بعد 8 سنوات على قطع المغرب علاقاته مع طهران.. موريتانيا تنتبه لـ"اختراق" سيادتها ودور سفارة إيران في الجزائر يعود إلى الواجهة
لم يكن استدعاء السلطات الموريتانية للسفير الإيراني لدى نواكشوط، جواد أبو علي أكبر، أمس الاثنين، مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل أعاد إلى الواجهة ملفا ظل المغرب يحذر منه منذ سنوات، يتعلق بمحاولات إيران توسيع نفوذها داخل القارة الإفريقية، وخاصة في المجال الجغرافي والسياسي والأمني المحيط بالمملكة.
ففي الوقت الذي أكدت فيه وزارة الخارجية الموريتانية حرصها على تطوير العلاقات مع طهران، جاءت رسالتها إلى السفير الإيراني واضحة، ومفادها أن الانفتاح على الجمهورية الإسلامية لا يمنح ممثليها الحق في تجاوز القواعد المنظمة للعمل الدبلوماسي أو القيام بتحركات لا تحترم سيادة الدولة الموريتانية والأعراف التي تضبط نشاط البعثات الأجنبية.
ملامح "اختراق" طهران لموريتانيا
السلطات الموريتانية، لم تكشف عن جميع تفاصيل التحركات التي أثارت احتجاجها، غير أن وسائل إعلام ومنصات محلية كانت قد تداولت، خلال الأيام الماضية، معلومات وصورا بشأن زيارة قام بها السفير الإيراني إلى مناطق ريفية، من بينها قرية بوسديره التابعة لمقاطعة بوتلميت، بعد تلقيه دعوة من أحد سكان المنطقة.
كما تحدثت مصادر إعلامية موريتانية عن توقيف ثلاثة أشخاص على خلفية ارتباطهم بالدعوة الموجهة إلى السفير والزيارة التي قام بها إلى المنطقة، وهي تطورات جعلت القضية تتجاوز بعدها البروتوكولي العادي، وتتحول إلى موضوع مرتبط بحساسية التحركات الأجنبية داخل بلد يحتل موقعا استراتيجيا في واحدة من أكثر مناطق القارة الإفريقية تعقيدا من الناحية الأمنية.
وتأتي الخطوة الموريتانية في سياق إقليمي لا يمكن فصله عن التحذيرات التي أطلقها المغرب منذ سنوات بشأن استراتيجية النفوذ الإيراني في شمال وغرب إفريقيا، وهي استراتيجية اعتمدت، حسب المعطيات التي كشفت عنها الرباط، على توظيف شبكة من العلاقات السياسية والدينية والأمنية، إلى جانب الاستعانة بوكلاء وحلفاء خارج الحدود الإيرانية.
هل تنتبه نواكشوك لما حذرت منه الرباط؟
وكانت سنة 2018 محطة مفصلية في هذا المسار، بعدما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، حيث طالب السفير الإيراني آنذاك بمغادرة الرباط، واستدعى سفيره من طهران، في قرار وصفته المملكة حينها بأنه رد على تهديد مباشر لأمنها ومصالحها العليا.
وأكد وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، عند إعلان القرار في إبانه، أن المغرب توصل إلى معطيات وصفها بالحجج الدامغة حول تورط إيران، عبر حزب الله اللبناني، في تقديم دعم مالي ولوجستي وعسكري لجبهة البوليساريو الانفصالية.
ولم تكتف الرباط بالحديث عن دعم سياسي أو تقارب عادي بين أطراف إقليمية، بل كشفت عن شبكة من العلاقات والتنسيق بين حزب الله والبوليساريو، من ضمن أهدافها تدريب عناصر الجبهة الانفصالية وتقديم مساعدات عسكرية لها، في إطار تحرك تم عبر قنوات مرتبطة بالسفارة الإيرانية في الجزائر.
وكانت هذه المعطيات بالنسبة إلى المغرب كافية لإعادة تعريف طبيعة التهديد، إذ لم يعد الأمر يتعلق فقط بنزاع سياسي حول الصحراء، بل بمحاولة إدخال أطراف وشبكات مرتبطة بالمشروع الإقليمي الإيراني إلى قلب ملف يمس الأمن القومي المغربي ووحدة أراضيه.
خطر إيران من داخل الجزائر
وفي هذا السياق، برز اسم أمير موسوي، الذي كان يشغل مهمة مرتبطة بالتمثيل الدبلوماسي والثقافي الإيراني في الجزائر، وارتبط اسمه، في التقارير التي رافقت أزمة 2018، بقنوات التواصل بين جهات إيرانية وحزب الله وجبهة البوليساريو، حيث تأكد تورط عنصر واحد على الأقل في السفارة الإيرانية بالجزائر في عمليات مرتبطة بدعم الجبهة الانفصالية، ضمن شبكة تحركت بين الجزائر ولبنان ومخيمات تندوف، وهي المنطقة التي توجد فيها قيادة البوليساريو ومجموعاتها المسلحة فوق الأراضي الجزائرية.
ولم يكن ملف موسوي سوى جزء من صورة أوسع رسمتها الرباط بشأن الطريقة التي تعتمدها طهران في بناء نفوذها خارج حدودها، من خلال الجمع بين العمل الدبلوماسي الرسمي وشبكات النفوذ غير الرسمية، والاستفادة من علاقاتها بوكلاء إقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله.
وهو النموذج نفسه الذي جعل المغرب ينظر بقلق إلى محاولات التوسع الإيراني داخل إفريقيا، ليس فقط من خلال العلاقات السياسية والاقتصادية المباشرة، بل أيضا عبر الاستثمار في المجال الديني والثقافي، وبناء شبكات نفوذ يمكن أن تتحول، بحسب طبيعة الظروف، إلى أدوات ضغط سياسي وأمني.
التسريبات تتحول إلى وقائع
وظل التمدد الإيراني في إفريقيا يثير مخاوف متزايدة بسبب اعتماد طهران على أدوات متعددة لبناء النفوذ، خصوصا في مناطق تعرف هشاشة أمنية ومؤسساتية، وتواجه تحديات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والصراعات الانفصالية.
وتزداد حساسية هذا الأمر عندما يتعلق بمنطقة الساحل والمجال الجغرافي الممتد بين المغرب وموريتانيا والجزائر، والذي تتقاطع فيه الحدود والمسارات التجارية وشبكات التهريب والتحركات المسلحة، مع تواجد جبهة البوليساريو التي تتخذ من مخيمات تندوف، الواقعة داخل الأراضي الجزائرية، قاعدة لقيادتها ومجموعاتها.
وفي سنة 2025، على سبيل المثال، نشرت صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية تقريرا تناول علاقة إيران بعدد من الجماعات والجهات المسلحة خارج أراضيها، وربط في هذا السياق بين إيران والبوليساريو، معتبرا أن تراجع قدرات بعض حلفاء طهران في الشرق الأوسط قد يدفعها إلى البحث عن قنوات نفوذ أخرى.
كما ظهرت في السنوات الأخيرة تقارير أخرى أكثر تحديدا بشأن طبيعة العلاقة بين طهران والبوليساريو، حيث نقلت وسائل إعلام عن مصادر إقليمية ودولية معطيات تتعلق بتدريب عناصر من الجبهة، فيما تحدثت مصادر أخرى عن وجود مقاتلين من البوليساريو في سوريا خلال الحرب إلى جانب قوات نظام بشار الأسد.
وتعود أهمية هذه المسألة إلى أن البوليساريو لا توجد في فراغ جغرافي، فمراكز قيادتها ومخيمات اللاجئين المرتبطة بها تقع في جنوب غرب الجزائر، على مقربة من المجال الموريتاني والمناطق الصحراوية الممتدة نحو المغرب والساحل، حيث سبق لمركز الدراسات الاستراتيجية الإفريقية أن أشار إلى أن وضع البوليساريو والنزاع المغربي الجزائري جعلا موريتانيا، تاريخيا، فضاء تتقاطع فيه التنافسات الإقليمية وتنعكس فيه تداعيات الخلاف بين الرباط والجزائر.




