النفطية في شهر شتنبر أرسل الملك محمد السادس رسالة لنظيره السعودي الملك سلمان جاء فيها أن "أمن واستقرار السعودية من أمن واستقرار المغرب".

وتلا ذلك في دجنبر من العام نفسه تقارب عسكري بين الرياض والرباط، من خلال اجتماع مشترك للجنة المغربية السعودية العسكرية، ترأسه الجنرال المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية، والجنرال رئيس مديرية التعاون الدولي بالقوات المسلحة للمملكة العربية السعودية، قبل أن يمتد الأمر للجانب الدبلوماسي بلقاء وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان بالرباط في الشهر نفسه.

غير أن التقارب المغربي السعودي طرح علامات استفهام حول ما إذا كان الأمر سيشمل الإمارات أيضا، وهو الأمر الذي ظل غامضا إلى أن قرر ولي عهد أبو ظبي زيارة الرباط اليوم الاثنين فور مشاركته في لقاء برلين الدولي حول ليبيا، ثم زيارة الملك محمد السادس له بمقر إقامته.

العلاقات الشخصية.. مفتاح المصالحة

وكانت المدة الطويلة للخلاف المغربي الخليجي قد شكلت مرحلة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين الطرفين، والتي كانت مبنية على أكثر مما هو سياسي أو دبلوماسي،  ويتعلق الأمر بالعلاقات الشخصية بل والعائلية أحيانا بين الأسر الحاكمة، وهو الأمر الذي يشير له المحلل السياسي محمد بودن في حديثه لـ"الصحيفة" إذ أورد أن "العلاقات المغربية الخليجية عرفت فترات إعادة تقييم بين الفينة والأخرى، لكن المؤكد أنها كانت دائما مبنية على رصيد مهم من العلاقات الشخصية بين العائلات المالكة".

ويرى رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية، أن العلاقة ما بين المغرب ودول الخليج يحكمها أيضا "الأمن القومي المشترك بفعل انتماء المغرب ودول الخليج للمنطقة العربية، بالإضافة إلى الأسس الاستراتيجية المنبنية على مجموعة من الشراكات والاتفاقات"، مضيفا أن "بلوغ هذه العلاقات لمستوى معين من الأزمات أو وجود بعض الارتباك بها، قد يرتبط ببعض التحولات الطارئة على المنطقة العربية أو العالم بشكل عام، والمتغيرات بالنسبة للعلاقات الدولية تبقى دائما مطروحة، كون أنها مبنية على ثنائيتي التعاون والمصلحة".

ووفق المتحدث نفسه فإن "الثوابت في العلاقات المغربية الخليجية مستمرة وتتفوق على الخلافات، نتيجة العلاقات الشخصية بين الأسر الحاكمة والارتباطات السياسية بين المغرب وهذه الدول" مشيرا إلى أن تلك الدول "كانت دائما مساندة للمغرب في قضاياه وملفاته الكبرى، فيما دعمها هو باستمرار في قضايا السيادة والأمن"، خالصا إلى أن "الأزمة الصامتة بين الطرفين كانت ستنتهي حتما، كون أن العلاقات المغربية الخليجية تظل محكومة بوجود مؤسسات ضامنة لعودة المياه إلى مجاريها".

ماذا ربح المغرب؟

ويبدو أن المُصالحة المغربية السعودية الإماراتية التي أضحت قريبة من التحقق أكثر من أي وقت مضى، وكذا بوادر الانفراج في الأزمة بين الدوحة والرياض، أكدت صوابية موقف المغرب الرافض للدخول في أي تحالفات عدائية، وهو ما يؤكده بودن الذي قال إن المغرب كانت له دائما "رؤية ثاقبة وتقدير دقيق للوضع في المنطقة، وفي الوقت نفسه يضع في اعتباره أن العلاقات مع دول الخليج هي علاقات خاصة، وهذا ما دفعه إلى الوقوف على المسافة نفسها من كل الدول خلال الأزمة الخليجية".

ويعتبر المحلل السياسي أن هذا الأمر "أعطى انطباعا واضحا بأن المغرب له استقلالية في سياساته الخارجية التي تنبني أساسا على الوضوح والطموح"، موردا أن أي طرف يجب أن يتفهم موقفه من الأزمة الخليجية، لأنه كان من المؤكد أنها ستعرف انفراجا في نهاية المطاف، وهو ما بدأت ملامحه تتضح بالفعل من خلال مؤشرات التحسن على بعض المستويات.

وشدد بودن على أن المغرب "له ثقله الدولي ومكانته داخل الاتحاد الإفريقي ورصيده داخل العالم العربي وتواجده المهم داخل محيطه الإقليمي، لذلك ارتأى أن لا يمارس التأثير على أحد وفي المقابل لا يقبل أن يمارَس عليه التأثير، خاصة في ظل الأحداث الإقليمية المتسارعة"، مضيفا أن المملكة أثبت أن علاقاتها بالخليج "مبنية على برنامج واضح وعلى ضمان الاستمرارية".

ووفق المتحدث نفسه فإن المغرب كان دائما يفضل اتخاذ القرارات المتعلقة بالعلاقات الثنائية تحديدا "بناء على التشاور لا على رغبة طرف أو أطراف معينة"، موردا أن السياسية الخارجية المغربية "تتفادى التأثيرات الهادفة لاتخاذ موقف ضد طرف معين وتنأى بنفسها عن ذلك، بالإضافة إلى أن المغرب يعمل عادة على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة ولعب دور الوساطة النزيهة".

السبت 9:00
مطر خفيف
C
°
10.82
الأحد
13.53
mostlycloudy
الأثنين
12.58
mostlycloudy
الثلاثاء
12.73
mostlycloudy
الأربعاء
12.04
mostlycloudy
الخميس
12.95
mostlycloudy